Akhbar Cairo

الأمم المتحدة تعتمد خريطة عالمية جديدة تُنصف أفريقيا

تصويت أممي يغيّر طريقة النظر إلى العالم

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الجمعة 4 سبتمبر/أيلول 2026 في نيويورك، قرارًا يدعو إلى التحول التدريجي من الخرائط التقليدية القائمة على إسقاط ميركاتور إلى تمثيل أكثر دقة لمساحات اليابسة، في خطوة وُصفت بأنها انتصار رمزي ومعرفي لأفريقيا ودول الجنوب العالمي. وبحسب ما أوردته تغطيات متطابقة وتقارير أممية متاحة عبر نظم وثائق الأمم المتحدة، حصل القرار على تأييد 164 دولة، مقابل رفض الولايات المتحدة وامتناع 6 دول عن التصويت.

أهمية التصويت لا تتعلق بالشكل البصري للخريطة فقط، بل بما يعكسه من مراجعة لطريقة ترسخت بها صورة العالم في التعليم والإعلام والتكنولوجيا لعقود طويلة. فإسقاط ميركاتور، المستخدم على نطاق واسع منذ القرن السادس عشر، يُظهر المناطق القريبة من القطبين بأحجام أكبر نسبيًا، ما يؤدي إلى تقليص الحجم المتصور لأفريقيا مقارنة بمساحتها الفعلية.

لماذا بدت أفريقيا أصغر مما هي عليه؟

في الوعي البصري العالمي، اعتاد كثيرون رؤية أفريقيا على الخرائط المدرسية والرقمية بحجم يبدو قريبًا من جرينلاند أو أصغر كثيرًا من كتل برية في الشمال، رغم أن الواقع الجغرافي مختلف تمامًا. ويرجع ذلك إلى طبيعة إسقاط ميركاتور الذي يحافظ بدرجة أفضل على الاتجاهات والملاحة، لكنه لا يحافظ على المساحات الحقيقية بالتساوي بين الدول والقارات.

ولهذا برز خلال السنوات الأخيرة دعم متزايد لاستخدام إسقاط Equal Earth أو “إيكوال إيرث”، وهو تصميم حديث نسبيًا طُرح في 2018 ويهدف إلى الحفاظ على المساحات النسبية بين المناطق بصورة أكثر توازنًا. هذا لا يعني أن أي خريطة مسطحة يمكنها نقل شكل الكرة الأرضية بلا تشوهات مطلقًا، لكنه يعني اختيار نوع التشوه الأقل تأثيرًا على فهم الأحجام الحقيقية للدول والقارات.

الزاوية الأفريقية في القرار

التحرك داخل الأمم المتحدة جاء بمبادرة من توغو وبدعم من الاتحاد الأفريقي، بعد حملة أوسع دفعت باتجاه تصحيح الصورة الذهنية للقارة في الخرائط الشائعة. وتكتسب هذه الخطوة وزنًا خاصًا عربيًا وأفريقيًا، لأن شمال أفريقيا جزء من القارة التي تأثرت تاريخيًا بهذا التشويه البصري، بما في ذلك دول مثل مصر والجزائر والسودان وليبيا والمغرب وتونس.

ومن منظور يهم القارئ المصري، فإن القضية تتجاوز الجغرافيا إلى السياسة الرمزية: كيف تُرى القارة الأفريقية في الكتب المدرسية، وفي تطبيقات الخرائط، وفي المواد الإعلامية الدولية؟ فحين تبدو أفريقيا أصغر من حجمها الحقيقي، ينعكس ذلك أحيانًا على إدراك الناس لثقلها السكاني والاقتصادي والموارد الطبيعية التي تمتلكها.

ماذا يعني القرار عمليًا؟

رغم أهمية التصويت، فإن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست ملزمة قانونيًا للدول أو الشركات أو المؤسسات التعليمية. وهذا يعني أن القرار لن يمنع فورًا استخدام خرائط ميركاتور، ولن يفرض خلال يوم واحد استبدال كل الخرائط المطبوعة أو الرقمية حول العالم.

لكن التأثير المتوقع يتمثل في دفع المؤسسات الدولية والوزارات التعليمية والناشرين ومنصات المعرفة وشركات التكنولوجيا إلى مراجعة الخرائط التي تستخدمها، خاصة في المواد التثقيفية والتعليمية. وتوضح الأمم المتحدة في موادها التعريفية أن الجمعية العامة تضم 193 دولة، ولكل دولة صوت واحد، وأن كثيرًا من القرارات تُستخدم بوصفها إطارًا سياسيًا وأخلاقيًا يوجّه النقاش الدولي حتى إذا لم يكن ملزمًا بالتنفيذ المباشر.

وبالنسبة للمنطقة العربية، قد يُعيد القرار فتح نقاش داخل المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث ووسائل الإعلام حول أي الخرائط أكثر عدالة ودقة عند تناول القضايا الأفريقية والعالمية، خصوصًا في الصحافة التعليمية والخرائط التفسيرية المصاحبة للتقارير.

هل الأمم المتحدة كانت تعتمد ميركاتور أصلًا؟

اللافت أن مواد الأمم المتحدة الجيومكانية تشير إلى أن أمانتها العامة لا تفرض إسقاطًا واحدًا حصريًا لكل الخرائط، وأن خرائطها استخدمت عبر السنوات إسقاطات متعددة، من بينها روبنسون ووينكل تريبيل وإيكرت الرابع، بحسب طبيعة الاستخدام. لذلك فإن جوهر القرار الجديد لا يتمثل في مجرد تبديل تقني داخل أرشيف المنظمة، بل في منح دفعة سياسية واضحة لفكرة الابتعاد عن الخرائط التي تُنتج اختلالًا كبيرًا في تصور المساحات.

وهذه نقطة مهمة لفهم القصة بدقة: القرار أقرب إلى إقرار أممي باتجاه معياري جديد في تمثيل العالم، وليس مجرد استبدال لوحة واحدة معلقة على جدار. ولهذا اكتسبت الخطوة صدى واسعًا في التغطيات الدولية، لأنها تمس صورة العالم كما تعلمها أجيال كاملة.

ما الخريطة البديلة؟

الخيار الذي حظي بأكبر حضور في النقاش هو إسقاط Equal Earth، وهو إسقاط متساوي المساحة طوّره بويان شافريتش وبرنهارد جيني وتوم باترسون عام 2018. ويُنظر إليه على أنه بديل حديث يسعى إلى إظهار القارات بأحجام أقرب إلى واقعها الجغرافي، من دون المبالغة التي تظهر في بعض الإسقاطات الأقدم، خصوصًا في المناطق الشمالية.

وبلغة مبسطة، إذا نظر القارئ إلى خريطة العالم الجديدة المقترحة، فسيلاحظ أن أفريقيا تظهر أكبر بكثير مما اعتدنا عليه في كثير من الخرائط المدرسية والرقمية. وهذا ليس تكبيرًا لأفريقيا، بل تصحيحًا لتصغير قديم ناتج عن الإسقاط التقليدي.

لماذا يهم هذا القرار مصر والمنطقة العربية؟

بالنسبة لمصر، التي تتحرك دبلوماسيًا داخل فضاءين عربي وأفريقي في آن واحد، فإن أي نقاش دولي يُعيد الاعتبار لموقع أفريقيا وحجمها الحقيقي يكتسب حساسية خاصة. فالقارة ليست هامشًا جغرافيًا، بل كتلة رئيسية في التجارة والطاقة والمياه والنقل والهجرة والأمن الإقليمي.

كما أن وسائل الإعلام العربية، خاصة تلك التي تخاطب جمهورًا مصريًا، قد تجد في هذا القرار فرصة لإعادة تقديم الخرائط المصاحبة لملفات السودان والقرن الأفريقي وليبيا والساحل وغرب أفريقيا بصورة أكثر دقة. وهذا ينسجم مع توجه تحريري أوسع يمنح القارة تمثيلًا بصريًا لا يقل أهمية عن التمثيل السياسي.

ما الذي يمكن أن يتغير بعد ذلك؟

  • المناهج الدراسية: قد تبدأ بعض الدول والمؤسسات التعليمية في مراجعة الخرائط المستخدمة في الكتب والمواد الصفية.
  • الخرائط الرقمية: ربما تتوسع بعض المنصات في استخدام إسقاطات بديلة في المواد التوضيحية غير الملاحية.
  • الإعلام والنشر: قد تتجه الصحف والمواقع ومراكز الأبحاث إلى استخدام خرائط أكثر اتزانًا عند شرح الملفات الدولية.
  • النقاش الأكاديمي: من المتوقع أن يتجدد الجدل بين الدقة البصرية، وسهولة القراءة، ومتطلبات الملاحة، والعدالة في تمثيل المساحات.

في النهاية، لا يغيّر القرار حدود الدول ولا مواقعها، لكنه يغيّر شيئًا لا يقل تأثيرًا: الطريقة التي يتخيل بها العالم نفسه. ومن هذه الزاوية، فإن تصويت الجمعية العامة لا يبدو مجرد إجراء فني يخص رسامي الخرائط، بل لحظة سياسية وثقافية تحمل رسالة واضحة مفادها أن صورة أفريقيا، ومعها صورة العالم العربي داخل القارة، تستحق تمثيلًا أقرب إلى الحقيقة.