Akhbar Cairo

الأمم المتحدة توسّع قائمة الشركات المرتبطة بالاستيطان إلى 214

تحديث أممي جديد يوسّع قاعدة بيانات الشركات المرتبطة بالاستيطان

أدرجت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي يقودها فولكر تورك، عددًا إضافيًا من الشركات ضمن قاعدة البيانات الخاصة بالأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليرتفع الإجمالي إلى 214 شركة. ويعكس هذا التحديث اتساع نطاق التدقيق الأممي في الأعمال التجارية التي يُعتقد أنها تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في دعم منظومة الاستيطان في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

وبحسب التحديث المعروض على مجلس حقوق الإنسان ضمن الوثيقة A/HRC/60/19، جرى إضافة 61 شركة جديدة، بينما أزيلت شركات أخرى بعد إعادة التقييم. وتوضح الوثيقة أن الغرض من القاعدة ليس إصدار أحكام قضائية، بل تنبيه الدول والشركات وأصحاب المصلحة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن بعض الكيانات تمارس أنشطة تقع ضمن الفئات التي سبق أن حددتها الأمم المتحدة في هذا الملف.

ما الذي تقصده الأمم المتحدة بهذه القاعدة؟

تعود جذور هذه القاعدة إلى قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 31/36 الصادر في 24 مارس 2016، ثم جرى تأكيد آلية التحديث السنوي بقرار لاحق هو 53/25. وبدأت النسخة الأولى العلنية من القائمة في عام 2020، عندما ضمت 112 شركة، قبل أن تشهد تحديثات متتابعة في السنوات التالية.

وتشمل الأنشطة التي قد تؤدي إلى إدراج الشركات في القاعدة مجالات واسعة، منها توريد المعدات ومواد البناء التي تساعد على تشييد المستوطنات أو توسيعها، وخدمات المراقبة والأمن المرتبطة بها، والأنشطة المصرفية والمالية التي تدعم استمرارها، إلى جانب استغلال الموارد الطبيعية الفلسطينية لأغراض تجارية. كما تتناول المعايير الأممية النقل والخدمات اللوجستية والضيافة وغيرها من القطاعات التي قد تساهم في ترسيخ الواقع الاستيطاني.

غالبية الشركات إسرائيلية.. وحضور لشركات دولية

المعطيات المنشورة تشير إلى أن الغالبية الساحقة من الشركات المدرجة يقع مقرها في إسرائيل، مع وجود شركات من دول أخرى، بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والصين وإسبانيا. ومن الأسماء التي وردت في التغطيات المرافقة للتحديث شركات دولية معروفة في مجالات السفر والإقامة، مثل Airbnb وExpedia، إلى جانب شركات أخرى تعمل في قطاعات العقارات والمواد واللوجستيات.

كما برز في التغطيات اسم شركة Heidelberg Materials الألمانية، فيما أضيفت شركات جديدة أخرى في التحديث الأخير، من بينها Adama الإسرائيلية وAlony Hetz وSalvat Logística الإسبانية. وفي المقابل، أزيلت شركات بعد أن خلصت المراجعة إلى عدم توافر أسباب كافية للاعتقاد بأنها ما زالت تمارس النشاط الذي أدى سابقًا إلى إدراجها.

الأساس القانوني: الاستيطان تحت مجهر القانون الدولي

يكتسب هذا التحديث أهمية إضافية لأنه يأتي بعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024، والذي أعاد التأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية أُقيمت وتُحافَظ عليها بما يخالف القانون الدولي. كما خلصت المحكمة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعت إلى ترتيبات تضمن إنهاء هذا الوضع.

ومن الناحية السياسية، يضع هذا السياق القانوني الشركات الدولية أمام ضغوط متزايدة تتعلق بالامتثال لمبادئ الأعمال وحقوق الإنسان، لا سيما في البيئات المتأثرة بالنزاع. فالأمم المتحدة تشير بوضوح إلى مسؤولية الدول عن التأكد من أن الشركات الواقعة تحت ولايتها القضائية لا تسهم في انتهاكات جسيمة أو في أوضاع غير قانونية مستمرة.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

بالنسبة إلى المتابع المصري، لا يتعلق الخبر بمجرد قائمة أممية تقنية، بل بتطور له دلالات إقليمية تتصل مباشرة بالقضية الفلسطينية، وهي قضية حاضرة بقوة في المجالين السياسي والشعبي في مصر. كما أن أي تشدد دولي تجاه الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات ينعكس على النقاش الأوسع حول مستقبل الضفة الغربية، وفرص التسوية، وحدود الضغوط الممكنة على إسرائيل لوقف التوسع الاستيطاني.

وفي هذا الإطار، تواصل القاهرة التأكيد في بياناتها الرسمية على رفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية في الأراضي المحتلة، وعلى عدم شرعية الاستيطان وضرورة الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، بما فيها القرار 2334 والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة مع تصاعد المخاوف من أن يؤدي التوسع الاستيطاني إلى تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

أرقام وتحديثات تكشف اتساع الملف

تسلسل التحديثات يوضح أن الملف في حالة توسع مستمر. فبعد قائمة 2020 التي شملت 112 شركة، ارتفع العدد في تحديثات لاحقة، ثم وصل في عام 2025 إلى 158 شركة، قبل أن يصعد في التحديث المقدم في 25 سبتمبر 2025 إلى 214 شركة. كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن طلبات ومعلومات إضافية ما تزال قيد المراجعة، ما يعني أن القائمة قد تبقى مفتوحة على تعديلات أخرى مستقبلًا.

ولا تنحصر أهمية هذه الأرقام في بعدها الرمزي فقط؛ فالإدراج قد يضع الشركات تحت ضغط من المستثمرين، ومنظمات المجتمع المدني، وحملات العناية الواجبة، وربما يؤثر في قرارات الشراكات والتمويل والسمعة التجارية، خصوصًا بالنسبة إلى الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في أسواق حساسة تجاه قضايا حقوق الإنسان.

ردود متوقعة ومعركة سرديات مستمرة

إسرائيل دأبت على رفض هذه القاعدة وتصفها بأنها منحازة وتستهدف شركات تعمل، من وجهة نظرها، بصورة قانونية. لكن في المقابل، ترى الأمم المتحدة والعديد من الهيئات الحقوقية أن المسألة لا تتعلق بموقف سياسي مجرد، بل بارتباط أعمال اقتصادية محددة بوضع تعتبره الشرعية الدولية غير قانوني.

وبين هذين الموقفين، تبدو قاعدة البيانات الأممية أداة ضغط متنامية أكثر من كونها مجرد سجل إداري. فهي تمنح الحكومات والمؤسسات المالية والمستهلكين إطارًا مرجعيًا لمراجعة علاقتهم بالشركات العاملة في بيئة الاستيطان، كما تضع ملف الضفة الغربية مجددًا في قلب النقاش الدولي بشأن مسؤولية القطاع الخاص داخل مناطق النزاع.

خلاصة المشهد

التحديث الأممي الأخير لا يغيّر وحده الواقع على الأرض، لكنه يضيف طبقة جديدة من المساءلة الدولية حول الاقتصاد المرتبط بالمستوطنات الإسرائيلية. وبينما ترتفع القائمة إلى 214 شركة، تتزايد أيضًا أهمية الربط بين القانون الدولي، وحقوق الفلسطينيين، وسلوك الشركات العابرة للحدود. وبالنسبة إلى المنطقة، ومنها مصر، يبقى هذا التطور مؤشرًا مهمًا على أن ملف الاستيطان لم يعد يُناقش فقط بوصفه قضية سياسية، بل أيضًا باعتباره مسألة قانونية واقتصادية وحقوقية ذات أثر مباشر على مستقبل فلسطين والمنطقة بأكملها.