Akhbar Cairo

الأموال المنهوبة في العراق منذ 2003: أرقام ضخمة وملفات مفتوحة

كم تبلغ الأموال المنهوبة في العراق منذ 2003؟

السؤال عن حجم الأموال المنهوبة في العراق منذ عام 2003 لا يقود إلى إجابة حسابية واحدة بقدر ما يفتح بابًا على واحد من أعقد ملفات الدولة العراقية الحديثة. فخلال أكثر من عقدين، تراكمت قضايا اختلاس، ورشى، وتهريب أموال، واستيلاء على عقارات عامة، وتلاعب في العقود والجباية والضرائب، حتى صار الفساد بندًا ثابتًا في النقاش السياسي والاقتصادي داخل العراق وخارجه.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو القضية أبعد من مجرد شأن داخلي عراقي؛ لأن استقرار العراق المالي والسياسي ينعكس على المشرق العربي ككل، وعلى أسواق الطاقة، ومسارات الاستثمار، وتوازنات الإقليم. لذلك فإن قراءة هذا الملف تستحق التوقف عند الأرقام المعلنة رسميًا، لا عند التقديرات المتداولة فقط.

لا رقم نهائيًا جامعًا.. لكن المؤشرات صادمة

من أهم الأرقام التي ظل العراقيون يستشهدون بها ما أعلنه الرئيس العراقي الراحل في منصبه برهم صالح في سنوات سابقة، حين قال إن نحو 150 مليار دولار هُرّبت أو سُرقت من العراق منذ 2003. هذا الرقم لم يُقدَّم بوصفه جردًا قضائيًا نهائيًا لكل الأموال المنهوبة، لكنه تحول إلى عنوان سياسي لحجم النزف الذي عرفته مؤسسات الدولة بعد الغزو الأمريكي وسقوط النظام السابق. وقد أعادت تقارير إعلامية دولية وعربية التذكير بهذا الرقم عند تناولها فضائح الفساد الكبرى في العراق.

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات معلنة تتيح جمع كل القضايا في رقم نهائي واحد محسوم قانونيًا. السبب أن جزءًا من الأموال المفقودة يدخل في نطاق قضايا لم تُحسم، وجزءًا آخر يتعلق بهدر في العقود أو بالمشروعات المتعثرة أو بالأموال التي خرجت إلى الخارج عبر شبكات معقدة لغسل الأموال. لذلك يفضل كثير من المتابعين التعامل مع الملف باعتباره نزيفًا متعدد المسارات لا مجرد واقعة واحدة أو فترة زمنية محددة.

“سرقة القرن”.. القضية التي أعادت الملف إلى الواجهة

إذا كان العراقيون يبحثون عن مثال مكثف يشرح كيف يمكن أن تُنهب الأموال العامة، فإن قضية “سرقة القرن” تبقى الأكثر شهرة. ففي عام 2022 كُشف عن اختلاس ما يقرب من 2.5 مليار دولار من أموال الأمانات الضريبية التابعة للهيئة العامة للضرائب، عبر 247 صكًا صُرفت لمصلحة خمس شركات خلال الفترة بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022، في واحدة من أكبر فضائح المال العام في تاريخ العراق الحديث.

القضية لم تكن مجرد رقم ضخم، بل كشفت أيضًا آلية الفساد المركب: شركات واجهة، وتسهيلات من داخل مؤسسات رسمية، وسحب نقدي مباشر، ثم توظيف جزء من الأموال في شراء عقارات داخل بغداد. ولهذا تحولت “سرقة القرن” إلى مرآة لخلل أعمق في الرقابة والحوكمة داخل الدولة العراقية.

ماذا استعاد العراق حتى الآن؟

منذ وصول رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى السلطة في أكتوبر 2022، قدمت حكومته ملف مكافحة الفساد باعتباره أولوية سياسية. وفي الشهور الأولى من متابعة قضية “سرقة القرن”، أعلنت بغداد استعادة جزء من الأموال المختلسة، وقدرت تقارير دولية هذا الجزء بنحو 125 مليون دولار في مرحلة مبكرة من التحقيقات، مع تعهدات بملاحقة بقية الشبكات والمتورطين.

أما على مستوى العمل المؤسسي الأوسع، فأفادت هيئة النزاهة الاتحادية، وفق ما نقلته شفق نيوز عن تقريرها السنوي لعام 2024، بأنها تمكنت من منع هدر والمحافظة على قرابة 950 مليار دينار عراقي ونحو 9 مليارات دولار خلال ذلك العام، إلى جانب إصدار 48 أمر استقدام وقبض بحق وزراء ومن هم بدرجتهم. وهذه الأرقام لا تعني أن العراق استرد كل الأموال المنهوبة تاريخيًا، لكنها تكشف حجم المعارك القضائية والرقابية التي لا تزال مفتوحة.

ملفات لا تتوقف: من العقارات إلى المصارف

الصورة الأوسع للفساد في العراق لا تتوقف عند ملف الضرائب. ففي عام 2024 أعلنت هيئة النزاهة، عبر وكالة الأنباء العراقية، القبض على خمسة موظفين في مصرف حكومي بمحافظة كربلاء بعد التوصل إلى اختلاس تجاوز 1.034 مليار دينار عراقي من خلال معاملات قروض سيارات وهمية. ووفق البيان، جرى تدقيق 2413 إضبارة خلال 21 يومًا قبل إحالة القضية إلى القضاء.

وفي ملف آخر، تحدثت بيانات رسمية عراقية خلال 2024 عن رصد تلاعب في ملفات ترميم مدارس بمحافظة نينوى، بينما شهدت محافظات أخرى قضايا تتعلق بتحريف قيود عقارية، وترويج معاملات بيع مخالفة للقانون، وغسل أموال وشراء عقارات بأسماء متهمين أو مرتبطين بهم. هذا التداخل بين الفساد الإداري والمالي والعقاري يفسر لماذا تبدو الأرقام في العراق، كما يقول كثير من المراقبين، أكبر من أن تُقرأ بمعزل عن بنية الدولة نفسها.

الأثر على الاقتصاد العراقي

خطورة الأموال المنهوبة لا تقاس فقط بما خرج من الخزانة العامة، بل بما كان يمكن أن تموله هذه الأموال داخل بلد يحتاج بشدة إلى البنية الأساسية والخدمات وفرص العمل. فصندوق النقد الدولي أشار في بيان بعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن نمو الناتج المحلي غير النفطي في العراق تباطأ إلى 2.5% في 2024 بعد أن بلغ 13.8% في 2023، متأثرًا بتباطؤ الاستثمار العام وضعف الميزان التجاري. كما لفت الصندوق إلى أن خسائر توزيع الكهرباء في 2024 بلغت 55% بفعل السرقات والربط غير القانوني، بما يقود إلى خسائر مالية كبيرة.

وبلغة أقرب إلى القارئ المصري: كل دولار يضيع في الفساد داخل العراق هو مدرسة لا تُبنى، ومستشفى يتأخر، وشبكة كهرباء لا تُطوَّر، وفرصة استثمار تهرب. لذلك لا ينفصل ملف الأموال المنهوبة عن الأزمة اليومية التي يعيشها المواطن العراقي في الخدمات والوظائف وتكلفة المعيشة.

هل يمكن حسم ملف الأموال المنهوبة؟

عمليًا، لا يبدو أن العراق قريب من إغلاق هذا الملف نهائيًا. فاسترداد الأموال يحتاج إلى ثلاث دوائر متوازية:

  • قضاء فعّال يحسم القضايا المعقدة بسرعة ومن دون ضغوط سياسية.
  • تعاون دولي لتتبع الأموال والعقارات والحسابات خارج العراق.
  • إصلاح إداري ورقمي يقلل فرص التلاعب في الصكوك والعقود والسجلات والجباية.

الحكومة العراقية الحالية تحاول إظهار تقدم في هذا المسار، لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط باسترجاع بعض الأموال، بل بمنع تكرار دورة الفساد ذاتها. وهذا ما يفسر تركيز بغداد في السنوات الأخيرة على الجباية الإلكترونية، وتشديد الرقابة على المؤسسات، وفتح ملفات شخصيات كبيرة وشبكات متعددة.

الخلاصة

لا يمكن الجزم برقم نهائي جامع لكل الأموال المنهوبة في العراق منذ 2003، لكن الوقائع المتاحة تشير إلى أن الحديث يدور عن عشرات المليارات من الدولارات على الأقل، فيما ظل رقم 150 مليار دولار أحد أكثر التقديرات السياسية تداولًا لوصف حجم ما سُرق أو هُرّب خلال هذه الفترة. وبين هذا التقدير العام، وفضائح موثقة مثل “سرقة القرن” البالغة 2.5 مليار دولار، وتقارير النزاهة عن مليارات الدولارات التي جرى منع هدرها أو تتبعها في 2024، يتضح أن العراق ما زال يواجه واحدًا من أثقل تركات ما بعد 2003.

وبالنسبة لمتابعي الشأن الإقليمي في مصر، يبقى الملف العراقي مثالًا صارخًا على أن معركة الدولة الحديثة في منطقتنا لا تُحسم فقط بالأمن والسياسة، بل أيضًا بقدرتها على حماية المال العام وتحويله إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن.