الأونروا تدق ناقوس الخطر من القاهرة بسبب فجوة التمويل
تحذير من القاهرة: تمويل الأونروا تحت ضغط متصاعد
أطلقت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا تحذيراً جديداً من القاهرة بشأن مستقبل خدماتها، بعدما أكدت أن الوكالة تواجه فجوة تمويلية كبيرة خلال عام 2026 قد تتجاوز 100 مليون دولار، بما يهدد قدرتها على الحفاظ على الخدمات الأساسية المقدمة لملايين اللاجئين الفلسطينيين. وجاء التحذير على لسان رولاند فريدريش، القائم بأعمال رئيس مكتب ممثل الأونروا في القاهرة، خلال لقاء صحفي استعرض فيه التطورات الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية وانعكاساتها المباشرة على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين.
التحذير الصادر من العاصمة المصرية يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للمتابع المصري، لأن القاهرة تظل إحدى أهم العواصم المنخرطة في الملف الفلسطيني سياسياً وإنسانياً، ولأن أي تراجع في قدرة الأونروا على العمل ينعكس مباشرة على استقرار البيئة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية والمنطقة ككل. وفي هذا السياق، شددت مصر رسمياً هذا الأسبوع على دعمها الكامل للوكالة وضرورة توفير المساندة السياسية والمالية اللازمة لها حتى تواصل أداء تفويضها الأممي في مناطق عملياتها الخمس.
ما الذي قالته الأونروا من القاهرة؟
بحسب ما عرضه فريدريش، فإن الأزمة لا تتعلق فقط بعجز مالي نظري، بل بقدرة الوكالة على الاستمرار في تشغيل منظومة خدمات تمس حياة اللاجئين اليومية، من التعليم والرعاية الصحية إلى الإغاثة والمساعدات الاجتماعية. وأوضح أن الضغوط المالية تفاقمت بفعل تراجع بعض مصادر التمويل الدولية وخفض مساعدات التنمية عالمياً، محذراً من أن استمرار هذا الوضع قد يفرض على الأونروا تقليص خدماتها في الأقاليم الخمسة التي تعمل فيها.
وأشار المسؤول الأممي إلى أن الاتحاد الأوروبي يعد أكبر ممول متعدد الأطراف للوكالة، بينما تمثل ألمانيا أكبر ممول ثنائي، مع دعوة واضحة إلى زيادة الدعم العربي لتجنب الدخول في مرحلة خفض أعمق للخدمات. كما لفت إلى أن الوكالة اضطرت بالفعل في قطاع التعليم إلى تقليص أيام الدراسة في بعض مدارسها من خمسة أيام إلى أربعة، وهو إجراء يعكس حجم الضغوط الواقعة على الموازنة التشغيلية.
أرقام تشرح حجم المسؤولية
تؤكد بيانات الأونروا أن الوكالة تعمل في خمسة أقاليم هي: قطاع غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، والأردن، ولبنان، وسوريا. كما تشير إلى أن اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لديها يقترب عددهم من 5.9 مليون لاجئ، يعيش أكثر من 1.5 مليون منهم داخل 58 مخيماً معترفاً به. وتصف الوكالة نفسها بأنها شريان خدمات أساسي لهؤلاء اللاجئين في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والحماية الاجتماعية.
وفي الضفة الغربية وحدها، توضح بيانات الأونروا أن أكثر من 934 ألف لاجئ فلسطيني مسجل يعيشون في الإقليم، بينهم نسبة كبيرة داخل 19 مخيماً. أما الأردن فيستضيف أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الوكالة بأكثر من 2.39 مليون لاجئ. وتعكس هذه الأرقام لماذا تنظر الأمم المتحدة إلى أي اهتزاز في تمويل الأونروا باعتباره تهديداً مباشراً لاستمرار خدمات يعتمد عليها ملايين الأشخاص.
غزة والضفة: احتياجات إنسانية تتزايد وقدرة تشغيلية تتآكل
في عرضه من القاهرة، ربط فريدريش بين أزمة التمويل والتدهور الميداني في غزة والضفة الغربية. ففي قطاع غزة، قال إن هناك تحسناً نسبياً في دخول المواد الغذائية مقارنة بفترات سابقة، لكن النقص لا يزال حاداً في مواد البناء والإيواء والوقود والزيوت، مع تراجع أعداد الشاحنات الداخلة يومياً منذ فبراير إلى مستويات تقل كثيراً عما كانت عليه في يناير. كما دعا إلى فتح المعابر دون قيود بما يتيح تدفق المساعدات وفق القانون الدولي الإنساني.
وتظهر تقارير الأونروا أن الوكالة لا تواجه فقط ضغوطاً مالية، بل تعمل أيضاً وسط خسائر بشرية ومادية كبيرة. ففي أحدث البيانات المنشورة خلال 2026، سجلت الوكالة مقتل 392 من العاملين المرتبطين بأنشطتها في غزة منذ بداية الحرب، بعد أن كان الرقم عند 390 في يناير من العام نفسه، مع استمرار مراجعة الأعداد مع التحقق من الوقائع الميدانية. كذلك تؤكد الوكالة أن جميع موظفيها الدوليين مُنعوا من دخول الأرض الفلسطينية المحتلة منذ تطبيق تشريعات إسرائيلية أُقرت في 28 أكتوبر 2024، وهو ما ضاعف التعقيدات التشغيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
لماذا تهم هذه الأزمة مصر؟
رغم أن موضوع الأونروا يبدو دولياً في جوهره، فإن زاويته المصرية واضحة. فالقاهرة تستضيف تحركات دبلوماسية وإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة، كما أن الهلال الأحمر المصري ذُكر ضمن الجهات الشريكة التي تعتمد عليها الأونروا في إدخال بعض المساعدات، وفق ما قاله فريدريش. وهذا يعكس دوراً مصرياً عملياً في الإسناد الإنساني، يتجاوز البيانات السياسية إلى آليات دعم ميدانية مرتبطة بحركة الإغاثة.
ومن الناحية السياسية، جاء الموقف المصري الرسمي واضحاً خلال لقاء وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج بدر عبد العاطي مع القائم بأعمال المفوض العام للأونروا كريستيان ساوندرز في القاهرة يوم 7 سبتمبر 2026، حيث أكدت مصر أن الوكالة لا غنى عنها في تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، وأن استمرارها يتطلب دعماً مالياً وسياسياً مستقراً. هذا الموقف ينسجم مع رؤية مصر بأن إضعاف الأونروا لا يمثل أزمة إغاثية فقط، بل يحمل تداعيات أوسع على الاستقرار الإقليمي وعلى مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين نفسها.
ماذا قد يحدث إذا استمرت الفجوة التمويلية؟
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في انتقال الوكالة من إجراءات الترشيد المؤقتة إلى تقليص هيكلي للخدمات. وهذا قد يشمل خفض أيام الدراسة، تقليص ساعات العمل في المراكز الخدمية، تأجيل بعض برامج الإغاثة والصحة، أو الاعتماد المتزايد على ترتيبات طوارئ أقل كفاءة من الخدمات المنتظمة. بعض المؤشرات على هذا المسار ظهرت بالفعل في تقارير وتصريحات سابقة خلال 2026، ما يعني أن الحديث لم يعد مجرد تحذير نظري، بل احتمال قائم إذا لم تصل أموال إضافية سريعاً.
وبالنسبة لمصر، فإن متابعة هذا الملف تبقى مهمة ليس فقط من زاوية التضامن مع الفلسطينيين، بل أيضاً من زاوية الأمن الإنساني في الإقليم. فكلما تراجعت قدرة المؤسسات الأممية على الاستجابة، ارتفعت كلفة الأزمة على الأطراف الإقليمية والدولية، سواء عبر اتساع الاحتياجات أو زيادة الضغوط على قنوات الإغاثة والتحرك الدبلوماسي.
الأونروا بين التفويض الأممي وضغط الواقع
تأسست الأونروا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، وبدأت عملياتها في 1 مايو 1950، ولا يزال تفويضها قائماً لتقديم المساعدة والحماية للاجئي فلسطين إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضيتهم. واليوم، وبينما تؤكد خطتها الاستراتيجية للفترة 2026-2029 التزامها باستمرار الخدمات الأساسية رغم البيئة التشغيلية المتدهورة، تبدو الوكالة في سباق مفتوح مع التمويل والاحتياجات المتزايدة في آن واحد.
الخلاصة أن الرسالة الصادرة من القاهرة شديدة الوضوح: من دون تمويل كافٍ، قد تضطر الأونروا إلى تقليص خدمات يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين. وفي ظل الكارثة الإنسانية المستمرة في غزة والضغوط المتزايدة في الضفة الغربية، فإن أي تأخير في سد العجز المالي لن يكون مجرد رقم في ميزانية أممية، بل سيترجم مباشرة إلى خدمات أقل واحتياجات أكبر ومعاناة أعمق على الأرض.