Akhbar Cairo

الإيجار القديم بين القانون والطعن: لماذا لا يزال الجدل مفتوحًا؟

الإيجار القديم بعد صدور القانون: أزمة لم تُغلق فصولها

عاد ملف الإيجار القديم إلى صدارة النقاش العام في مصر ليس لأن القانون الجديد أنهى الخلاف، بل لأنه فتح بابًا أوسع للأسئلة القانونية والاجتماعية. فرغم صدور القانون رقم 164 لسنة 2025 ونشره في الجريدة الرسمية يوم 4 أغسطس 2025، على أن يبدأ العمل به من 5 أغسطس 2025، فإن السجال لم يتراجع، بل انتقل من قاعة البرلمان إلى ساحة التفسير الدستوري والجدل المجتمعي حول العدالة، والقدرة على التطبيق، ودقة البيانات التي بُنيت عليها المعالجة التشريعية.

في هذا السياق، برزت تصريحات المستشار ميشيل حليم، المستشار القانوني لرابطة المستأجرين، التي شككت في دقة الإحصاءات الخاصة بعدد المستأجرين الخاضعين لنظام الإيجار القديم، معتبرًا أن العدّ العددي للوحدات لا يعكس بالضرورة عدد الأسر المقيمة فعلًا داخل تلك الوحدات. وهذه الملاحظة، على بساطتها الظاهرة، تمس جوهر الأزمة: هل تعالج الدولة ملفًا بهذا التعقيد عبر أرقام مكتملة وموثقة، أم عبر تقديرات تقريبية تفتح الباب لمنازعات أوسع؟

لماذا تحوّلت الإحصاءات إلى قلب المعركة؟

اللافت أن مسألة الإحصاءات لم تكن تفصيلًا هامشيًا في مناقشات مجلس النواب، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز أساسية. فقد طلب المستشار الدكتور حنفي جبالي، رئيس مجلس النواب، من الحكومة في 30 يونيو 2025 تقديم بيان واضح بعدد المستأجرين الأصليين لوحدات الإيجار القديم أثناء مناقشات التعديلات، وهو ما عكس إدراكًا برلمانيًا بأن أي قانون في هذا الملف يحتاج قاعدة بيانات أكثر صلابة من مجرد التقدير العام.

وقبل ذلك، كان جبالي قد أكد في نوفمبر 2024، عقب حكم المحكمة الدستورية العليا، ضرورة الاستناد إلى بيانات دقيقة والاستماع إلى الحكومة والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وأطراف المصلحة، من ملاك ومستأجرين، للوصول إلى صياغة متوازنة. هذا التدرج يكشف أن المشرّع نفسه كان يدرك أن التوازن بين حق الملكية والحق في السكن لا يمكن حسمه بشعارات، بل بأرقام حقيقية وتوصيف اجتماعي دقيق للأسر المتأثرة.

ومن هنا تبدو ملاحظة ميشيل حليم أكثر من مجرد اعتراض مهني؛ فهي تضع إصبعها على فجوة قد تفسر جانبًا من الاعتراضات الحالية. فحين يُحسب “المستأجر” كوحدة مستقلة، بينما تقيم داخل العين المؤجرة أسرة كاملة وربما أكثر من جيل، فإن الأثر الاجتماعي لأي تغيير تشريعي يصبح أكبر كثيرًا من الرقم الخام.

ما الذي جاء به القانون رقم 164 لسنة 2025؟

القانون الجديد، وفق النص المنشور رسميًا، يسري على الأماكن المؤجرة لغرض السكنى، وكذلك الأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى، والخاضعة لقوانين الإيجار القديمة. كما نص على تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق السكنية إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية، مع مراعاة الموقع الجغرافي ومستوى البناء والمرافق ووسائل الوصول والخدمات، وهو ما يعني أن تحديد القيمة الإيجارية الجديدة لم يُترك لمعيار واحد جامد.

وفي المقابل، فإن أكثر المواد إثارة للجدل هي تلك المرتبطة بآجال انتهاء العلاقة الإيجارية. فوفق ما نُشر عن القانون بعد التصديق عليه، تنتهي عقود إيجار الأماكن السكنية الخاضعة له بانتهاء مدة سبع سنوات من تاريخ العمل بالقانون، بينما تنتهي عقود غير السكني للأشخاص الطبيعية بعد خمس سنوات، ما لم يتم الاتفاق على غير ذلك بين الطرفين. وهنا بالتحديد يتكثف اعتراض قطاع من المستأجرين الذين يرون أن التشريع تجاوز مسألة تحريك الأجرة إلى إعادة هندسة كاملة للعلاقة الإيجارية خلال مدى زمني محدود نسبيًا.

الطعن الدستوري: هل أصبح القانون نافذًا لكنه غير محسوم؟

عمليًا، نعم. فالقانون دخل حيز التنفيذ بالفعل منذ 5 أغسطس 2025، لكن ذلك لم ينهِ النزاع حول دستوريته. إذ نظرت هيئة مفوضي المحكمة الدستورية العليا دعوى طعن على القانون رقم 164 لسنة 2025، وقررت في 15 يونيو 2026 تأجيل نظر الدعوى رقم 43 لسنة 47 قضائية دستورية إلى جلسة 9 أغسطس 2026. وتركز الطعن، بحسب ما نُشر، على عدة نقاط؛ من بينها المادة الخاصة بإنهاء العلاقة الإيجارية بعد مرور السنوات الانتقالية، إلى جانب الدفع بوجود قصور في البيانات والإحصاءات التي سبقت إصدار القانون.

هذا التطور مهم للغاية، لأنه يعني أن القضية لم تعد تدور فقط حول “من له الحق؟” بل حول “كيف صيغ القانون؟ وعلى أي أساس معلوماتي واجتماعي؟”. وفي الدول التي تشهد تشابكًا كبيرًا بين الاعتبارات الدستورية والملفات المعيشية، كثيرًا ما يكون الخلل الإجرائي أو المعلوماتي مدخلًا لإعادة النظر في التشريع، حتى لو كان هدفه المعلن هو تصحيح اختلال تاريخي.

بين حكم الدستورية والتشريع: أين تقع نقطة التوازن؟

حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 9 نوفمبر 2024 كان نقطة تحول رئيسية؛ إذ قضى بعدم دستورية ثبات الأجرة السنوية للأماكن السكنية الخاضعة للقانون رقم 136 لسنة 1981، بما فرض على السلطة التشريعية التدخل لإعادة تنظيم الملف. لكن الحكم، في النقاش العام، فُسر بطرق متعددة: فهناك من رآه تفويضًا واسعًا لإنهاء حالة “الإيجار المؤبد” عمليًا، بينما اعتبره آخرون مقتصرًا على تحريك القيمة الإيجارية بما يحقق التوازن من دون المساس الجذري بالاستقرار السكني للأسر المقيمة.

هذا التباين في القراءة هو ما يفسر استمرار الاستقطاب. الملاك يتحدثون عن عقود مجمدة اقتصاديًا منذ عقود طويلة، ومستأجرون يتحدثون عن مساكن تحولت إلى ملاذ اجتماعي لا يمكن استبداله بسهولة في سوق عقارية تضغط بقوة على الطبقة الوسطى وما دونها. وبين الطرفين، تحاول الدولة صياغة قانون يوازن بين تصحيح تشوه قديم ومنع صدمة اجتماعية جديدة.

قراءة نقدية: هل المشكلة في القانون أم في طريقة بناء الحل؟

من منظور تحليلي، قد لا تكون الأزمة في مبدأ تعديل العلاقة الإيجارية نفسه، بقدر ما تكمن في بنية الحل. فالتشريع الذي يمس ملايين المواطنين لا يكفي أن يكون منطقيًا على الورق؛ يجب أيضًا أن يكون قابلًا للتنفيذ، ومحميًا بقاعدة بيانات محدثة، ومسنودًا بخريطة بدائل واضحة للفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن وأصحاب المعاشات والأسر محدودة الدخل.

وخلال مناقشات البرلمان في 2025، طُرحت بالفعل مسألة الوحدات البديلة، كما أُشير إلى دور وزارة التضامن الاجتماعي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في فرز الحالات الاجتماعية وتحديد من يحتاج إلى دعم أو مسكن بديل. لكن الفجوة بين النص التشريعي وآليات التنفيذ لا تزال، في نظر كثيرين، هي المسافة الأكثر حساسية في هذا الملف.

ما الذي يجعل هذا الملف بالغ الحساسية في مصر؟

  • الامتداد التاريخي لقوانين الإيجار الاستثنائية وتداخلها مع بنية السكن في المدن القديمة.
  • تعدد الفئات المتضررة أو المستفيدة بين ملاك صغار ومستأجرين محدودي الدخل.
  • صعوبة الإحلال السريع في سوق عقارية شهدت قفزات كبيرة في الأسعار خلال السنوات الأخيرة.
  • الحاجة إلى بيانات دقيقة لا تحصي الوحدات فقط، بل تصف التركيبة الاجتماعية للأسر المقيمة.

الخلاصة: قانون نافذ... لكن الشرعية الاجتماعية لم تُحسم

ما يقوله المستشار ميشيل حليم في جوهره ليس مجرد دفاع تقليدي عن المستأجرين، بل تنبيه إلى أن الأرقام غير الدقيقة قد تنتج قانونًا صحيح الشكل ومتوتر الأثر. وفي المقابل، فإن الدولة والبرلمان يتحركان تحت ضغط حكم دستوري ألزم بإعادة التوازن في العلاقة بين المالك والمستأجر، بعدما ظل جزء من السوق العقارية محكومًا بقواعد استثنائية لسنوات طويلة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان قانون الإيجار القديم قد صدر أم لا؛ فهو صدر بالفعل وبدأ العمل به. السؤال الأهم هو: هل يمكن لهذا القانون أن يكتسب، إلى جانب الشرعية القانونية، شرعية اجتماعية تقنع المصريين بأنه عالج أزمة تاريخية من دون أن يصنع أزمة جديدة؟ الإجابة لن تتحدد في النصوص وحدها، بل في أحكام القضاء المقبلة، وفي دقة الحصر، وفي قدرة الحكومة على تنفيذ الوعود المتعلقة بالبدائل والحماية الاجتماعية.