Akhbar Cairo

البابا تواضروس يستعيد كواليس 3 يوليو: اصطفاف وطني لحماية مصر

البابا تواضروس يعيد قراءة لحظة 3 يوليو

عاد اسم البابا تواضروس الثاني إلى واجهة النقاش العام في مصر بعد حديثه عن مشاركته في مشهد 3 يوليو 2013، وهي اللحظة التي أعلن فيها آنذاك وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي خريطة الطريق بحضور رموز دينية وسياسية ووطنية. وفي روايته الأحدث، قدّم بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية قراءة تعتبر أن حضوره لم يكن إجراءً بروتوكوليًا، بل موقفًا وطنيًا فرضته ظروف البلاد في ذلك التوقيت. وقد جرى هذا الحديث خلال استضافة الإعلامي عبد اللطيف المناوي في بودكاست رؤية أخرى، وهو برنامج أُعلن إطلاقه في مايو 2026 عبر منصات الشرق.

الطرح الذي قدّمه البابا تواضروس ركّز على فكرة الاصطفاف من أجل الوطن، وهي عبارة سبق أن حضرت في أكثر من مناسبة مرتبطة بخطاب الكنيسة تجاه الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر خلال العقد الأخير. وفي هذا السياق، تبدو شهادته الجديدة امتدادًا لمواقف عبّر عنها من قبل بشأن تلك المرحلة، حين وصف ما جرى بأنه لحظة إنقاذ للدولة المصرية وسط حالة اضطراب سياسي ومجتمعي واسعة.

ماذا قال عن أسباب المشاركة؟

بحسب ما نُشر في تغطيات صحفية مصرية استندت إلى تصريحاته، أوضح البابا تواضروس أن مشاركته جاءت استجابة لتسارع الأحداث في صيف 2013، وأن المشهد وقتها تجاوز الخلاف السياسي التقليدي إلى سؤال أكبر يتعلق بمصير الدولة نفسها. هذا المعنى يتقاطع مع تصريحات سابقة له استعاد فيها أجواء ذلك اليوم، مشيرًا إلى أن الاجتماعات بدأت عصر الأربعاء 3 يوليو 2013، وأن النقاشات دارت بين ممثلي مؤسسات الدولة والقوى الوطنية قبل صياغة البيان الذي أُعلن لاحقًا.

وفي روايات موثقة أخرى، استعاد البابا شعوره بأن مصر كانت تمر بمرحلة شديدة الصعوبة، مستخدمًا تعبيرات تؤكد أن البلاد لم تكن على صورتها التي يعرفها المصريون. هذا التوصيف ينسجم مع مداخلات لاحقة له في مناسبات كنسية ووطنية، منها حديثه في ذكرى 30 يونيو، حين قال إن الوطن كان معرضًا لخطر فقدان هويته ومقدراته قبل أن تستعيد الدولة توازنها.

3 يوليو في الذاكرة السياسية المصرية

يمثل يوم 3 يوليو 2013 محطة فاصلة في التاريخ السياسي المصري المعاصر. ففي ذلك اليوم، أُعلن تعطيل العمل بالدستور الصادر عام 2012، وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور بإدارة المرحلة الانتقالية. كما تضمن الإعلان خطوات لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وصياغة مسار سياسي جديد، بحضور ممثلين عن الأزهر والكنيسة والقوى المدنية والشبابية. وتبقى مشاركة البابا تواضروس في هذا المشهد من أكثر الصور رسوخًا في الذاكرة العامة داخل مصر.

وبالنسبة لقطاع واسع من المتابعين، فإن أهمية شهادة البابا اليوم لا تقتصر على السرد التاريخي، بل تمتد إلى كونها توضح كيف قرأت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، باعتبارها مؤسسة مصرية راسخة، لحظة كانت فيها الدولة تواجه استقطابًا حادًا ومخاوف متزايدة من الانقسام. هذا الفهم يتسق كذلك مع مواقف منشورة على الموقع الرسمي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الذي يوثق نشاط البابا تواضروس منذ جلوسه على الكرسي البابوي في 18 نوفمبر 2012.

البعد الوطني في خطاب الكنيسة

لم يكن حديث البابا تواضروس عن 3 يوليو معزولًا عن الخط العام الذي تبنته الكنيسة خلال السنوات الماضية. فالكنيسة دأبت في بياناتها ومواقفها العامة على ربط المناسبات الوطنية بفكرة الحفاظ على الدولة ووحدة المجتمع. وفي تهنئة سابقة بمناسبة ذكرى 23 يوليو، تحدث البابا عن أهمية الحوار والاصطفاف على حب الوطن، وهي لغة تكشف ثبات المفردات السياسية والوطنية التي تستخدمها المؤسسة الكنسية عند التعليق على المنعطفات الكبرى.

كما أن البابا تواضروس نفسه كرر في أكثر من حوار عبارة صارت شديدة الارتباط بتلك المرحلة، مفادها أن الحفاظ على الوطن يسبق كل اعتبار آخر. وقد عادت هذه الفكرة إلى الظهور كلما جرى استدعاء أحداث صيف 2013 وما تلاها، خصوصًا مع الاعتداءات التي طالت عددًا من الكنائس في أغسطس من العام نفسه، وهي أحداث قال عنها لاحقًا إن وحدة المصريين وقتها كانت الضمانة الأهم لعبور الأزمة.

البابا تواضروس اليوم وموقعه في المشهد العام

يواصل البابا تواضروس الثاني، الذي يترأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية منذ نوفمبر 2012، حضوره في الملفات الدينية والوطنية على السواء. ويُظهر الموقع الرسمي للكنيسة نشاطًا مستمرًا له داخل مصر وخارجها، إلى جانب اجتماعاته مع المجمع المقدس والوفود الكنسية والرسمية. ففي 20 مايو 2026، ترأس البابا اجتماع اللجنة الدائمة للمجمع المقدس بالمقر البابوي في القاهرة، في إطار التحضير للجلسة العامة للمجمع. كما يضم الموقع الرسمي للكنيسة حضورها على إنستغرام عبر الحساب الرسمي للمؤسسة الكنسية (@copticorthodox.church على إنستغرام).

هذا الحضور المؤسسي يفسر لماذا تحظى شهاداته عن القضايا الوطنية باهتمام كبير داخل مصر، خاصة حين تتعلق بفترة لا تزال محل نقاش سياسي وتاريخي. فالرجل ليس فقط رأس الكنيسة الأكبر عدديًا في البلاد، بل أيضًا أحد الشهود المباشرين على لحظة من أكثر لحظات الدولة المصرية حساسية في القرن الحادي والعشرين.

لماذا يتجدد الاهتمام بهذه الرواية الآن؟

تجدد الاهتمام بتفاصيل 3 يوليو يرتبط على الأرجح بعدة عوامل؛ أولها أن مرور أكثر من 13 عامًا على الحدث أتاح مساحة أوسع لإعادة القراءة بعيدًا عن سخونة اللحظة الأصلية. وثانيها أن المنصات الحوارية الجديدة، مثل البودكاست، باتت تمنح الشخصيات العامة مساحة أطول لسرد التفاصيل والخلفيات. وثالثها أن جمهورًا شابًا لم يعش تلك الأحداث بكامل وعيه يتابع الآن شهادات صانعيها أو المشاركين فيها لفهم ما جرى من الداخل.

ومن هنا، تبدو رواية البابا تواضروس ذات وزن خاص، لأنها لا تتناول فقط اجتماعًا سياسيًا، بل تكشف كيف رأت مؤسسة دينية مصرية كبرى علاقتها بالدولة في لحظة مفصلية. وفي مجمل حديثه، يضع البابا المشاركة في إطار دفاعه عن بقاء الدولة الوطنية وتماسك المجتمع، وهو إطار ظل حاضرًا في كلماته منذ 2013 وحتى تصريحاته الأحدث.

خلاصة المشهد

في المحصلة، فإن استعادة البابا تواضروس لكواليس 3 يوليو تعيد تسليط الضوء على واحدة من الصور الأبرز في المشهد المصري الحديث: اجتماع مؤسسات الدولة والرموز الدينية والسياسية حول تصور للانتقال من أزمة حادة إلى مسار جديد. وبينما تختلف القراءات السياسية لتلك المرحلة، فإن الثابت في شهادة البابا هو تأكيده أن مشاركته انطلقت من قناعة بأن مصر كانت تحتاج في تلك اللحظة إلى اصطفاف وطني واسع، وأن حماية الدولة كانت أولوية لا تحتمل التردد.

  • تاريخ جلوس البابا تواضروس الثاني: 18 نوفمبر 2012.
  • تاريخ الحدث محل الحديث: الأربعاء 3 يوليو 2013.
  • أحدث نشاط رسمي موثق للبابا على موقع الكنيسة ضمن النتائج المتاحة: ترؤسه اجتماع اللجنة الدائمة للمجمع المقدس يوم 20 مايو 2026 في القاهرة.
  • المنصة التي عاد عبرها عبد اللطيف المناوي ببرنامج "رؤية أخرى": منصات الشرق في مايو 2026.