Akhbar Cairo

البرازيل تدخل سباق الرئاسة مع انطلاق حملة لولا وبولسونارو

انطلاق رسمي لحملة انتخابية حبست أنفاس البرازيل

مع بدء الدعاية الانتخابية رسميا في البرازيل يوم 16 أغسطس 2022، دخلت أكبر دولة في أمريكا اللاتينية واحدة من أكثر معاركها الرئاسية استقطابا في العقود الأخيرة. في ذلك اليوم، دشّن الرئيس الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا حملته من مدينة ساو برناردو دو كامبو في ولاية ساو باولو، وهي المدينة المرتبطة بصعوده النقابي والسياسي، بينما أطلق الرئيس آنذاك جاير بولسونارو حملته الساعية إلى ولاية جديدة وسط انقسام حاد بين اليمين واليسار.

الحدث لم يكن مجرد افتتاح تقليدي لموسم انتخابي، بل كان إشارة مبكرة إلى أن انتخابات 2022 ستتحول إلى استفتاء واسع على اتجاه البرازيل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. المحكمة الانتخابية العليا في البرازيل كانت قد حدّدت 2 أكتوبر 2022 موعدا للجولة الأولى، و30 أكتوبر 2022 موعدا لجولة الإعادة إذا لم يحسم أي مرشح الأغلبية المطلقة من الأصوات الصحيحة.

لولا يعود إلى معقله التاريخي

اختار لولا دا سيلفا، الذي عاد إلى السباق الرئاسي بعد استعادة حقوقه السياسية، أن يبدأ حملته من المنطقة التي صنعت صورته كزعيم عمالي. ففي ساو برناردو دو كامبو، الواقعة في الحزام الصناعي بولاية ساو باولو، برز لولا خلال سبعينيات القرن الماضي كأحد أبرز قادة نقابات عمال المعادن. هذا البعد الرمزي منح انطلاقة حملته رسالة واضحة: العودة إلى الجذور وتقديم نفسه بديلا اجتماعيا في مواجهة سنوات حكم بولسونارو.

وتحدث لولا أمام حشد كبير من أنصاره في محيط ملعب فيلا أوكليدس، مستندا إلى رصيد سياسي يمتد من رئاسته للبرازيل بين 2003 و2010 إلى تحالف انتخابي واسع ضم قوى يسارية ووسطية. كما خاض الانتخابات إلى جانب نائبته الرئاسية آنذاك جيرالدو ألكمين، وهو حاكم سابق لولاية ساو باولو ومنافس قديم له، في خطوة عكست محاولة توسيع القاعدة الانتخابية وطمأنة قطاعات من الناخبين الوسطيين.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه اللحظة لا ترتبط بالبرازيل وحدها، بل أيضا بوزنها الدولي كعضو في مجموعة بريكس واقتصاد كبير مؤثر في أسواق الغذاء والطاقة والسلع الأولية. لذا فإن أي تحول سياسي في برازيليا كانت له انعكاسات تتجاوز القارة اللاتينية إلى الأسواق العالمية.

بولسونارو يبدأ معركة البقاء في السلطة

في المقابل، دخل جاير بولسونارو المعركة الانتخابية مدفوعا بخطاب محافظ وقاعدة شعبية يمينية صلبة. الرئيس البرازيلي وقتها سعى إلى تصوير الانتخابات باعتبارها مواجهة بين مشروعين متناقضين: الأول يرفعه هو باسم القيم المحافظة والسوق والانضباط الأمني، والثاني يمثله لولا وتحالفه اليساري.

وبرغم تمتع بولسونارو بحضور قوي بين شرائح من المحافظين والإنجيليين وقطاعات من رجال الأعمال، فإن حملته بدأت تحت ضغط مؤشرات اقتصادية واجتماعية معقدة، من بينها ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية وازدياد الاستقطاب السياسي. لذلك بدا افتتاح حملته بمثابة محاولة لاستنهاض قواعده وتعبئة الناخبين في معركة كان يُنظر إليها منذ البداية على أنها متقاربة وحاسمة.

انتخابات مفصلية في أكبر ديمقراطية بأمريكا اللاتينية

أهمية الانتخابات الرئاسية البرازيلية في 2022 لم تأت فقط من ثقل المرشحين، بل من طبيعة اللحظة نفسها. فالبرازيل كانت قد خرجت من سنوات صاخبة شملت أزمة اقتصادية، واحتجاجات سياسية، وتداعيات جائحة كورونا، إضافة إلى سجالات حادة حول المؤسسات الديمقراطية ودور القضاء والمحكمة الانتخابية.

المشهد في ذلك الوقت كان يشير إلى استقطاب غير مسبوق بين شخصيتين سبق أن حكم إحداهما البلاد بينما سعت الأخرى إلى الاحتفاظ بالسلطة. تقارير ومتابعات دولية كثيرة وصفت السباق بأنه من الأكثر حدة منذ عودة الديمقراطية إلى البرازيل بعد الحقبة العسكرية. ومن هنا، تحولت انطلاقة الحملتين إلى لحظة مراقبة عالميا، خصوصا من الأسواق والدول الكبرى والشركاء التجاريين.

لماذا لفتت هذه المعركة اهتمام العالم؟

  • الثقل الاقتصادي: البرازيل من أكبر اقتصادات العالم ومن كبار مصدري السلع الزراعية والمعادن.
  • الوزن السياسي: برازيليا لاعب رئيسي في أمريكا اللاتينية ومجموعة بريكس.
  • البيئة والمناخ: سياسات الأمازون كانت موضع تدقيق عالمي واسع.
  • الديمقراطية: الانتخابات اعتُبرت اختبارا لمتانة المؤسسات في بلد شديد الاستقطاب.

من انطلاق الحملات إلى النتيجة النهائية

رغم أن المادة الأصلية تتناول بداية الحملات فقط، فإن مراجعة النتائج الرسمية تضيف بعدا مهما لفهم تلك اللحظة. فقد جرت الجولة الأولى في 2 أكتوبر 2022، وحصل لولا على 48.43% من الأصوات الصحيحة مقابل 43.20% لبولسونارو، ما فرض جولة إعادة. وفي 30 أكتوبر 2022، أعلنت المحكمة الانتخابية العليا فوز لولا بالرئاسة بعد حصوله على 60,345,999 صوتا، بما يعادل 50.9% من الأصوات الصحيحة، مقابل 58,206,354 صوتا لبولسونارو بنسبة 49.1%.

هذه النتيجة جعلت السباق واحدا من أضيق السباقات الرئاسية في تاريخ البرازيل الحديث، وأكدت أن أجواء التعبئة التي صاحبت انطلاق الحملتين لم تكن مبالغا فيها، بل عكست بالفعل انقساما مجتمعيا وسياسيا عميقا.

دلالات المشهد بالنسبة للمتابع المصري

من زاوية "العالم"، تهم هذه القصة القارئ في مصر لأنها تكشف كيف تتحول الانتخابات في دول كبرى إلى مؤشرات على اتجاهات النظام الدولي. فالبرازيل ليست مجرد دولة بعيدة جغرافيا؛ إنها شريك في توازنات الجنوب العالمي، وصاحبة تأثير في ملفات التجارة الدولية، والزراعة، والطاقة، والمناخ، والتكتلات الاقتصادية الصاعدة.

كما أن عودة لولا إلى المشهد من بوابة معقله العمالي تحمل دلالة سياسية لافتة: الزعامات التاريخية قد تعود بقوة عندما تتقاطع الرمزية الشعبية مع الأزمات الاقتصادية والانقسام الاجتماعي. وفي الجهة الأخرى، أظهرت حملة بولسونارو أن الشعبوية اليمينية ظلت قوة حقيقية يصعب التقليل منها حتى في مواجهة رئيس سابق صاحب خبرة وحضور جماهيري.

سباق بدأ بالرمزية وانتهى بتحول سياسي كبير

عندما انطلقت الحملتان في أغسطس 2022، كان واضحا أن البرازيل تتجه إلى مواجهة مفتوحة بين مشروعين متعارضين. لولا قدّم نفسه بوصفه مرشح المصالحة الاجتماعية واستعادة دور الدولة، بينما تمسك بولسونارو بخطابه المحافظ وهجومه على خصومه السياسيين. وبين المعسكرين، وجد الناخب البرازيلي نفسه أمام اختيار مصيري يتعلق بمستقبل الاقتصاد والديمقراطية ومكانة البلاد الدولية.

وفي النهاية، أثبتت الأحداث أن انطلاق الحملات من المعاقل السياسية لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بل كان تمهيدا لمعركة تاريخية انتهت بعودة لولا إلى قصر بلانالتو بعد فوز ضيق، تاركة وراءها بلدا منقسما، لكنه قدّم أيضا درسا جديدا في قدرة صناديق الاقتراع على حسم الصراعات الكبرى داخل الديمقراطيات الحديثة.