البرلمان السوري يلغي محكمة الإرهاب ويطوي أحد إرث الأسد
خطوة تشريعية جديدة في سوريا
صوّت مجلس الشعب السوري، يوم الأربعاء 16 سبتمبر 2026، على إلغاء محكمة قضايا الإرهاب التي كانت قد أُنشئت خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، في خطوة تُعد من أبرز التحركات التشريعية المرتبطة بإعادة ترتيب المنظومة القضائية في البلاد خلال المرحلة الانتقالية. وبحسب ما تداولته وسائل إعلام سورية وتقارير دولية استناداً إلى الإعلام الرسمي، فإن القرار لم يقتصر على إلغاء المحكمة من الناحية الشكلية، بل شمل أيضاً إبطال الآثار القانونية المترتبة على أحكامها وقراراتها.
القرار يحمل أبعاداً تتجاوز الإجراء البرلماني نفسه، لأن هذه المحكمة ارتبط اسمها لسنوات بملفات الملاحقة السياسية والاعتقال والمحاكمات التي طالت آلاف السوريين منذ تأسيسها في عام 2012. ولهذا ينظر كثيرون إلى التصويت باعتباره مؤشراً على محاولة رسم مسار قانوني جديد يختلف عن البنية القضائية الاستثنائية التي اتُّهمت سابقاً بأنها استُخدمت لتقييد الحريات وإضفاء غطاء قانوني على القمع.
ما هي محكمة قضايا الإرهاب؟
تعود بداية المحكمة إلى القانون رقم 22 لعام 2012، الذي أنشأ محكمة خاصة بقضايا الإرهاب في دمشق، وذلك بالتوازي مع صدور القانون رقم 19 لعام 2012 الخاص بمكافحة الإرهاب. وثّقت تقارير أممية وحقوقية أن هذه المحكمة أصبحت خلال السنوات التالية إحدى الأدوات القضائية الأكثر إثارة للانتقاد، بسبب طبيعة اختصاصاتها الواسعة وإجراءاتها الاستثنائية.
وفي السياق نفسه، سبق لوزارة العدل السورية بعد سقوط النظام السابق أن اتخذت خطوات تمهيدية للتعامل مع إرث هذه المحكمة؛ إذ أحالت في وقت سابق عشرات القضاة الذين عملوا فيها إلى التحقيق، كما شُكّلت لجنة قضائية متخصصة لدراسة الأحكام والإجراءات الصادرة عنها، تمهيداً لتقييم مشروعيتها ومدى توافقها مع الضمانات القانونية والدستورية.
لماذا كان ملفها مثيراً للجدل؟
- لأنها تأسست في ذروة الصراع السوري بصيغة استثنائية.
- لأنها نظرت في طيف واسع من القضايا التي لم يقتصر الجدل فيها على الجرائم العنيفة، بل امتد إلى ملفات ذات طابع سياسي وأمني.
- لأن منظمات حقوقية دولية اعتبرت أن المحكمة استُخدمت في ملاحقة المعارضين والنشطاء، لا كآلية تقاضي عادية.
- لأن الأحكام الصادرة عنها خلّفت آثاراً قانونية ومالية وأمنية معقدة على المتهمين وأسرهم.
ماذا يعني القرار عملياً؟
الأهمية الأكبر في التصويت الحالي أنه لا يكتفي بإلغاء المحكمة كمؤسسة، بل يفتح الباب أمام مراجعة المفاعيل القانونية المترتبة على ما صدر عنها من أحكام وقرارات. وهذه النقطة بالذات هي الأكثر حساسية، لأن آثار المحكمة لم تكن محصورة في العقوبات الجنائية فقط، وإنما امتدت في كثير من الحالات إلى أوامر الحجز والملاحقة وتداعيات تتعلق بالملكية والوظيفة والوضع القانوني للأفراد.
ومن منظور أوسع، يمكن قراءة الخطوة باعتبارها جزءاً من مسار إعادة بناء المؤسسات التشريعية والقضائية في سوريا بعد الإطاحة بعائلة الأسد من الحكم. وكان مجلس الشعب السوري الجديد قد باشر أعماله في 12 يوليو 2026، بحضور الرئيس أحمد الشرع، وانتخب في جلسته الأولى عبد الحميد العواك رئيساً للمجلس. كما مضى البرلمان لاحقاً في استكمال بنيته التنظيمية بتشكيل 26 لجنة دائمة، بينها لجان مختصة بـالعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان وشؤون الضحايا وإعادة الإعمار.
ارتباط القرار بمسار العدالة الانتقالية
بالنسبة للمتابع المصري للشأن الإقليمي، تبدو هذه الخطوة ذات صلة مباشرة بالنقاش الأكبر حول العدالة الانتقالية في الدول الخارجة من النزاعات أو من أنظمة استبدادية طويلة. فإلغاء محكمة استثنائية ارتبطت بعهد الأسد لا يُقرأ فقط كقرار قانوني، بل كإشارة سياسية إلى أن مؤسسات المرحلة الجديدة تريد إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقضاء والمواطن.
ويكتسب ذلك وزناً إضافياً إذا وضعناه بجوار التطورات التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الأخيرة، ومنها إنشاء هياكل برلمانية متخصصة بملفات الضحايا والسلم الأهلي، إلى جانب حديث رسمي متكرر عن تحديث القوانين وإزالة التشريعات التي يُنظر إليها كعائق أمام قيام دولة مؤسسات حديثة. وفي تصريحات سابقة، قال رئيس مجلس الشعب عبد الحميد العواك إن المجلس يعمل على مراجعة واسعة للقوانين القديمة وتطوير منظومة قانونية أكثر مواكبة لاحتياجات السوريين.
أسئلة ما بعد الإلغاء
ورغم الطابع الرمزي الكبير للقرار، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التصويت. فهناك أسئلة عملية ستفرض نفسها سريعاً، من بينها:
- كيف ستُراجع الملفات السابقة المرتبطة بأحكام المحكمة؟
- ما الجهة القضائية التي ستتولى البت في الطعون أو إعادة النظر؟
- هل سيقود القرار إلى تسويات تخص الممتلكات المحجوزة أو الأوضاع القانونية للمحكوم عليهم غيابياً؟
- وإلى أي مدى سيمتد أثر القرار على بقية القوانين المرتبطة ببنية مكافحة الإرهاب التي وُضعت في 2012؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلية، بل تمس جوهر أي مسار انتقال قانوني. فإلغاء مؤسسة استثنائية قد يكون بداية مهمة، لكنه لا يصبح تحولاً مكتمل المعنى إلا إذا تبعته آليات واضحة للإنصاف، ورد الاعتبار، ومعالجة آثار السنوات الماضية.
لماذا يهم الخبر القارئ في مصر؟
في القاهرة، حيث يحظى الملف السوري باهتمام مستمر على المستوى السياسي والإعلامي، يكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأنه يسلط الضوء على طبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا بعد سنوات الحرب والانقسام. كما أن أي إعادة تشكيل للمؤسسات السورية، خصوصاً القضائية والتشريعية، تظل قضية ذات صدى عربي واسع، نظراً لارتباطها بمستقبل الاستقرار الإقليمي، وملفات العودة وإعادة الإعمار، والعلاقات العربية مع دمشق.
ومن هذه الزاوية، فإن قرار إلغاء محكمة قضايا الإرهاب لا يبدو مجرد تعديل قانوني داخلي، بل حلقة ضمن إعادة تعريف الدولة السورية نفسها بعد مرحلة طويلة ارتبطت فيها مؤسسات العدالة، وفق انتقادات واسعة، بالقبضة الأمنية أكثر من ارتباطها بمبادئ التقاضي العادل.
خلاصة المشهد
إلغاء محكمة قضايا الإرهاب في سوريا يمثل تطوراً بارزاً في مسار تفكيك الإرث القانوني لعهد بشار الأسد. فالمحكمة التي أُنشئت عام 2012 تحت عنوان مكافحة الإرهاب تحولت، في نظر كثيرين، إلى رمز للقضاء الاستثنائي في سنوات الحرب. واليوم، مع تصويت مجلس الشعب على إنهائها وإبطال آثارها، تبدأ مرحلة جديدة عنوانها الأهم: هل يتحول القرار إلى مراجعة فعلية للعدالة، أم يظل مجرد خطوة تشريعية ذات دلالة سياسية كبيرة؟
الإجابة ستتوقف على ما سيأتي بعد ذلك: القوانين البديلة، وآليات المراجعة، وكيفية معالجة مصير آلاف الملفات التي مرت عبر هذه المحكمة. لكن المؤكد أن جلسة الأربعاء 16 سبتمبر 2026 ستبقى علامة فارقة في مسار إعادة رسم الخريطة القضائية السورية.