البرنامج المصري الفلبيني يسلط الضوء على تجربة مصر في التعايش
برنامج مصري فلبيني يعرض خبرة الدولة في إدارة التنوع الديني
تواصلت في مصر فعاليات البرنامج المصري الفلبيني للقيادات الدينية للحوار والتعايش وبناء السلام، وهو برنامج تنظمه وزارة الأوقاف لعرض ملامح التجربة المصرية في إدارة التنوع الديني وترسيخ قيم المواطنة والعيش المشترك. ويأتي ذلك ضمن مسار رسمي أوسع يركز على الحوار بين أتباع الديانات، وتقديم نموذج عملي عن كيفية دعم الاستقرار المجتمعي من خلال المؤسسات الدينية والوطنية.
وبحسب ما أعلنته مصادر رسمية وإعلامية مصرية، افتتح الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، فعاليات البرنامج يوم الاثنين 31 أغسطس 2026، تحت عنوان "التجربة المصرية في التعايش السلمي وبناء مجتمع يتسع للجميع"، بمشاركة عدد من القساوسة الفلبينيين، على أن تمتد الأنشطة خلال الفترة من 29 أغسطس حتى 6 سبتمبر 2026. وأقيمت الفعاليات الافتتاحية في مسجد مصر الكبير بالعاصمة الإدارية الجديدة، في إطار تعاون ديني وفكري بين القاهرة ومانيلا يهدف إلى تبادل الخبرات في مجالات السلام المجتمعي والتفاهم بين القيادات الدينية.
محاضرات عملية حول التعايش والمواطنة
المرحلة الأخيرة من الفعاليات شهدت محاضرات عملية ركزت على دور الدولة المصرية في ترسيخ مبدأ التعايش المشترك، والحوار بين أتباع الديانات، وتعزيز المواطنة والوحدة الوطنية. كما شارك في الأنشطة الشيخ محمد مجدي عوض، مدير عام الإدارة العامة للتدريب بوزارة الأوقاف، إلى جانب أكاديميين ومتخصصين، في دلالة على أن البرنامج لا يقتصر على البعد الوعظي فقط، بل يمتد إلى جانب تدريبي ومهني يعرض خبرات مؤسسات الدولة في هذا الملف.
أهمية هذا النوع من البرامج بالنسبة للقارئ المصري لا ترتبط فقط بالعلاقات مع الفلبين، بل كذلك بإبراز الكيفية التي تقدم بها القاهرة خبرتها في إدارة التنوع الديني كجزء من قوتها الناعمة. فوزارة الأوقاف وصفت البرنامج بأنه منصة لتعزيز الحوار الحضاري والديني، والانفتاح على التجارب الإنسانية المختلفة، ونقل التجربة المصرية في بناء مجتمع يتسع للجميع.
ماذا قالت وزارة الأوقاف عن أهداف البرنامج؟
في كلمته خلال الافتتاح، أكد وزير الأوقاف أن البرنامج ثمرة تنسيق استمر نحو عامين، وأن فكرته طُرحت خلال أول زيارة له إلى الفلبين بعد توليه المنصب. كما أوضح أن الهدف لا يقتصر على لقاء بروتوكولي، بل يتصل ببناء مسار عمل مشترك يساعد على نشر الاستقرار، وتبادل الخبرات بين قيادات دينية من بلدين يملكان تجارب مهمة في التعدد الديني والثقافي.
وتشير التغطيات الصحفية المصرية إلى أن الوزير وجه الشكر كذلك إلى السفير نادر زكي، سفير مصر لدى الفلبين، على جهوده في تنسيق البرنامج. وهذا التفصيل يعكس أن التحرك لم يكن محصورًا داخل الإطار المحلي، بل جاء عبر تعاون دبلوماسي وديني منظم، وهو ما يمنح المبادرة بعدًا مؤسسيًا أوسع.
زيارة إلى مشيخة الأزهر ولقاء مع الإمام الأكبر
ومن أبرز محطات البرنامج، الزيارة التي جرت إلى مشيخة الأزهر الشريف، حيث اصطحب وزير الأوقاف الوفد الفلبيني المشارك للقاء فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب. وخلال اللقاء، جرى بحث سبل تعزيز التواصل بين القيادات الدينية في مصر والفلبين، وبناء جسور تفاهم أوسع بين الشعبين، إلى جانب التأكيد على أن الحوار الديني ينبغي أن يتحول من مجرد نقاشات نظرية إلى مسار عملي يخدم الإنسان ويعزز الاستقرار.
كما أوردت التغطية الرسمية أن سفيرة الفلبين لدى القاهرة شارمين أفيكيفيل أعربت عن تقديرها لجهود مصر، وفي مقدمتها الأزهر ووزارة الأوقاف، في دعم الحوار والتقارب بين القيادات الدينية. وشارك في اللقاء أيضًا جيلبرت غارسيرا، رئيس مجلس الأساقفة الكاثوليك في الفلبين ورئيس أساقفة ليبا، الذي تحدث عن الروابط التاريخية والروحية المشتركة بين البلدين، باعتبارها أرضية صالحة لتعاون أعمق في المستقبل.
التجربة المصرية.. من الشعار إلى التطبيق
الحديث عن التعايش الديني في مصر لا ينفصل عن نماذج مؤسسية قائمة بالفعل، وفي مقدمتها بيت العائلة المصرية، الذي يقدمه الأزهر الشريف بوصفه تجربة رائدة أُنشئت لدعم التعايش وترسيخ التسامح وإحياء القيم الإنسانية المشتركة داخل المجتمع المصري. ويمثل هذا النموذج أحد المراجع التي تُستخدم عادة عند عرض التجربة المصرية أمام الوفود الزائرة، لأنه يجمع بين البعدين الديني والمجتمعي في معالجة التوترات المحتملة وتعزيز السلم الأهلي.
لذلك، فإن البرنامج المصري الفلبيني لا يكتفي بعرض مواقف نظرية عن قبول الآخر، بل يضع أمام المشاركين أمثلة مؤسسية مصرية تشكل جزءًا من بنية العمل العام في ملف الوحدة الوطنية. وهذه الزاوية تحديدًا تمنح البرنامج قيمة عملية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتبادل خبرات يمكن تكييفها في مجتمعات أخرى تواجه تحديات مرتبطة بالتنوع الديني أو الثقافي.
لماذا يهم هذا البرنامج الداخل المصري؟
من منظور محلي، يحمل البرنامج عدة رسائل مهمة. أولًا، أنه يعكس استمرار توظيف المؤسسات الدينية المصرية في الدبلوماسية الناعمة، عبر تصدير خبرات تتعلق بالحوار والسلام. ثانيًا، أنه يقدم صورة عن التنسيق بين وزارة الأوقاف والأزهر الشريف في الملفات المرتبطة بالتقارب الديني. وثالثًا، أنه يعيد طرح مفهوم المواطنة باعتباره أساسًا للاستقرار الداخلي، لا مجرد شعار سياسي أو اجتماعي.
- البعد الديني: تعزيز خطاب الاعتدال والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات.
- البعد الوطني: إبراز قيم المواطنة والوحدة الوطنية بوصفها قاعدة للتماسك المجتمعي.
- البعد الدولي: تقديم النموذج المصري لشركاء خارجيين عبر برامج تدريبية وحوارية.
- البعد المؤسسي: تحويل الأفكار إلى برامج تدريب وزيارات ولقاءات مباشرة مع رموز دينية كبرى.
رسالة مصر في ملف السلام المجتمعي
اللافت في هذا البرنامج أنه يأتي في لحظة تسعى فيها مصر إلى تأكيد دورها الإقليمي والدولي في قضايا الاعتدال وبناء السلام. ومن خلال استضافة وفود دينية أجنبية، ثم تنظيم لقاءات داخل مؤسسات مركزية مثل مسجد مصر الكبير ومشيخة الأزهر، تحاول القاهرة أن تقدم سردية واضحة: أن التعايش ليس مجرد خطاب إعلامي، بل خبرة قابلة للتدريب والنقل والتطوير.
وفي ضوء ما شهدته الفعاليات من محاضرات تطبيقية ولقاءات رفيعة المستوى، يمكن القول إن البرنامج المصري الفلبيني للقيادات الدينية تجاوز إطار المناسبة البروتوكولية، ليتحول إلى مساحة عملية لعرض خبرة مصر في الحوار بين الأديان، وترسيخ التعايش السلمي، وبناء مجتمع يتسع للجميع. وهي رسالة تحمل وزنًا خاصًا داخل القسم المحلي المصري، لأنها تنطلق من مؤسسات مصرية، وتخاطب العالم من زاوية ترتبط بصورة الدولة وقدرتها على إدارة التنوع وصناعة الاستقرار.