البنتاجون يطلق «قيادة الحرب المستقلة» لتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي
البنتاجون يعيد رسم أولويات الحرب الحديثة
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن إنشاء قيادة عسكرية جديدة تحمل اسم «قيادة الحرب المستقلة»، في خطوة تعكس تسارع اعتماد الجيش الأمريكي على الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة. وجاء الإعلان على لسان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، خلال خطاب ألقاه يوم 30 سبتمبر 2026 في قاعدة مشاة البحرية الأمريكية بــكوانتيكو في ولاية فرجينيا، ضمن ما وصفه البنتاجون بخطاب «حالة القوات».
الخطوة الجديدة تضع ملف الأنظمة الذاتية في قلب البنية القيادية للجيش الأمريكي، بعد سنوات من التوسع في برامج الطائرات من دون طيار، وأنظمة الاستهداف المعززة بالبيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الاستطلاع والقيادة والسيطرة.
ما الذي أُعلن بالضبط؟
بحسب ما أوردته تقارير أمريكية متطابقة، قال هيغسيث إن القيادة الجديدة ستُكرَّس لبناء وتوفير القدرات الذاتية والآلية على مستوى القوات المسلحة الأمريكية، مع تركيز واضح على تسريع إدماج المسيّرات والتقنيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. كما جرى التأكيد على أن هذه القيادة سيرأسها جنرال أو أدميرال برتبة أربع نجوم، وهو ما يعكس وزنها المتوقع داخل هيكل القيادة العسكرية الأمريكية.
الإعلان جاء ضمن حزمة أوسع من التغييرات داخل البنتاجون، شملت أيضًا حديثًا عن خفض عدد كبار الضباط من الجنرالات والأدميرالات، في مسعى تقول الإدارة الأمريكية إنه يستهدف تقليل البيروقراطية وتوجيه الموارد بصورة أسرع نحو القدرات القتالية الجديدة.
لماذا الآن؟
توقيت الإعلان ليس منفصلًا عن التحولات الجارية في ساحات القتال حول العالم. فالحروب خلال السنوات الأخيرة أبرزت تصاعد دور الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، والذخائر الجوالة، وأنظمة الاستشعار والقيادة المدعومة بالخوارزميات، سواء في أوروبا الشرقية أو الشرق الأوسط أو مناطق التنافس البحري في آسيا.
ومن منظور أمريكي، لم تعد المسألة مجرد امتلاك مسيّرات للاستطلاع أو الضربات الدقيقة، بل الانتقال إلى تنظيم مؤسسي أوسع يسمح بدمج الأنظمة الذاتية في مختلف الأفرع العسكرية، من القوات البرية إلى البحرية والجوية، مع بناء عقائد تشغيلية موحدة تضمن سرعة النشر والتوسع.
الجيش الأمريكي كان قد تحرك بالفعل في هذا الاتجاه قبل الإعلان الجديد. ففي أبريل 2026، أعلنت القيادة الجنوبية الأمريكية SOUTHCOM تأسيس Autonomous Warfare Command داخل نطاق عملياتها، بهدف دمج المنصات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والأدوات التجارية المتقدمة في مهامها الإقليمية. ويعني ذلك أن الخطوة الحالية تبدو أقرب إلى توسيع الفكرة ورفعها إلى مستوى أعلى داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بدلًا من كونها بداية من الصفر.
الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا تجريبيًا
التحول الأمريكي في هذا الملف تدعمه أيضًا أرقام الإنفاق الدفاعي. فخلال إحاطة سابقة مرتبطة بميزانية الدفاع للسنة المالية 2026، أشارت وزارة الدفاع الأمريكية إلى تخصيص 13.4 مليار دولار لملف الاستقلالية والأنظمة الذاتية. وهذا الرقم يكشف أن الرهان الأمريكي على التكنولوجيا العسكرية الجديدة لم يعد محدودًا بمشروعات تجريبية، بل بات جزءًا من التخطيط المالي والعملياتي طويل المدى.
كما تعمل مؤسسات تابعة للبنتاجون، من بينها Chief Digital and AI Office، على تسريع إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مجالات مثل تحليل البيانات الاستخباراتية، ودعم اتخاذ القرار، وتحسين الوعي بساحة المعركة، إلى جانب تسريع ما يعرف بتكامل الإنسان والآلة في العمليات القتالية.
ماذا يعني ذلك عسكريًا وسياسيًا؟
1- إعادة تعريف بنية القيادة
عندما تُمنح الأنظمة الذاتية قيادة مستقلة برئاسة ضابط أربع نجوم، فهذا يعني أن البنتاجون لم يعد ينظر إلى المسيّرات والذكاء الاصطناعي كأدوات مساندة فقط، بل كأحد محاور الحرب المستقبلية. والرسالة هنا أن المنافسة لم تعد بين السلاح التقليدي وحده، بل بين من ينجح في دمج البيانات والخوارزميات والروبوتات في دورة القتال الأسرع.
2- تسريع الشراء والتطوير
واحدة من مشكلات الجيوش الكبرى عادة هي بطء التعاقد والتحديث. إنشاء قيادة متخصصة قد يمنح وزارة الدفاع الأمريكية قدرة أكبر على توحيد البرامج المتفرقة، وتقليل التداخل بين الأفرع، وتسريع اختبار الأنظمة الجديدة واعتمادها ميدانيًا.
3- توسيع الجدل الأخلاقي
في المقابل، فإن أي توسع في الاعتماد على الأنظمة الذاتية سيعيد فتح النقاش القديم حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات القتالية، وخصوصًا في المسائل المرتبطة بالاستهداف، والمساءلة القانونية، ومستوى الإشراف البشري الواجب الإبقاء عليه.
لماذا يهم القارئ في مصر والمنطقة؟
بالنسبة للمتابع في مصر والمنطقة العربية، فإن هذا التطور لا يخص الداخل الأمريكي وحده. فالولايات المتحدة تظل لاعبًا مركزيًا في توازنات الأمن الدولي، وأي إعادة هيكلة لقدراتها التكنولوجية والعسكرية تنعكس على مناطق عدة، بينها الشرق الأوسط، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط.
المنطقة شهدت بالفعل خلال الأعوام الأخيرة صعودًا واضحًا لدور المسيّرات، سواء في النزاعات المباشرة أو في مهام المراقبة والردع وحماية الممرات الحيوية. ومن ثم، فإن انتقال واشنطن إلى مرحلة بناء قيادة مخصصة للحرب المستقلة يعني أن سباق التسلح التكنولوجي مرشح لمزيد من التسارع، ليس فقط بين الدول الكبرى، بل أيضًا على مستوى الشراكات الإقليمية والتوازنات الدفاعية.
من هو الوجه الأبرز في هذا الإعلان؟
الشخصية الأكثر ارتباطًا بالإعلان هي وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، بوصفه المسؤول الذي كشف عن القرار أمام العسكريين في كوانتيكو. وحتى الآن، يظل هو الاسم الأوضح المرتبط سياسيًا بهذه الخطوة، بينما لم تُعلن الوزارة في المصادر المتاحة اسم القائد الأربع نجوم الذي سيتولى المنصب الجديد.
إلى أين يتجه المسار الأمريكي؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الولايات المتحدة تتجه إلى مأسسة الحرب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بدل الاكتفاء ببرامج متفرقة داخل كل فرع عسكري. وإذا استمر هذا المسار، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة توسعًا أكبر في أسراب المسيّرات، وأنظمة الدفاع المضاد للمسيّرات، وأدوات القيادة والسيطرة التي تعتمد على معالجة البيانات لحظيًا.
وفي عالم تتغير فيه الحروب بوتيرة سريعة، تبدو الرسالة الأمريكية واضحة: التفوق العسكري المقبل لن يُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والسفن، بل بقدرة الجيوش على تشغيل منظومات ذاتية أسرع، وأكثر ترابطًا، وأعلى كفاءة في اتخاذ القرار والتنفيذ.
- تاريخ الإعلان: 30 سبتمبر 2026
- مكان الإعلان: قاعدة كوانتيكو في فرجينيا
- اسم القيادة الجديدة: قيادة الحرب المستقلة
- المجال الرئيسي: الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية
- مستوى القيادة: يرأسها قائد برتبة أربع نجوم