البنتاجون يقر بسقوط 4 مدنيين في عملياته العسكرية خلال 2024
البنتاجون يعلن حصيلة الضحايا المدنيين في عملياته العسكرية
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن مراجعتها السنوية للعمليات العسكرية الأمريكية خلال عام 2024 خلصت إلى مقتل مدنيين اثنين وإصابة مدنيين اثنين آخرين، في حصيلة رسمية قُدمت إلى الكونغرس ونُشرت في يوليو 2025. وبذلك، فإن المعطيات الموثقة المتاحة من المصدر الرسمي الأمريكي لا تؤيد الرقم المتداول في بعض الصياغات الإخبارية عن سقوط 153 قتيلاً مدنياً في عام 2025، بل تشير إلى وقائع محددة مرتبطة بعمليات عام 2024 جرى تقييمها حتى الأول من فبراير 2025.
ويكتسب هذا التقرير أهمية خاصة بالنسبة إلى القارئ المصري والعربي، لأن مسرح هذه الوقائع يقع في قلب الإقليم: العراق وسوريا واليمن والقرن الأفريقي، وهي مناطق تتقاطع فيها الحسابات العسكرية الأمريكية مع أمن البحر الأحمر، وحركة الملاحة الدولية، واستقرار دول عربية تواجه بالفعل ضغوطاً أمنية وسياسية واقتصادية متراكمة.
ماذا قال التقرير الأمريكي بالضبط؟
بحسب التقرير السنوي لوزارة الدفاع الأمريكية عن الخسائر المدنية المرتبطة بالعمليات العسكرية الأمريكية في 2024، فإن الحوادث التي اعتبرتها واشنطن “أكثر احتمالاً من غيرها” ناجمة عن عملياتها اقتصرت على حادثين في العراق وسوريا. الحادث الأول وقع بين 2 و3 فبراير 2024 في القائم غرب العراق، وأسفر عن مقتل رجل بالغ واحد في غارة جوية. أما الحادث الثاني فوقع في 22 فبراير 2024 في موقع مصنف قرب الحسكة شمال شرقي سوريا، وأدى إلى مقتل طفل وإصابة طفلين آخرين.
اللافت في الحادث السوري أن التقرير أشار صراحة إلى أنه لم يكن مرتبطاً بعملية قتالية مباشرة، بل رُجح أنه نجم عن مجموعة عوامل متصلة بتشغيل ميدان أسلحة عسكري. كما أوصى التقييم الأمريكي بتركيب سياج أو حاجز على محيط الموقع لمنع دخول المدنيين إلى المنطقة مستقبلاً، في إشارة إلى أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تعاملت مع الواقعة باعتبارها حادثة كان يمكن تقليل مخاطرها بإجراءات وقائية أوضح.
العراق وسوريا في صدارة التقرير
التقرير يربط هذه الوقائع بعمليات قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب، وهي المظلة التي تدير تحتها واشنطن جانباً مهماً من عملياتها ضد تنظيم داعش في العراق ومناطق من سوريا. وذكرت وزارة الدفاع الأمريكية أن القيادة المركزية الأمريكية راجعت خلال الفترة نفسها أربع بلاغات أخرى عن إصابات مدنية في العراق وسوريا، لكنها انتهت إلى أنها لا ترقى إلى مستوى “الأرجح من عدمه” في إسناد المسؤولية إلى عمليات أمريكية.
ومن زاوية إقليمية، تعكس هذه الصياغة أن واشنطن ما زالت تعتبر العراق وسوريا ساحتين نشطتين لعملها العسكري، حتى مع تراجع زخم الحرب المفتوحة ضد داعش مقارنة بسنوات سابقة. بالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن استمرار هذا الوجود العسكري يعني بقاء ملف السيادة، وحماية المدنيين، وقواعد الاشتباك على جدول النقاش السياسي والأمني.
مراجعات إضافية لوقائع أقدم في العراق
لم يقتصر التقرير على أحداث 2024 وحدها، بل تضمن أيضاً تحديثاً لبلاغ سابق مرتبط بضربة جوية جرت في 26 ديسمبر 2023 قرب الحلة في محافظة بابل العراقية. ووفق التقييم الأمريكي المحدث، أسفرت تلك الواقعة عن مقتل رجلين بالغين وإصابة رجل ثالث. وأوضح التقرير أن التواصل جرى مع العائلات المتضررة لبحث إمكانية تقديم دفعات تعويضية ذات طابع إنساني، لكن الأسر المعنية أبلغت بأنها لا ترغب في استمرار التواصل بشأن الحادث.
هذا النوع من الإضافات مهم، لأنه يوضح أن الأرقام الأمريكية لا تُغلق نهائياً مع نهاية السنة، بل يمكن أن تتغير إذا ظهرت معلومات جديدة أو اكتملت مراجعات لاحقة. لذلك، فإن قراءة أي حصيلة سنوية بمعزل عن المراجعات اللاحقة قد تكون مضللة، خصوصاً في النزاعات المعقدة التي يصعب فيها التحقق الميداني السريع.
اليمن: لا حصيلة مؤكدة حتى الآن رغم استمرار الفحص
في ما يخص اليمن، قال التقرير إن القيادة المركزية الأمريكية لم تخلص حتى الأول من فبراير 2025 إلى أن أياً من بلاغات الضرر المدني خلال 2024 كان “أكثر احتمالاً من غيره” ناجماً عن عمليات أمريكية. لكن الوزارة أضافت في الوقت نفسه أنها كانت تراجع ثمانية تقارير صادرة عن منظمات غير حكومية حول أضرار مدنية محتملة مرتبطة بعمليات الولايات المتحدة هناك.
وهذه النقطة شديدة الصلة بمصر والمنطقة، لأن العمليات الأمريكية في اليمن ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. ووزارة الدفاع الأمريكية وصفت مهمتها هناك بأنها تستهدف تقليص قدرات الحوثيين المدعومين من إيران على تهديد الشركاء الإقليميين وأمن الملاحة. ومع أن التقرير لم يثبت وقوع إصابات مدنية مؤكدة منسوبة لواشنطن في اليمن خلال 2024، فإن وجود مراجعات مفتوحة يعني أن هذا الملف لم يُحسم بالكامل بعد.
أفريقيا والقرن الأفريقي: تقارير قيد المراجعة
وفي الشق الأفريقي، أشار التقرير إلى أن القيادة الأمريكية في أفريقيا راجعت سبعة بلاغات عن أضرار مدنية خلال 2024. وأُغلقت مراجعة خمسة بلاغات على أساس أن المعلومات المتاحة لا تجعل المسؤولية الأمريكية “أكثر احتمالاً من غيرها”. وفي أربع حالات، قالت القيادة إنها لم تتمكن من ربط البلاغ بنشاط قتالي، بينما رأت في حالة خامسة أن النشاط العسكري المرتبط بالواقعة لا يرجح أن يكون تسبب في الضرر المبلغ عنه.
كما ذكر التقرير أن تحقيقاً أولياً ظل جارياً في بلاغ يتعلق بغارة تعود إلى عام 2018. هذه الإشارة تعكس طول أمد التحقيقات في ساحات مثل الصومال، حيث تتداخل العمليات ضد الجماعات المسلحة مع محدودية الوصول الميداني وصعوبة التحقق المستقل.
كيف يقيّم البنتاجون الضحايا المدنيين؟
تقول وزارة الدفاع الأمريكية إن تقييماتها تعتمد معيار “الأرجح من عدمه”، أي أنها لا تُدرج الحادثة في الحصيلة الرسمية إلا إذا خلصت، استناداً إلى المعلومات المتاحة، إلى أن وقوع الضرر المدني بسبب العملية الأمريكية هو التفسير الأرجح. ويشمل ذلك مراجعة بيانات العمليات العسكرية، وصور الاستطلاع، والتقارير الاستخباراتية، ومعلومات الشركاء، والمصادر المفتوحة، وأحياناً مقابلات الشهود عندما يكون ذلك ممكناً.
كما يوضح التقرير أن الوزارة تعمل وفق تعليمات تنظيمية محدثة صدرت في 21 ديسمبر 2023 تحت رقم DoDI 3000.17، وهي مخصصة لتخفيف الضرر المدني والاستجابة له. وتنص هذه التعليمات على آليات أكثر توحيداً في تقييم البلاغات، وحفظ البيانات، وإنشاء خلايا مختصة بتقدير الضرر المدني داخل القيادات القتالية.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ المصري؟
قد يبدو التقرير أمريكياً داخلياً في ظاهره، لكنه يتصل مباشرة بمصالح إقليمية تمس مصر والعالم العربي. فكل تحول في قواعد الاشتباك الأمريكية في العراق وسوريا واليمن والقرن الأفريقي ينعكس على أمن الممرات البحرية، وعلى توازنات الردع في البحر الأحمر، وعلى العلاقات بين واشنطن وحلفائها العرب، وكذلك على النقاش الأوسع حول حماية المدنيين في النزاعات.
ومن منظور صحفي دقيق، فإن الأهم هنا ليس فقط الرقم النهائي، بل أيضاً تصحيح السردية المتداولة: الوثيقة الرسمية الأحدث المتاحة لا تتحدث عن 153 قتيلاً مدنياً في “2025”، وإنما عن قتيلين مدنيين ومصابين اثنين في عمليات عام 2024، مع استمرار مراجعات لملفات أخرى، خاصة في اليمن وأفريقيا. وفي منطقة مثقلة بالحروب الممتدة، تبقى هذه المراجعات جزءاً من معركة أوسع على الشفافية والمساءلة، حتى لو ظلت نتائجها محل جدل سياسي وحقوقي مستمر.
- تاريخ النشر الرسمي للتقرير: يوليو 2025
- الحصيلة المؤكدة في التقرير: قتيلان مدنيان ومصابان اثنان
- أبرز المواقع المذكورة: القائم في العراق، ومحيط الحسكة في سوريا
- ملفات ما زالت قيد المراجعة: اليمن وأفريقيا