Akhbar Cairo

البيت الأبيض يصعّد لهجته ضد إيران وسط مخاوف اتساع النزاع

واشنطن: إيران تدفع كلفة سياسية متزايدة

رفعت الإدارة الأمريكية من حدة خطابها تجاه طهران بعد الهجوم الإيراني المباشر على إسرائيل في أبريل 2024، معتبرة أن الجمهورية الإسلامية أصبحت أكثر عزلة في محيطها الإقليمي نتيجة هذا المسار. التصريح الأبرز جاء على لسان جون كيربي، منسق الاتصالات الاستراتيجية بمجلس الأمن القومي الأمريكي، الذي قال إن ما حدث أظهر أن إيران تمضي نحو مزيد من الانكشاف السياسي، في وقت تؤكد فيه واشنطن أنها لا تريد حرباً أوسع في الشرق الأوسط.

الحديث الأمريكي لم يأتِ في فراغ، بل في سياق لحظة شديدة الحساسية للمنطقة الممتدة من المشرق إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي مساحة تتابعها القاهرة باهتمام بالغ لما لها من انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة، وحركة التجارة، والاستقرار الإقليمي الأوسع.

ما الذي قاله البيت الأبيض؟

بحسب ما أعلنه جون كيربي، فإن الهجوم الإيراني الواسع بالطائرات المسيّرة والصواريخ على إسرائيل ليلة 13 إلى 14 أبريل 2024 لم ينجح في تغيير ميزان الردع كما أرادت طهران، بل عزز، من وجهة النظر الأمريكية، حالة الاصطفاف الدولي والإقليمي المضاد لتوسيع المواجهة. كيربي قال أيضاً إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب مع إيران، ولا تريد تصعيداً إضافياً أو نزاعاً إقليمياً ممتداً، رغم استمرارها في دعم الدفاعات الإسرائيلية. وفي إفادة لاحقة يوم 15 أبريل 2024، نفى كيربي أن تكون إيران قد أبلغت واشنطن مسبقاً بتوقيت الهجوم أو أهدافه، واصفاً هذه الروايات بأنها غير صحيحة.

هذا الموقف يعكس معادلة أمريكية مزدوجة: ردع إيران عسكرياً وسياسياً من جهة، ومنع انفلات المشهد إلى حرب مفتوحة من جهة أخرى، خصوصاً مع تزامن الأزمة مع الحرب المستمرة في غزة آنذاك وتزايد المخاطر على خطوط الملاحة والطاقة.

خلفية التصعيد: من دمشق إلى الهجوم المباشر

التوتر انفجر بعد ضربة استهدفت مطلع أبريل 2024 مبنى تابعاً للبعثة الدبلوماسية الإيرانية في دمشق، وهي ضربة حمّلت طهران إسرائيل مسؤوليتها. بعد أيام، شنت إيران هجوماً مباشراً على إسرائيل بأكثر من 300 مقذوف بين طائرات مسيّرة وصواريخ، وفق ما أوردته تغطيات أمريكية ودولية في حينه. وكان ذلك تطوراً لافتاً لأنه جاء من الأراضي الإيرانية مباشرة، لا عبر حلفاء ووكلاء في المنطقة كما جرت العادة في أزمات سابقة.

من منظور سياسي، رأت واشنطن أن هذه الخطوة منحت خصوم إيران مادة إضافية لتصويرها كطرف مسؤول عن توسيع دائرة الاشتباك في المنطقة. أما طهران، فقد قدمت الهجوم باعتباره رداً محسوباً على استهداف بعثتها في دمشق. وبين الروايتين، بقيت المنطقة على حافة تصعيد كان يمكن أن يمتد سريعاً إلى ساحات أخرى تمس الأمن العربي والأفريقي معاً.

لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر؟

بالنسبة إلى مصر، لا يُقرأ التوتر الأمريكي الإيراني باعتباره مجرد خلاف ثنائي أو مواجهة تخص المشرق وحده. أي اتساع للصدام ينعكس على أمن البحر الأحمر، وعلى حركة السفن المرتبطة بقناة السويس، وعلى كلفة الشحن والتأمين، فضلاً عن تأثيره على أسواق الطاقة والغذاء. ومن هنا يأتي اهتمام القاهرة التقليدي بمنع توسع النزاعات الإقليمية، خصوصاً حين تتقاطع مع غزة، وشرق المتوسط، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي.

هذا البعد يفسر أيضاً سبب الحضور المصري المكثف في الاتصالات الدبلوماسية خلال تلك الأيام، إذ ركزت القاهرة على أولوية خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية على منطق الردود العسكرية المتبادلة.

مصر تتحرك دبلوماسياً لاحتواء الأزمة

الموقف المصري كان واضحاً في بيانات وتحركات رسمية خلال أبريل 2024. فقد أكدت القاهرة قلقها العميق من مؤشرات التصعيد الإيراني الإسرائيلي، ودعت إلى أقصى درجات ضبط النفس والالتزام بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كما أجرى وزير الخارجية المصري آنذاك سامح شكري اتصالات مع نظرائه في الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل بهدف احتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مسار أكثر خطورة.

وفي 17 أبريل 2024، قال شكري إنه تواصل مع وزيري خارجية البلدين للتأكيد على أهمية التهدئة وعدم الدخول في حلقة تصعيد ستقود إلى مزيد من عدم الاستقرار، مع آثار سلبية مباشرة على شعوب المنطقة. وبعد ذلك بيومين، جددت مصر تحذيرها من تداعيات اتساع المواجهة، مؤكدة أنها ستكثف اتصالاتها مع الأطراف المعنية لاحتواء التوتر.

العزلة الإيرانية: حقيقة سياسية أم توصيف أمريكي؟

وصف إيران بأنها أصبحت أكثر عزلة هو بالأساس تقدير سياسي أمريكي، لكنه يستند إلى معطيات ظهرت بوضوح بعد هجوم أبريل 2024. من هذه المعطيات اتساع دائرة الإدانات الدولية، واصطفاف الولايات المتحدة مع حلفائها لدعم الدفاعات الإسرائيلية، وارتفاع مستوى القلق في عواصم عربية وإقليمية من احتمال الانزلاق إلى حرب أوسع. في المقابل، لا يعني ذلك أن إيران فقدت كل أوراقها أو نفوذها، فهي ما زالت لاعباً مركزياً في ملفات تمتد من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن، كما أن أي حديث عن “عزلة كاملة” لا يعكس تعقيد شبكة علاقاتها وتحالفاتها.

لكن على المستوى الدعائي والسياسي، استفادت واشنطن من محدودية الأثر العسكري للهجوم مقارنة بحجمه، لتقول إن إيران لم تحقق مكسباً استراتيجياً، بل زادت القلق منها في الإقليم. هذه القراءة لا تلغي أن المنطقة ظلت، حتى بعد ذلك، قابلة للاشتعال بفعل تشابك الجبهات وتعدد الفاعلين.

كيف تبدو الصورة من زاوية أفريقية؟

رغم أن الحدث دارت رحاه الأساسية في المشرق، فإن ارتداداته تطال المجال الأفريقي بوضوح. فالقرن الأفريقي والبحر الأحمر يمثلان ممراً حيوياً للتجارة والطاقة، وأي توتر بين إيران وخصومها الإقليميين يضاعف المخاوف على خطوط الإمداد، ويرفع كلفة المخاطر البحرية، ويضغط على اقتصادات دول أفريقية تعتمد على الاستيراد والتصدير عبر هذه المسارات. ومن هذه الزاوية، يصبح خفض التصعيد أولوية أفريقية أيضاً، وليس مطلباً شرق أوسطياً فقط.

ولهذا ينسجم إدراج الملف ضمن تغطية “أفريقيا” مع رؤية أوسع تعتبر أمن البحر الأحمر والفضاء المحيط به مسألة عابرة للحدود، تمس شمال أفريقيا وشرقها معاً، وتؤثر مباشرة على مصر بحكم موقعها ومصالحها الاستراتيجية.

ماذا بعد؟

الرسالة الأمريكية الأساسية يمكن تلخيصها في نقطتين: إيران تتحمل، من منظور واشنطن، مسؤولية رفع منسوب التوتر، والولايات المتحدة تريد في الوقت نفسه منع تحول الأزمة إلى حرب إقليمية مفتوحة. أما الرسالة المصرية فتركز على أن أي مواجهة إضافية لن تخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها، وأن المسار الدبلوماسي يظل الخيار الأقل كلفة والأكثر واقعية.

في المحصلة، فإن توصيف البيت الأبيض لإيران بأنها “أكثر عزلة” ليس مجرد عبارة إعلامية، بل جزء من معركة أوسع على السردية السياسية في الإقليم: من بدأ التصعيد؟ ومن يدفع المنطقة إلى الحافة؟ وبينما تتنافس القوى الكبرى والإقليمية على الإجابة، تبقى الأولوية بالنسبة إلى القاهرة والعواصم الأفريقية المعنية هي الحيلولة دون انتقال النار إلى ممرات التجارة والاستقرار الهش في جوارها المباشر.