التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس يقفز إلى 53.5 مليار دولار
قفزة في تجارة مصر مع دول بريكس بعد الانضمام الرسمي
تشير أحدث المؤشرات الرسمية إلى أن العلاقات التجارية بين مصر ودول تجمع بريكس دخلت مرحلة أكثر نشاطًا منذ انضمام القاهرة رسميًا إلى التكتل في يناير 2024. وبحسب بيانات عرضتها وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية ونشرتها الهيئة العامة للاستعلامات، ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر ودول التجمع إلى نحو 53.5 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 45 مليار دولار خلال 2024، بنسبة نمو تقارب 18.8%. هذا التطور يمنح تصريحات الخبراء الاقتصاديين بشأن اتساع مكاسب العضوية أساسًا رقميًا واضحًا، ويعكس أن الانضمام لم يعد مجرد خطوة سياسية أو دبلوماسية، بل تحول إلى مسار اقتصادي قابل للقياس.
وتأتي هذه الأرقام في وقت تبحث فيه مصر عن أسواق أوسع للصادرات، ومصادر أكثر تنوعًا للاستيراد، وشراكات استثمارية تساعد على تخفيف الضغوط الخارجية على الاقتصاد. وفي هذا السياق، ينظر كثير من المتابعين إلى بريكس باعتباره أحد المسارات التي قد تدعم تموضع مصر داخل خريطة التجارة العالمية، خصوصًا مع الاقتصادات الناشئة الكبرى.
ماذا تعني أرقام 53.5 مليار دولار للاقتصاد المصري؟
الرقم المعلن لا يعني فقط زيادة في إجمالي التجارة، بل يكشف أيضًا عن اتساع وزن دول بريكس في المعاملات الخارجية لمصر. فالتجمع يضم قوى اقتصادية وسكانية مؤثرة مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، وانضمت إليه مصر ضمن التوسعة التي دخلت حيز التنفيذ مطلع 2024. ووفق ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات، فإن هذه الزيادة في التبادل التجاري جاءت متزامنة مع مشاركة مصر في الاجتماع الـ16 لوزراء تجارة تجمع بريكس الذي عُقد في جيبور بالهند يومي 6 و7 أغسطس 2026 في إطار الرئاسة الهندية للتجمع.
وبالنسبة لمصر، فإن الأهمية لا ترتبط فقط بحجم السوق، بل بطبيعة الفرص الممكنة داخله. فوجود أسواق ضخمة ذات طلب متنوع يفتح المجال أمام المنتجات المصرية الزراعية والغذائية والكيماوية ومواد البناء وبعض الصناعات التحويلية، كما يتيح مساحات أوسع للتعاون في الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد والتصنيع المشترك.
من التوقعات إلى البيانات الرسمية
الحديث عن وصول التبادل التجاري إلى مستوى يتجاوز 53 مليار دولار لم يعد مجرد تقدير أو توقع. البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية المصرية تؤكد أن الرقم تحقق بالفعل خلال 2025. كما أظهر بيان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول بريكس أن التبادل التجاري سجل نموًا ملحوظًا خلال 2024 مقارنة بالسنوات السابقة، بما يعكس مسارًا صاعدًا سبق الوصول إلى مستوى 53.5 مليار دولار.
هذا المسار يمنح وجاهة للرأي القائل إن عضوية بريكس يمكن أن تتحول إلى أداة عملية لتوسيع التجارة المصرية، لكن بشرط أن تقترن بسياسات داخلية أكثر كفاءة في دعم التصدير، وخفض تكلفة الإنتاج، وتسهيل النفاذ إلى الأسواق.
محمد فريد صالح في واجهة الملف التجاري
برز اسم الدكتور محمد فريد صالح بوصفه وزير الاستثمار والتجارة الخارجية والمسؤول الحكومي الأبرز في هذا الملف. ووفق الموقع الرسمي للوزارة، يتولى فريد حقيبة الاستثمار والتجارة الخارجية ضمن توجه حكومي يربط بين تحسين مناخ الأعمال وزيادة التجارة الخارجية وجذب الاستثمارات. وفي الاجتماعات واللقاءات الرسمية الأخيرة، شدد الوزير على أهمية التكامل بين سياسات الاستثمار والتجارة والصناعة من أجل رفع تنافسية الاقتصاد المصري وتعزيز الصادرات.
وتعكس مشاركة الوزير في اجتماعات بريكس التجارية أن القاهرة تتعامل مع التكتل من زاويتين متكاملتين: الأولى زيادة التبادل التجاري، والثانية توسيع قاعدة الاستثمار. ومن دون هذا الربط، قد تبقى زيادة التجارة مجرد نمو في الواردات، بينما الهدف الأوسع بالنسبة لمصر هو رفع القدرة الإنتاجية والتصنيعية محليًا.
لماذا تهم بريكس مصر الآن؟
تزداد أهمية بريكس بالنسبة لمصر في ضوء ثلاثة اعتبارات رئيسية:
- تنويع الشركاء التجاريين: تقليل الاعتماد على أسواق محددة وفتح قنوات أكبر مع اقتصادات ناشئة سريعة النمو.
- توسيع فرص التصدير: الاستفادة من الطلب الكبير في أسواق ذات كثافة سكانية مرتفعة مثل الصين والهند.
- دعم الاستثمار وسلاسل الإمداد: جذب استثمارات مرتبطة بالإنتاج والتصنيع والخدمات اللوجستية، بما يساعد على تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير.
كما أن موقع مصر الجغرافي، إلى جانب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشبكة الموانئ، يمنحها أفضلية نسبية إذا نجحت في تحويل علاقاتها مع دول بريكس إلى مشروعات إنتاجية وتصديرية فعلية، لا إلى أرقام تجارة فقط.
ما الذي يحتاجه الاقتصاد المصري للاستفادة الكاملة؟
رغم الأرقام الإيجابية، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تركيب هذا التبادل التجاري، وليس حجمه وحده. فزيادة التجارة تصبح أكثر فائدة للاقتصاد عندما ترتفع معها الصادرات ذات القيمة المضافة، وتتحسن قدرة الشركات المصرية على دخول الأسواق الخارجية بصورة مستقرة.
ومن هنا، تبدو الأولويات العملية واضحة:
- زيادة تنافسية المنتج المصري عبر خفض تكلفة الإنتاج والنقل والتمويل.
- تيسير الإجراءات أمام المصدرين والمستثمرين.
- التوسع في التصنيع المحلي خاصة في القطاعات القابلة للتصدير.
- الاستفادة من الاتفاقات والتفاهمات الثنائية داخل إطار بريكس لتسهيل الحركة التجارية.
وتشير التصريحات الحكومية الأخيرة إلى أن الدولة تسعى بالفعل إلى هذا المسار، من خلال ربط ملفات الصناعة والاستثمار والتجارة الخارجية ضمن رؤية موحدة، مع التركيز على تعزيز دور القطاع الخاص.
خلاصة المشهد
الرسالة الأهم من الأرقام الأخيرة أن انضمام مصر إلى بريكس بدأ ينعكس على الأرض بصورة ملموسة. فالوصول إلى 53.5 مليار دولار في حجم التبادل التجاري مع دول التجمع خلال 2025 يمثل تطورًا مهمًا، خصوصًا إذا قورن بـ45 مليار دولار في 2024. لكن النجاح الأكبر لن يقاس فقط بسرعة نمو التجارة، بل بقدرة الاقتصاد المصري على تحويل هذه القفزة إلى زيادة في الصادرات، وتوطين للصناعة، واستثمارات جديدة، وفرص عمل.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن ملف بريكس لم يعد عنوانًا خارجيًا بعيدًا، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بأسئلة الداخل: كيف ترفع مصر صادراتها؟ كيف تجذب الدولار عبر الإنتاج لا الاقتراض؟ وكيف توسع أسواقها في عالم يعاد تشكيله اقتصاديًا؟ الأرقام الحالية تقدم بداية مشجعة، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في السنوات المقبلة، عندما يظهر ما إذا كانت هذه الشراكة ستتحول إلى مكسب هيكلي طويل الأجل للاقتصاد المصري.