Akhbar Cairo

التحالف الإسلامي يطلق «إعلاميو السلام» في مقديشو

مبادرة إعلامية جديدة في قلب مقديشو

شهدت العاصمة الصومالية مقديشو يوم 22 أغسطس 2026 إطلاق مبادرة «إعلاميو السلام»، وهي مبادرة استراتيجية يقودها التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب بدعم من المملكة العربية السعودية، وتركز على رفع كفاءة الإعلاميين وصناع المحتوى في مواجهة الخطاب المتطرف، وخطاب الكراهية، وحملات التضليل والدعاية الإرهابية عبر الفضاء الرقمي.

وبحسب ما أعلنته جهات رسمية صومالية وتقارير متطابقة من وسائل إعلام رسمية في المنطقة، بدأت المبادرة من خلال برنامج تدريبي يستمر ثلاثة أيام في مقديشو، ويستهدف صحفيين ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لبناء أدوات مهنية قادرة على إنتاج خطاب بديل يعزز الاستقرار والسلم الأهلي، بدل ترك المساحة مفتوحة أمام الجماعات المتشددة لاستغلال المنصات الرقمية.

لماذا تكتسب المبادرة أهمية خاصة في الصومال؟

تأتي هذه الخطوة في سياق أمني وإعلامي معقد تعيشه الصومال منذ سنوات، حيث لا تقتصر المواجهة مع التنظيمات المتشددة على الجانب العسكري فقط، بل تمتد كذلك إلى حرب الرواية والمحتوى. فالجماعات العنيفة باتت تعتمد بصورة متزايدة على الإنترنت ووسائل التواصل لتجنيد عناصر جديدة، ونشر رسائل الترهيب، وبث الأخبار المضللة، وهو ما دفع منظمات دولية، بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى التشديد على تنامي مخاطر التطرف الرقمي وأهمية بناء قدرات محلية لمجابهته.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التحرك لا تتوقف عند الشأن الصومالي الداخلي. فاستقرار القرن الأفريقي يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وخطوط التجارة الإقليمية، كما أن مكافحة الدعاية المتطرفة في دول الجوار العربي والأفريقي أصبحت جزءا من معادلة الأمن الإقليمي الأوسع، خاصة مع سرعة انتقال المحتوى المتشدد عبر الحدود والمنصات.

تعاون صومالي مع التحالف في ملفات الأمن والإعلام

المبادرة الجديدة لا تبدو خطوة معزولة، بل تأتي ضمن مسار تعاون قائم بين الصومال والتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب. وكانت وكالة الأنباء الوطنية الصومالية SONNA قد أشارت سابقا إلى مشاركة وفد حكومي صومالي في أعمال التحالف في الرياض، كما عقدت وزارة الدفاع الصومالية في أكتوبر 2025 اجتماعا تشاوريا خصص لتنسيق مشروعات التحالف داخل البلاد والتركيز على تنفيذها خلال عام 2026.

وفي الوقت نفسه، تظهر بيانات الحكومة الصومالية أن ملف الإعلام بات جزءا واضحا من مقاربة الدولة لمكافحة التطرف. فقد استضافت وزارة الإعلام والثقافة والسياحة الصومالية في يوليو 2025 اجتماعا وطنيا تشاوريا بشأن سياسة إدارة مخاطر إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى أن مقديشو تتعامل مع المجال الرقمي باعتباره ساحة أمنية وفكرية موازية للميدان.

دور وزارة الإعلام الصومالية

تتولى وزارة الإعلام والثقافة والسياحة في الصومال مسؤولية تطوير وتنظيم قطاع الإعلام والسياسات المرتبطة به، وفقا للموقع الرسمي للحكومة الصومالية. وخلال 2025 و2026 كثفت الوزارة اجتماعاتها مع شركاء دوليين بشأن رفع كفاءة التغطية الإعلامية، وتحسين وصول المعلومات الدقيقة إلى الجمهور، وتدريب الصحفيين على التغطيات المتخصصة، بما في ذلك الإعلام في أوقات الأزمات والطوارئ.

هذا التوجه ينسجم مع فلسفة مبادرة «إعلاميو السلام»، التي تقوم على أن الصحفي أو صانع المحتوى ليس مجرد ناقل خبر، بل طرف مؤثر في تشكيل الوعي العام، وفي تفكيك السرديات التي تعتمد عليها التنظيمات الإرهابية لتبرير العنف أو استقطاب الشباب.

ما الذي تستهدفه «إعلاميو السلام» عمليا؟

وفق التفاصيل المعلنة، تركز المبادرة على مجموعة من الأهداف العملية التي تمس المشهد الإعلامي الصومالي مباشرة، من بينها:

  • تدريب الصحفيين على رصد خطاب التطرف والكراهية وتفكيكه مهنيا.
  • رفع وعي المؤثرين رقميا بكيفية التعامل مع الشائعات والمحتوى التحريضي.
  • تعزيز مهارات التحقق من المعلومات في بيئة رقمية سريعة التغير.
  • تشجيع إنتاج محتوى بديل يدعم التماسك الاجتماعي ويخاطب فئات الشباب.
  • دعم الشراكة بين الإعلام والأمن المجتمعي دون الإخلال بالمهنية الصحفية.

ومن زاوية مهنية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حذف المحتوى المتشدد أو فضح زيفه، بل في صناعة رواية أكثر إقناعا قادرة على الوصول إلى الجمهور نفسه الذي تستهدفه التنظيمات المتطرفة، خصوصا في البيئات الهشة أو المناطق الأقل وصولا إلى الخدمات العامة والمعلومات الموثوقة.

السعودية والتحالف: دعم يتجاوز الجانب العسكري

يعكس إطلاق المبادرة في مقديشو اتجاها أوسع داخل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، الذي تقوده السعودية، نحو الجمع بين المسارات العسكرية والفكرية والإعلامية في مكافحة الإرهاب. فالمواجهة لم تعد مقتصرة على العمليات الميدانية، بل تشمل كذلك تجفيف منابع التمويل، ومقاومة السرديات المتشددة، وتحصين المجتمعات من الاختراق الدعائي.

وفي هذا الإطار، تبدو الصومال ساحة ذات أولوية واضحة، نظرا لاستمرار التحديات الأمنية المرتبطة بحركة الشباب، ولأن البلاد تشهد في الوقت نفسه جهودا رسمية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات الإعلامية. كما أن التعاون مع شركاء إقليميين يمنح مقديشو دعما إضافيا في مجالات التدريب والتنسيق وبناء القدرات.

البعد الإقليمي: لماذا يهم الخبر مصر والمنطقة؟

في التغطية العربية، قد يبدو خبر إطلاق برنامج تدريبي للإعلاميين محدود الأثر مقارنة بالأحداث العسكرية المباشرة، لكن دلالته الفعلية أكبر من ذلك. فنجاح أي دولة في المنطقة في تحصين فضائها الإعلامي ضد التطرف والتضليل يمثل رصيدا للأمن الجماعي العربي والأفريقي، خاصة في مناطق العبور البحري والاستراتيجي مثل القرن الأفريقي.

ومن منظور مصري، فإن متابعة تطورات الصومال لا تنفصل عن الاهتمام بأمن البحر الأحمر، واستقرار الممرات الملاحية، وشبكات النفوذ الإقليمي في شرق أفريقيا. لذا فإن مبادرات بناء القدرات الإعلامية، حتى لو بدت تقنية أو تدريبية، تندرج في النهاية ضمن شبكة أوسع من أدوات الاستقرار السياسي والأمني في جوار عربي وأفريقي شديد الحساسية.

خلاصة المشهد

إطلاق «إعلاميو السلام» في مقديشو يرسل رسالة واضحة مفادها أن معركة مكافحة الإرهاب في المنطقة دخلت مرحلة أكثر تعقيدا، حيث لم يعد كافيا الانتصار في الميدان، بل بات ضروريا أيضا كسب معركة الوعي والمعلومة والفضاء الرقمي. وفي بلد مثل الصومال، الذي يواصل إعادة بناء مؤسساته في ظل تهديدات أمنية مستمرة، تبدو هذه المبادرة محاولة عملية لتعزيز قدرة الإعلام المحلي على أن يكون جزءا من الحل، لا مجرد شاهد على الأزمة.