Akhbar Cairo

التحالف في اليمن يلوّح بردع الحوثيين وسط تصاعد التوتر

تحذير جديد من التحالف يعيد الأزمة اليمنية إلى الواجهة

في تطور يعكس استمرار هشاشة المشهد اليمني، أكد المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن اللواء الركن تركي المالكي أن قيادة التحالف ماضية في اتخاذ ما يلزم من إجراءات عملياتية وتدابير ردع في مواجهة جماعة الحوثي، معتبراً أن سلوك الجماعة خلال الفترة الأخيرة يبرهن على رفضها الانخراط الجاد في مسار تسوية يفضي إلى سلام دائم. وتأتي هذه الرسائل في سياق تصاعد التوترات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، وهما من أكثر الممرات حساسية للأمن الإقليمي والتجارة الدولية، بما يهم مصر مباشرة بحكم ارتباط ذلك بحركة الملاحة في قناة السويس.

ماذا قال التحالف؟

بحسب بيانات رسمية نشرتها وكالة الأنباء السعودية واس خلال يوليو وأغسطس 2026، شدد المالكي على أن التحالف سيتخذ «كافة الإجراءات» لحماية المصالح الحيوية والسفن التجارية، وأن الرد سيستمر إذا تواصلت الأعمال العدائية الحوثية، خصوصاً تلك المرتبطة باستهداف الملاحة في البحر الأحمر. كما ربطت التصريحات بين السلوك العسكري للحوثيين وبين تعطيل فرص التهدئة ورفض الحلول المطروحة لإنهاء الأزمة اليمنية.

وفي أحد التصريحات الرسمية الأخيرة، قال المتحدث باسم التحالف إن الجماعة الحوثية ذهبت إلى ما هو أبعد من مجرد التعنت السياسي، إذ رفضت، وفق الرواية الرسمية، خارطة طريق وافقت عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وواصلت توسيع دائرة التهديد نحو الممرات البحرية الدولية جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب. هذا الربط بين الداخل اليمني والملاحة الدولية بات محوراً ثابتاً في الخطاب السياسي والعسكري المحيط بالأزمة.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

بالنسبة لمصر، لا يُنظر إلى تطورات اليمن باعتبارها شأناً بعيداً جغرافياً فقط، بل كملف يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وسلامة خطوط التجارة العابرة نحو قناة السويس. أي اضطراب في باب المندب ينعكس على حركة الشحن، وأسعار التأمين البحري، وكلفة النقل، وبالتالي على سلاسل الإمداد التي تمس اقتصادات المنطقة بأكملها. ولهذا تحظى تصريحات الردع الصادرة عن التحالف بمتابعة خاصة في القاهرة، ضمن قراءة أوسع لما يجري على طول الممر البحري الممتد من خليج عدن إلى شمال البحر الأحمر.

المنظمة البحرية الدولية أكدت في تحديثاتها الخاصة بمنطقة البحر الأحمر أن الهجمات على السفن التجارية لا تزال تمثل تهديداً مباشراً لسلامة الملاحة والبحارة والبضائع. كما أشارت إلى أن مجلس الأمن الدولي تبنى القرار 2722 في 10 يناير 2024، ثم جرى تمديد آلية المتابعة لاحقاً بقرارات أحدث، كان من بينها القرار 2812 الصادر في 14 يناير 2026، بما يعكس استمرار القلق الدولي من الهجمات على السفن التجارية.

تعثر السلام.. والاتهامات المتبادلة مستمرة

التحالف والحكومة اليمنية يقدمان الأزمة باعتبارها نتيجة مباشرة لتعنت الحوثيين ورفضهم مسارات التسوية، بينما تؤكد الأمم المتحدة من جهتها أن الحل المستدام لا يمكن أن يكون إلا سياسياً، عبر عملية يمنية شاملة تحت رعايتها. وفي جلسات مجلس الأمن الأخيرة الخاصة باليمن، جددت الأمم المتحدة والدول الأعضاء دعمها لجهود المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، مع التحذير من أن البلاد تواجه خطراً متزايداً للعودة إلى مواجهة واسعة النطاق إذا تعثرت قنوات التفاوض.

وتشير بيانات الأمم المتحدة في اليمن إلى أن أكثر من 22.3 مليون شخص ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، ما يبرز أن استمرار التصعيد لا يحمل فقط كلفة أمنية، بل يفاقم أيضاً معاناة المدنيين. وهذا الرقم يضع الأزمة في إطارها الحقيقي: صراع سياسي وعسكري تتجاوز آثاره حدود الجبهات ليصيب الغذاء والدواء والتنقل والاقتصاد اليومي لملايين اليمنيين.

البحر الأحمر في قلب الأزمة

اللافت في التصريحات الأخيرة هو أن التحالف لم يحصر حديثه في الداخل اليمني، بل وسّع الإطار ليشمل أمن السفن التجارية والممرات البحرية. وفي بيان رسمي نشرته «واس» في 25 يوليو 2026، أعلن التحالف تنفيذ رد عسكري متناسب ضد أهداف عسكرية تابعة للحوثيين في محافظة الحديدة، بعد اتهام الجماعة باستهداف سفن تجارية في البحر الأحمر. كما أكد المالكي حينها استمرار اتخاذ الإجراءات العملياتية اللازمة لحماية السفن والمصالح الوطنية.

هذا التطور يتسق مع تقارير وبيانات أممية ودولية تحدثت عن استمرار الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر. وفي أغسطس 2026، أدان الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية هجوماً دامياً على سفينة في المنطقة، مؤكداً أن استهداف السفن التجارية أمر غير مقبول ويقوّض سلامة الملاحة الدولية. كما أن مجلس الأمن ظل يطالب بوقف هذه الهجمات فوراً، مع التشديد على احترام حرية الملاحة وفق القانون الدولي.

ما الذي يعنيه “الردع” عملياً؟

في الخطاب العسكري، يشير مفهوم الردع إلى مزيج من الرسائل السياسية والإجراءات العملياتية التي تهدف إلى منع تكرار الهجمات أو رفع كلفتها على الطرف المنفذ. وفي الحالة اليمنية، يبدو أن التحالف يربط هذا المفهوم بأمرين متوازيين:

  • حماية الأراضي السعودية والمصالح الحيوية المرتبطة بها.
  • تأمين السفن التجارية والممرات المائية في البحر الأحمر وباب المندب.

لكن فعالية الردع تبقى مرتبطة بمدى قدرة الأطراف المختلفة على تجنب انزلاق أوسع. فكل جولة تصعيد تحمل معها احتمال توسيع رقعة المواجهة، وهو ما تحذر منه الأمم المتحدة باستمرار، خاصة في ظل التعقيد العسكري والسياسي داخل اليمن وتشابك مصالح الفاعلين الإقليميين والدوليين.

بين الأمن الإقليمي والملف الإنساني

من منظور مصري وإفريقي، لا يمكن فصل الملف اليمني عن صورة الأمن في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فالملاحة عبر باب المندب تمثل شرياناً حيوياً يربط شرق إفريقيا بالأسواق العربية والأوروبية، وأي تهديد هناك يفرض تداعيات تمتد إلى موانئ ومراكز لوجستية عدة في الإقليم. ومن ثم، فإن أي حديث عن «إجراءات رادعة» لا يُقرأ فقط باعتباره موقفاً عسكرياً، بل كجزء من معادلة أوسع تتعلق باستقرار واحدة من أهم العقد البحرية في العالم.

في المقابل، يبقى التحدي الأساسي هو كيفية منع التصعيد من ابتلاع ما تبقى من فرص التسوية. فالتجارب السابقة في اليمن أظهرت أن الضغوط العسكرية قد تغير موازين ميدانية مؤقتاً، لكنها لا تكفي وحدها لإغلاق الملف من جذوره. ولهذا، تتزايد أهمية المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، بالتوازي مع جهود خفض التصعيد وحماية المدنيين وتأمين الممرات البحرية.

خلاصة المشهد

التصريحات الأخيرة الصادرة عن تحالف دعم الشرعية في اليمن تعكس مرحلة جديدة من التشدد في مواجهة الحوثيين، في ظل اتهامات واضحة للجماعة بعرقلة السلام وتهديد الملاحة الدولية. وبينما يقدّم التحالف موقفه باعتباره دفاعاً عن الأمن الإقليمي وحرية الملاحة، تؤكد المؤسسات الدولية أن الحل النهائي لا يزال رهناً بتسوية سياسية شاملة. وحتى يتحقق ذلك، سيظل اليمن ساحة مفتوحة على معادلة معقدة: ردع عسكري من جهة، ومسار سلام متعثر من جهة أخرى، مع كلفة إنسانية وأمنية تهم المنطقة بأسرها، وفي مقدمتها دول البحر الأحمر ومصر.