التصعيد الحوثي يختبر الاقتصاد السعودي وطموحات رؤية 2030
التصعيد الحوثي: هل يتحول من تهديد أمني إلى كلفة اقتصادية مستمرة؟
أعاد تصاعد هجمات جماعة الحوثي إلى الواجهة سؤالًا حساسًا في الخليج: إلى أي مدى يمكن أن تتحمل السعودية ضغوطًا أمنية متقطعة أو ممتدة، بينما تمضي في أكبر مشروع لإعادة هيكلة اقتصادها منذ عقود؟ فالمملكة، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تبني رهانها الأساسي على رؤية السعودية 2030، التي تستهدف تقليص الاعتماد على النفط وتوسيع مساهمة السياحة والخدمات اللوجستية والصناعة والاستثمار في النمو الاقتصادي.
لكن هذا المسار الطموح يواجه تحديًا واضحًا كلما ارتفعت وتيرة الهجمات أو تهديدات الملاحة في البحر الأحمر. فالقضية لم تعد محصورة في حدود اليمن أو في الاشتباك العسكري المباشر، بل أصبحت مرتبطة بثقة المستثمرين، وتكاليف التأمين، وسلاسل الإمداد، وصورة الاستقرار التي تحتاجها الرياض لاستقطاب رؤوس الأموال والشركات الدولية.
من مطار الملك خالد إلى خطوط الطاقة
التهديد الحوثي للسعودية ليس جديدًا. فقد سبق أن استهدفت الجماعة العمق السعودي على أكثر من جبهة، بينها هجمات صاروخية وطائرات مسيرة باتجاه الرياض، بما في ذلك محيط مطار الملك خالد الدولي. كما تعرضت منشآت الطاقة لضربات لافتة، من بينها الهجوم الذي استهدف في 14 مايو 2019 محطتي ضخ على خط الأنابيب الشرقي-الغربي التابع لأرامكو، وهو ما أكدته الشركة السعودية رسميًا في حينه.
هذا النوع من الهجمات يرسل رسائل تتجاوز الأثر العسكري المباشر. فحين تُستهدف بنية تحتية للطيران أو الطاقة أو النقل، يصبح الحديث عن المخاطر السياسية جزءًا من حسابات المستثمر وشركات الشحن والممولين الدوليين. وفي اقتصاد يسعى إلى التوسع في المشروعات العملاقة والوجهات السياحية والمراكز اللوجستية، فإن الاستقرار ليس ميزة إضافية، بل شرط أساسي.
رؤية 2030 تحت الاختبار
بحسب التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 عن عام 2025، واصلت الأنشطة غير النفطية نموها لتتجاوز نصف حجم الاقتصاد السعودي، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي 3.353 تريليون ريال بنهاية 2025. كما أعلنت الهيئة العامة للإحصاء في السعودية أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة نما بنسبة 4.5% خلال 2025، مع نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9%.
هذه الأرقام تعكس أن التحول الاقتصادي ليس مجرد شعار سياسي، بل مسار تنفيذي قائم بالفعل. كذلك تشير البيانات الرسمية السعودية إلى توسع ملموس في السياحة، إذ واصلت الحكومة البناء على الوصول المبكر إلى هدف 100 مليون سائح في 2023، مع سعيها إلى رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي وتوسيع الإنفاق السياحي وتوليد الوظائف.
غير أن التهديد الأمني يظل عاملًا ضاغطًا. فالمشروعات الكبرى، من المدن الجديدة إلى الموانئ والخدمات اللوجستية والفعاليات الدولية، تحتاج إلى بيئة منخفضة المخاطر. وكلما ارتفعت كلفة الحماية والتأمين أو تكررت صور الاستهداف، زادت الأسئلة حول سرعة التنفيذ وكلفة التمويل وجاذبية السوق، حتى لو لم تتوقف المشروعات فعليًا.
البحر الأحمر.. ساحة التأثير الأوسع
الشق الأخطر في التصعيد لا يتعلق فقط بالسعودية من الداخل، بل بامتداد التهديد إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهو ممر حيوي للتجارة العالمية والطاقة. الأمم المتحدة عبر الأونكتاد حذرت من أن الاضطرابات في البحر الأحمر أثرت على حركة الشحن العالمية وعلى مسار قناة السويس، بما دفع شركات عديدة إلى إعادة توجيه السفن عبر رأس الرجاء الصالح، مع ما يعنيه ذلك من وقت إضافي وتكاليف أعلى.
وبالنسبة لمصر، فإن هذه المسألة ليست بعيدة أو نظرية. فصندوق النقد الدولي ذكر بوضوح أن اضطرابات البحر الأحمر خفضت تدفقات النقد الأجنبي من قناة السويس بنحو 6 مليارات دولار خلال 2024 مقارنة بعام 2023، وأن الإيرادات ظلت ضعيفة خلال الأشهر الأولى من 2025. كما أشار الصندوق إلى أن القناة كانت تحقق قبل الأزمة أكثر من 700 مليون دولار شهريًا في المتوسط.
لهذا، فإن أي تصعيد حوثي يهدد الملاحة لا يضغط فقط على السعودية، بل يطال معادلة إقليمية أوسع تشمل مصر والتجارة بين آسيا وأوروبا وأسعار النقل والتأمين. ومن هنا تزداد حساسية الملف بالنسبة للقاهرة، التي تراقب أمن البحر الأحمر بوصفه قضية اقتصادية وسيادية في آن واحد.
هل تدفع الهجمات الرياض إلى التراجع؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على أن السعودية بصدد التراجع عن أولوياتها الاقتصادية الكبرى. على العكس، الخطاب الرسمي السعودي خلال 2025 و2026 شدد على استمرار التقدم في التنويع الاقتصادي، وتوسيع دور القطاعات غير النفطية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز للاستثمار والسياحة والخدمات اللوجستية.
لكن الأدق ربما هو القول إن التصعيد الحوثي قد لا يجبر الرياض على التراجع، بقدر ما قد يدفعها إلى إعادة ترتيب الإيقاع ورفع كلفة الحماية والتحوط. فالاقتصادات الكبرى لا تتوقف عادة بسبب ضربة أو تهديد، لكنها قد تضطر إلى تخصيص موارد أكبر للأمن والدفاع، أو إلى تأجيل بعض الرهانات، أو إلى تقديم حوافز أعلى لتعويض المخاطر.
وهنا يظهر البعد السياسي للمسألة: السعودية تريد بيئة إقليمية أقل اشتعالًا كي تنجح خططها الاقتصادية على المدى الطويل. لذلك يبدو أن حماية رؤية 2030 لا تعتمد فقط على الإنفاق والاستثمار، بل أيضًا على خفض التوترات المحيطة بالمملكة، سواء عبر الردع العسكري أو عبر المسارات الدبلوماسية.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟
من منظور مصري، فإن استقرار السعودية وأمن البحر الأحمر عنصران أساسيان في معادلة الاقتصاد الإقليمي. فالسعودية شريك اقتصادي رئيسي، وأي اضطراب يطال حركة التجارة والطاقة والملاحة ينعكس بدرجات مختلفة على أسواق المنطقة، بما فيها مصر. كما أن تباطؤ الملاحة في القناة أو زيادة تكلفة الشحن يرفع الضغوط على سلاسل الإمداد وأسعار بعض السلع والخدمات.
في المقابل، فإن استمرار السعودية في ضخ الاستثمارات وتنفيذ مشروعاتها الكبرى يمنح المنطقة قدرًا من الزخم الاقتصادي، خاصة إذا نجحت الرياض في احتواء المخاطر الأمنية ومنعها من التحول إلى حالة مزمنة. وهذا يفسر لماذا يُنظر إلى أمن البحر الأحمر اليوم بوصفه ملفًا عربيًا مشتركًا، لا مجرد نزاع ثنائي أو جبهة معزولة.
الخلاصة
التصعيد الحوثي لا يبدو كافيًا وحده لإسقاط الطموح الاقتصادي السعودي، لكنه قادر بالتأكيد على رفع كلفة هذا الطموح وتعقيد مساره. وبينما تُظهر الأرقام الرسمية أن الاقتصاد السعودي واصل النمو وتنويع مصادره حتى 2025، فإن أمن المطارات والطاقة والملاحة سيظل عنصرًا حاسمًا في اختبار صلابة رؤية 2030.
وبالنسبة للقارئ المصري، فالقضية تتجاوز حدود السعودية: ما يجري في البحر الأحمر يمس قناة السويس والتجارة الإقليمية والاقتصاد العربي كله. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ما إذا كانت الرياض ستتراجع، بل ما إذا كانت المنطقة ستنجح في منع التهديدات الأمنية من التحول إلى عبء اقتصادي طويل الأمد على الجميع.