التصوير بين التوثيق والتشهير.. هل يسبق حكم السوشيال ميديا القضاء؟
التصوير الرقمي بين كشف الحقيقة وصناعة الإدانة المجتمعية
أعاد النائب حسام حسن الخشت، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل والمتحدث الرسمي باسم الحزب، فتح نقاش شديد الحساسية في مصر بشأن حدود التصوير والنشر على المنصات الرقمية، بعدما حذر من تحول الهاتف المحمول إلى أداة مزدوجة الاستخدام: وسيلة قد تساعد في إثبات الحق من ناحية، وقد تتحول من ناحية أخرى إلى منصة للتشهير وصنع أحكام اجتماعية تسبق مسار العدالة.
تصريحات الخشت جاءت في سياق جدل أوسع تشهده الساحة المصرية والعربية مع اتساع ظاهرة تصوير الوقائع اليومية، من المشاجرات والحوادث إلى الخلافات الأسرية والمواقف الفردية داخل الشارع أو أماكن العمل أو المؤسسات الخدمية. وفي كثير من الحالات، لا يتوقف الأمر عند التوثيق، بل ينتقل سريعًا إلى النشر الواسع وإطلاق الاتهامات والتعليقات، بما قد يضع أشخاصًا تحت محكمة الرأي العام قبل أن تقول جهات التحقيق أو القضاء كلمتها.
ماذا قال النائب حسام الخشت؟
بحسب ما نُشر في وسائل إعلام مصرية، قال النائب حسام الخشت إن التصوير أصبح في أحيان كثيرة «سلاحًا» يستخدمه البعض للحصول على حقهم، بينما يستخدمه آخرون للتشهير، معتبرًا أن المشكلة الأساسية ليست فقط في وجود نصوص قانونية، بل في ضعف تفعيلها على الأرض. وتكتسب هذه الإشارة البرلمانية أهمية خاصة لأن الملف يرتبط مباشرة بالتوازن بين الحق في التوثيق من جهة، والحق في الخصوصية وقرينة البراءة من جهة أخرى.
ويشغل الخشت، وفق تغطيات منشورة خلال عام 2026، موقعًا سياسيًا بارزًا داخل حزب العدل بصفته المتحدث الرسمي ونائب رئيس الهيئة البرلمانية للحزب، وهو ما يمنح تصريحاته وزنًا إضافيًا في نقاش يتصل بالتشريع والرقابة العامة، خصوصًا مع تكرار وقائع شهدت تداول مقاطع مصورة على نطاق واسع قبل اكتمال التحقيقات الرسمية.
القانون موجود.. لكن أين التطبيق؟
الحديث عن غياب التطبيق لا يأتي من فراغ. فمصر لديها بالفعل إطار قانوني ينظم جوانب من النشر الإلكتروني والاعتداء على الحياة الخاصة. من بين أهم هذه الأطر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وهو القانون الذي يضع أساسًا للتعامل مع الجرائم المرتبطة بإساءة استخدام وسائل التقنية والمنصات الإلكترونية. كما صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، الذي ينظم حماية البيانات المعالجة إلكترونيًا للأشخاص الطبيعيين.
ومن الناحية المؤسسية، أتاح مركز حماية البيانات الشخصية إطارًا تنظيميًا لهذا الملف، فيما تشير بيانات رسمية إلى صدور اللائحة التنفيذية للقانون خلال عام 2025، بما يعزز البنية التطبيقية الخاصة بحماية البيانات والخصوصية في البيئة الرقمية. لكن الإشكال الذي يطرحه نواب وقانونيون وإعلاميون يتمثل في أن التطور التقني وسرعة النشر يسبقان أحيانًا قدرة المؤسسات على الردع الفوري، خاصة حين يكون الضرر المعنوي قد وقع بالفعل وانتشر المحتوى على نطاق واسع.
النيابة العامة: سلّموا المقاطع للجهات المختصة
أهمية هذا النقاش تضاعفت بعد تحذيرات متكررة من النيابة العامة في مصر من نشر المقاطع المرتبطة بوقائع جنائية أو أحداث حساسة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ووفق بيانات منشورة خلال سبتمبر 2025، شددت النيابة على أن المسار القانوني الصحيح هو إرسال المواد المصورة إلى القنوات والأرقام الرسمية المخصصة لذلك، بدلًا من تداولها علنًا على المنصات، لما قد يترتب على النشر من أضرار مجتمعية وتأثير سلبي على التحقيقات وسير العدالة.
هذا التوجيه يعكس بوضوح فلسفة قانونية متنامية في المنطقة العربية، قوامها أن التوثيق قد يكون مفيدًا ومطلوبًا، لكن النشر العلني ليس دائمًا مباحًا أو بريئًا. فالفارق كبير بين أن تسجل واقعة لتقديمها كدليل إلى جهة مختصة، وبين أن تنشرها مصحوبة بأسماء واتهامات وسخرية وتحريض، بما يحول الواقعة إلى محاكمة شعبية مفتوحة.
منصات التواصل ومحكمة الرأي العام
في السنوات الأخيرة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي في مصر والعالم العربي لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الانطباعات الأولى عن أي واقعة. خلال دقائق من نشر فيديو، قد تتشكل سردية كاملة: متهم وضحية وشهود وخبراء وتعليقات وأحكام أخلاقية. المشكلة أن هذه السردية قد تستند إلى مقطع مبتور، أو زاوية تصوير واحدة، أو جزء من مشادة لا يكشف بدايتها ولا ملابساتها.
هنا تبرز خطورة ما يمكن وصفه بـالمحاكمة المجتمعية قبل حكم القضاء. فحتى لو انتهت التحقيقات إلى نتائج مختلفة، يكون الضرر الذي لحق بسمعة الشخص أو أسرته أو عمله قد وقع بالفعل. وفي البيئة العربية، حيث تلعب السمعة الاجتماعية دورًا بالغ الحساسية، قد تمتد آثار مقطع واحد إلى محيط عائلي ومهني كامل.
قضية حسام حسن وتجدد الجدل حول الحياة الخاصة
الملف عاد بقوة أيضًا مع قرارات وتحركات للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في سبتمبر 2026 على خلفية التناول الإعلامي للحياة الخاصة لأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر. ووفق ما نُشر، اتخذ المجلس إجراءات تتعلق بتغطية تفاصيل الحياة الخاصة والشخصية والأسرية، في خطوة عكست تشددًا تجاه خلط الإعلامي بالشخصي، والخبري بالفضائحي.
ورغم أن هذه الواقعة تخص شخصية عامة معروفة، فإن دلالتها أوسع من اسمها؛ فهي تؤكد أن الحياة الخاصة ليست مباحة لمجرد أن صاحبها مشهور، وأن تداول المقاطع أو استضافتها أو تضخيمها قد يضع المؤسسات الإعلامية والمنصات أمام مسؤوليات قانونية ومهنية متزايدة.
بين الحق في المعرفة وحرمة الخصوصية
لا خلاف على أن التصوير لعب دورًا مهمًا في كشف وقائع اعتداء أو فساد أو تجاوزات في أكثر من بلد عربي، كما ساعد أحيانًا في تحريك الرأي العام ودفع السلطات إلى التدخل السريع. لكن هذا لا يعني أن كل تصوير مشروع، ولا أن كل نشر يندرج تحت بند المصلحة العامة.
القاعدة الأكثر اتزانًا، كما يراها كثير من المتابعين، تقوم على عدة مبادئ:
- التوثيق يكون لخدمة الحقيقة لا للإهانة أو التشهير.
- النشر يجب أن يخضع لمعيار المصلحة العامة واحترام الخصوصية.
- التحقيق من اختصاص الجهات الرسمية لا جمهور المنصات.
- المؤسسات الإعلامية مطالبة بالتحقق قبل إعادة بث أي محتوى متداول.
- المستخدم العادي قد يتحمل مسؤولية قانونية إذا نشر مادة تمس الحياة الخاصة أو تؤثر على العدالة.
لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري والعربي؟
أهمية القضية لا تتوقف عند مصر، بل تمتد إلى المجال العربي الأوسع، حيث تعيش المجتمعات التحول نفسه: هواتف ذكية في كل يد، ومنصات قادرة على تحويل أي شخص إلى ناشر، وخوارزميات تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ الدقة. لذلك فإن النقاش المصري حول تنظيم التصوير والنشر يتصل بسؤال عربي أكبر: كيف نحمي الحق في المعرفة من دون أن نسمح بانهيار الخصوصية أو التأثير على العدالة؟
تصريحات النائب حسام الخشت تلتقط هذه المعضلة بدقة؛ فهي لا تهاجم التوثيق من حيث المبدأ، لكنها تحذر من انفلات استخدامه. وبين الحق في كشف الحقيقة وخطر تحويل المقاطع المصورة إلى أحكام نهائية، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى ثلاثة مسارات متوازية: تطبيق جاد للقانون، ووعي مجتمعي أوسع، ومهنية أعلى في التعامل الإعلامي مع المواد المتداولة.
في النهاية، لا ينبغي أن يتحول الهاتف إلى منصة إدانة فورية، ولا أن تصبح المنصات الاجتماعية بديلًا عن النيابة والمحكمة. فالدولة التي تملك قوانين للخصوصية ومكافحة الجرائم الإلكترونية مطالبة بإنفاذها، والمجتمع مدعو إلى التمييز بين التوثيق المشروع والتشهير المؤذي. وبينهما تقف العدالة، التي لا يفترض أن تُدار بالترند، بل بالأدلة والإجراءات والضمانات.