التصوير بين كشف الحقيقة ومحاكمة الناس قبل القضاء
بين هاتف المحمول ومنصة القضاء: من يحكم أولًا؟
لم يعد التصوير في المجال العام مجرد سلوك عابر أو انعكاس لانتشار الهواتف الذكية، بل تحول في مصر إلى أداة ذات أثر سياسي واجتماعي وقانوني واسع. فخلال دقائق قليلة، يمكن لمقطع فيديو واحد أن يشعل الرأي العام، ويصنع رواية أولية عن واقعة ما، ويدفع آلاف المستخدمين إلى إصدار أحكامهم قبل أن تبدأ جهات التحقيق عملها. من هنا جاء الجدل الذي أعاده إلى الواجهة حديث برلماني حديث، حذّر فيه النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب، من تحول التصوير إلى وسيلة مزدوجة الاستخدام: أحيانًا لكشف الحقائق، وأحيانًا أخرى للتشهير وصناعة محاكمة مجتمعية تسبق كلمة القضاء.
هذا الطرح يلامس سؤالًا شديد الحساسية في المجتمع المصري: متى يكون التصوير حمايةً للحق، ومتى ينقلب إلى اعتداء على الخصوصية وسمعة الأفراد؟
ماذا قال النواب؟
في تناول إعلامي نُشر يوم 21 سبتمبر 2026، نُقل عن النائب حسام حسن قوله إن قضية التصوير باتت شائكة ومليئة بالتناقضات، لأن هناك من يعتبره وسيلة لاسترداد الحقوق وكشف الحقيقة، بينما يراه آخرون بابًا مفتوحًا للتشهير. كما أشار إلى أن المشكلة الأساسية ليست فقط في وجود النصوص القانونية، بل في مستوى تطبيقها، مؤكدًا أن الخطر يتفاقم عندما تتحول المقاطع المتداولة إلى أداة للحكم على الناس قبل استكمال التحقيقات أو صدور حكم قضائي نهائي.
أهمية هذا الكلام لا تكمن في وصف ظاهرة معروفة فحسب، بل في أنه يضع الإصبع على منطقة رمادية يعيشها المجال الرقمي في مصر: المجتمع يريد توثيق المخالفات والتجاوزات، لكنه في الوقت نفسه يواجه انفلاتًا في تداول الفيديوهات خارج سياقها الكامل، بما قد يضر بالأفراد وبسير العدالة.
الفرق بين التوثيق المشروع والتشهير
من الناحية العملية، لا يمكن إنكار أن التصوير ساعد في السنوات الأخيرة على كشف وقائع اعتداء أو عنف أو تجاوزات في الشارع ومحيط الخدمات العامة. وفي كثير من الأحيان، يصبح التسجيل المرئي عنصرًا مساعدًا في الإبلاغ، أو وسيلة لحفظ الأدلة قبل ضياعها. لكن الإشكال يبدأ عندما ينتقل التسجيل من خانة الإبلاغ للجهات المختصة إلى خانة النشر الجماهيري بقصد الفضيحة أو التحريض أو السخرية.
هنا يتغير توصيف الفعل من توثيق قد يخدم الحقيقة إلى نشر قد يعتدي على الحق في الخصوصية، خصوصًا إذا كان المقطع مجتزأً، أو خاليًا من السياق، أو يتضمن وجوهًا وبيانات وأصواتًا لأشخاص لم يصدر بحقهم أي حكم.
لماذا تبدو المسألة أخطر في عصر الذكاء الاصطناعي؟
التحذير البرلماني اكتسب وزنًا إضافيًا بسبب التطور السريع في أدوات التلاعب الرقمي. فمع انتشار تقنيات تعديل الفيديو والصوت، لم يعد كل ما يُرى على الشاشة دليلًا كاملًا أو نهائيًا. وهذا يعني أن الرأي العام قد يتعامل مع مادة بصرية على أنها حقيقة مكتملة، بينما هي في الواقع ناقصة أو محرَّفة أو منتزعة من سياق مختلف. لذلك يصبح التسرع في تداول المقاطع نوعًا من المجازفة المجتمعية، لا سيما حين يتعلق الأمر باتهامات أخلاقية أو جنائية.
ماذا يقول القانون المصري؟
الإطار القانوني في مصر لا يترك المسألة بلا تنظيم. فقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يتضمن نصوصًا تُجرّم انتهاك حرمة الحياة الخاصة عبر الشبكات المعلوماتية، وقد أشارت تغطيات قانونية منشورة في مؤسسات صحفية قومية إلى أن المادة 25 تنص على عقوبات قد تشمل الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة من 50 ألف جنيه إلى 100 ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، في حالات انتهاك الخصوصية أو نشر المحتوى دون رضا صاحبه عبر الإنترنت.
كذلك تناولت مواد في قانون العقوبات، بينها المادة 309 مكرر كما ورد في شروحات قانونية منشورة، مسألة تسجيل الأحاديث أو نقلها أو إذاعتها في غير الأحوال المصرح بها قانونًا، خصوصًا إذا تعلقت بمكان خاص أو اتصالات شخصية. المعنى هنا واضح: امتلاك الهاتف لا يمنح صاحبه حقًا مطلقًا في تصوير الآخرين ونشر صورهم أو أصواتهم كما يشاء.
رسالة النيابة العامة: أبلغوا ولا تنشروا
الموقف الأكثر صراحة جاء في أكثر من واقعة تابعتها النيابة العامة خلال العامين الماضيين. ففي بيانات أُعيد نشرها عبر مؤسسات صحفية قومية، شددت النيابة على أن نشر صور أو مقاطع فيديو لأي شخص دون موافقته قد يشكل جريمة جنائية إذا انطوى على انتهاك للخصوصية، حتى لو تضمن المقطع واقعة مجرّمة في ذاتها. والمنطق الذي تستند إليه هذه الرسالة أن المواطن ليس بديلًا عن سلطة التحقيق، وأن الطريق القانوني السليم هو الإبلاغ عبر القنوات الرسمية لا تحويل المنصات الاجتماعية إلى محاكم موازية.
وفي وقائع أخرى، حذرت النيابة أيضًا من نشر مواد تتعلق بتحقيقات أو جلسات محاكمة من دون تصريح، لما قد يمثله ذلك من تأثير على سير العدالة أو على الرأي العام في قضايا لا تزال منظورة.
الخصوصية ليست ترفًا.. والفضاء الرقمي ليس خارج القانون
الخطأ الشائع في النقاش العام هو اختزال القضية في ثنائية بسيطة: إما مع التصوير أو ضده. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالدولة نفسها توسعت في الحديث عن الحقوق الرقمية وحماية البيانات الشخصية، والمجلس القومي لحقوق الإنسان ناقش خلال 2026 ملفات تتعلق بالخصوصية الرقمية والتحديات الناشئة عن استخدامات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما أكد المجلس، في بيانات أخرى، ضرورة التوازن بين الحماية الرقمية والحق في الخصوصية وعدم التوسع في جمع البيانات خارج أغراض الحماية المشروعة.
هذا مهم لأن النقاش لا ينبغي أن يُدار فقط من زاوية العقاب، بل أيضًا من زاوية الثقافة القانونية: كيف نستخدم الهاتف باعتباره أداة توثيق مسؤولة، لا أداة إذلال أو استباحة للحياة الخاصة؟
ما الذي يحتاجه المجال العام في مصر؟
1) تمييز واضح بين البلاغ والنشر
إذا شاهد مواطن واقعة اعتداء أو مخالفة، فالأصل أن يُحتفظ بالمادة كدليل وأن تُسلَّم للجهات المختصة، بدلًا من نشرها على نطاق واسع بما قد يطمس أجزاء من الحقيقة أو يضر بأشخاص آخرين ظهروا في المقطع.
2) تطبيق أكثر اتساقًا للقانون
الملاحظة التي أثارها النائب حسام حسن بشأن ضعف التطبيق تفتح بابًا مهمًا. فوجود النصوص وحده لا يكفي إذا ظل الوعي بها محدودًا، أو إذا لم يشعر المستخدم العادي بأن مشاركة الفيديو المسيء قد تجر عليه مسؤولية قانونية.
3) رفع الوعي الإعلامي والرقمي
جزء كبير من الأزمة يرتبط بثقافة الاستخدام: كثيرون يتعاملون مع إعادة النشر باعتبارها فعلًا بريئًا، بينما قد تكون قانونيًا مشاركة في انتهاك الخصوصية أو في تضليل الرأي العام. لذا تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب توعوي تشارك فيه المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والقانونية.
خلاصة التحليل
الجدل الدائر حول التصوير في مصر ليس خلافًا بين حرية ومنع، بل بين حق المجتمع في المعرفة وحق الفرد في الخصوصية وحق القضاء في أن يقول كلمته أولًا. التصوير قد يكون أداة نافعة حين يخدم البلاغ والعدالة، لكنه يتحول إلى خطر حقيقي عندما يصبح بديلًا من التحقيق، أو وسيلة للتشهير، أو منصة لإدانة أشخاص عبر لقطات مبتورة.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الأهم للمجتمع المصري بسيطة لكنها حاسمة: ليس كل ما يمكن تصويره يجوز نشره، وليس كل ما ينتشر على الشاشات يصلح أساسًا للحكم على الناس. ففي دولة القانون، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء، لا لخوارزميات الانتشار ولا لغضب الجمهور العابر.