التكنوقراط والسياسي في مصر: لماذا يفشل إقصاء السياسة؟
بين التكنوقراط والسياسي: من يدير القرار العام في مصر؟
في النقاش العام المصري، يعود السؤال نفسه كلما تفجرت أزمة حول قانون أو خدمة تمس حياة الناس مباشرة: هل المشكلة في نقص الكفاءة، أم في غياب السياسة؟ هذا السؤال لا يتعلق بالصراع التقليدي بين الأحزاب والسلطة فقط، بل يمتد إلى طريقة صناعة القرار نفسها، وحدود دور الخبير، ومتى يصبح التكنوقراطي مفيدًا، ومتى يتحول إلى جزء من أزمة أوسع عنوانها إلغاء الآخر أو تجاهل صوته.
الفارق هنا جوهري. فالمسؤول السياسي، في الأصل، لا ينظر إلى القرار باعتباره مسألة فنية خالصة، بل يضع في حسابه التوازنات الاجتماعية، وردود الفعل، وكلفة التنفيذ، ومدى تقبل الناس له. أما التكنوقراطي فينطلق غالبًا من منطق الكفاءة الإجرائية، وصحة النص، والنتيجة العملية المباشرة. كلا الدورين ضروري، لكن الخلل يبدأ عندما يحل أحدهما محل الآخر بالكامل.
ما الذي قصده الجدل الأصلي؟
المادة المصدرية التي انطلقت منها هذه القراءة كانت أقرب إلى مقال رأي ينتقد تغول النظرة البيروقراطية على القرار العام، ويقارن بين أسلوب السياسي القائم على جس النبض والتفاوض والتعديل، وبين أسلوب الموظف أو التكنوقراطي الذي ينشغل بالنصوص والحسابات أكثر من انشغاله بأثر القرار على المجتمع. الفكرة الأساسية ليست رفض الخبرة الفنية، بل التحذير من أن إدارة الشأن العام بالعقل الإداري وحده قد تنتج قرارات صحيحة على الورق، لكنها متعثرة سياسيًا ومجتمعيًا.
الدرس المصري: الشهر العقاري والتصالح
في الحالة المصرية، برز هذا المعنى بوضوح في الجدل الذي صاحب تعديلات قانون الشهر العقاري قبل سنوات. وزارة العدل أوضحت في 22 فبراير 2021 أن الغرض من المادة 35 مكرر المضافة بالقانون رقم 186 لسنة 2020 هو تبسيط إجراءات تسجيل الأحكام النهائية المثبتة للحقوق العينية العقارية، أي أن الفلسفة الرسمية كانت إجرائية بالأساس: تسهيل التسجيل وحسم الملكيات. لكن رد الفعل الشعبي الواسع أظهر أن المسألة لم تُقرأ فقط باعتبارها تعديلًا قانونيًا، بل باعتبارها عبئًا محتملاً على المواطنين ومصدر قلق يرتبط بالخدمات والملكية والتكلفة والإجراءات.
لاحقًا، وافق مجلس النواب نهائيًا في مارس 2021 على إرجاء العمل بالقانون رقم 186 لسنة 2020 لمدة عامين، حتى 30 يونيو 2023، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، مع تأكيد الحاجة إلى مهلة أوسع لتوفيق الأوضاع والتخفيف عن المواطنين. هذه المحطة كانت لافتة لأنها كشفت أن القرار الفني احتاج في النهاية إلى تدخل سياسي صريح لإعادة ضبط الإيقاع بين النص القانوني والواقع الاجتماعي.
الأمر نفسه ينسحب على ملف التصالح في مخالفات البناء. فالقضية بدأت بقانون رقم 17 لسنة 2019، ثم شهدت تعديلات وتيسيرات لاحقة، قبل صدور قانون جديد برقم 187 لسنة 2023 ولائحته التنفيذية في 2024، في محاولة لمعالجة التعقيدات التي ظهرت في التطبيق العملي. هذه التطورات تعني أن الدولة نفسها عادت للاعتراف بأن الملفات المتصلة مباشرة بمصالح الملايين لا تُدار فقط بمنطق التحصيل أو الانضباط الإداري، بل تحتاج إلى مرونة سياسية، وقدرة على الإنصات، وتدرج في التنفيذ.
هل التكنوقراط بديل عن السياسة؟
الخبرة الدولية لا تقدم إجابة بسيطة. في أوقات الأزمات الاقتصادية الحادة، تلجأ دول أحيانًا إلى حكومات أو رؤساء وزراء ذوي خلفية تكنوقراطية. إيطاليا فعلت ذلك مع ماريو دراجي في فبراير 2021، حين كُلِّف بتشكيل حكومة بعد أزمة سياسية، كما عرفت اليونان تجربة مشابهة مع لوكاس باباديموس في 2011. لكن هذه النماذج لم تلغِ السياسة؛ بل كانت ترتيبات انتقالية داخل أنظمة حزبية قائمة، وتحت رقابة برلمانية ومساومات سياسية مستمرة. بمعنى آخر: التكنوقراط هناك لم يأتوا كبديل دائم عن المجال السياسي، بل كأداة مؤقتة لإدارته.
وهنا يظهر الفارق المهم بالنسبة للقارئ المصري. حين يُطرح التكنوقراط باعتباره الحل السحري، يُفترض ضمنًا أن المشكلة كلها في السياسيين، وأن الإدارة المحايدة كفيلة وحدها بإنتاج قرارات أفضل. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. الدولة الحديثة لا تعمل من دون خبراء، ولا من دون سياسيين. الخبير يشرح الممكن فنيًا، والسياسي يحدد الممكن اجتماعيًا. وإذا تم تهميش أحد الطرفين، خرج القرار إما شعبويًا بلا حسابات، أو صحيحًا حسابيًا وفاشلًا شعبيًا.
إلغاء الآخر بصيغة إدارية
في قسم تحليلات ورأي، تبدو النقطة الأهم هنا أن إلغاء الآخر لا يحدث فقط بالشعارات الحادة أو التخوين المباشر. أحيانًا يحدث بصيغة أكثر هدوءًا: أن تعتبر المواطن مجرد متلقٍ للقرار، وأن يُختزل المجتمع في خانة «المخاطَبين بالتنفيذ»، لا «الشركاء في النقاش». بهذا المعنى، قد تتحول البيروقراطية إلى أداة لإقصاء الصوت الاجتماعي حتى من دون نية صدامية معلنة.
البرلمان نفسه ناقش في يونيو 2021 عشرات الطلبات الرقابية المرتبطة بخدمات الشهر العقاري، من نقص التغطية في المحافظات إلى مشكلات المباني والعاملين والخدمة المقدمة للجمهور. هذه المناقشات كشفت أن المشكلة ليست قانونًا مجردًا، بل بنية تنفيذية كاملة تحتاج إلى تطوير مؤسسي وتواصل أوضح مع المواطنين.
الحوار المجتمعي ليس رفاهية
من هنا تصبح عبارة الحوار المجتمعي أكثر من تعبير سياسي فضفاض. هي آلية لتقليل تكلفة الخطأ، واختبار أثر التشريع قبل انفجاره في المجال العام. ومؤسسات الدولة المصرية نفسها عادت خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع هذا المفهوم في أكثر من ملف، سواء عبر جلسات استماع، أو مداولات برلمانية، أو مسارات أوسع مثل الحوار الوطني الذي انطلق بدعوة رئاسية وركز، بين ما ركز عليه، على توسيع المشاركة والاستماع لتعدد وجهات النظر.
الحوار هنا لا يعني تعطيل القرار، بل تحسينه. ولا يعني أن الدولة تتخلى عن أهدافها التنظيمية أو المالية أو القانونية، بل يعني أن هذه الأهداف تُصاغ بلغة مفهومة، وفي توقيت مناسب، وبآليات قابلة للتنفيذ، ومع تقدير حقيقي لفوارق الدخل والقدرة الإدارية والثقة العامة.
ماذا تحتاجه مصر: كفاءة أم سياسة؟
الإجابة الأدق أن مصر تحتاج الكفاءة داخل السياسة، لا الكفاءة بدلًا من السياسة. فالمجتمعات الكبيرة والمعقدة لا تُدار بالحدس وحده، كما لا تُدار باللوائح وحدها. والرهان الصحيح ليس على انتصار التكنوقراطي على السياسي أو العكس، بل على بناء معادلة توازن: خبير يعرف حدود تخصصه، وسياسي يفهم أن الشرعية لا تكتمل من دون نتائج ملموسة.
في النهاية، تكشف أزمات التشريع والخدمات في مصر درسًا بالغ الوضوح: كلما اتسعت المسافة بين صانع القرار والمجتمع، زادت احتمالات سوء التقدير. وكلما جرى التعامل مع السياسة باعتبارها عبئًا يمكن الاستغناء عنه، عادت من الباب الخلفي على هيئة أزمة، أو تراجع، أو تصحيح متأخر. لذلك فإن القضية ليست من ينتصر: التكنوقراط أم السياسي؟ القضية الأهم هي كيف لا يتحول أي منهما إلى ذريعة لإلغاء الآخر، سواء كان هذا الآخر خصمًا سياسيًا، أو مؤسسة رقابية، أو ببساطة المواطن الذي سيدفع ثمن القرار أو يستفيد منه.
- الخلاصة الأولى: القرارات العامة لا يكفي أن تكون سليمة قانونيًا؛ يجب أن تكون قابلة للفهم والقبول والتنفيذ.
- الخلاصة الثانية: التكنوقراط أداة مهمة داخل الدولة، لكنهم ليسوا بديلًا دائمًا عن التمثيل السياسي والتفاوض المجتمعي.
- الخلاصة الثالثة: التجربة المصرية في الشهر العقاري والتصالح أكدت أن التصحيح السياسي يأتي غالبًا عندما يتأخر الحوار المجتمعي.