الحكومة تضع برنامجًا اقتصاديًا لما بعد صندوق النقد
تحرك حكومي لإعداد برنامج اقتصادي وطني جديد
بدأت الحكومة المصرية، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، خطوات إعداد البرنامج الاقتصادي الوطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي، في إطار تكليف رئاسي يستهدف تجهيز رؤية اقتصادية جديدة تُعرض أولًا على الرئيس عبد الفتاح السيسي، ثم تُطرح لاحقًا للحوار المجتمعي، بما يضمن انتقالًا منظمًا من مرحلة البرنامج الحالي مع الصندوق إلى مسار محلي تقوده الدولة وفق أولويات الاقتصاد المصري.
ويأتي هذا التحرك في توقيت مهم، بعد تأكيدات رسمية متكررة بأن مدة برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد الدولي تقترب من نهايتها بنهاية عام 2026، مع توجه حكومي واضح إلى عدم السعي، في الوقت الراهن، إلى برنامج جديد مماثل، والاعتماد بدلًا من ذلك على استكمال الإصلاحات من خلال برنامج وطني مصري يركز على الاستقرار المالي، وخفض الدين، وتحسين بيئة الاستثمار.
ما خلفية التحرك الحالي؟
الأساس السياسي لهذا المسار ظهر بوضوح في تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة بعد تعديل التشكيل الوزاري، إذ شددت الرئاسة على أن المجموعة الاقتصادية مطالبة بوضع الخطط المستقبلية والتنسيق بين أعضائها، خاصة مع اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي آخر العام، إلى جانب التوجه نحو خفض حجم الدين العام بأفكار مدروسة بعناية من حيث سلامة الإجراءات وأثرها على المديين القريب والبعيد.
هذا التوجيه الرئاسي يمنح البرنامج الجديد بعدًا عمليًا يتجاوز مجرد استكمال التزامات سابقة، ليصبح أقرب إلى خريطة طريق اقتصادية مصرية لمرحلة ما بعد الصندوق، خصوصًا في ظل ضغوط إقليمية ودولية مستمرة، وتأثيرات على تكلفة التمويل والتجارة والطاقة.
ماذا نعرف عن ملامح البرنامج الاقتصادي المرتقب؟
حتى الآن، لم تُعلن الحكومة وثيقة نهائية تتضمن البنود التفصيلية للبرنامج، لكن المؤشرات الرسمية خلال الأشهر الماضية ترسم ملامحه الرئيسية. ففي اجتماعات الرئيس مع رئيس الوزراء ووزير المالية أحمد كجوك خلال عام 2026، جرى التأكيد على استمرار الإصلاح المالي والاقتصادي، وتحفيز نمو القطاع الخاص، ودعم الإنتاج والتصنيع والتصدير، مع الحفاظ على سياسات مالية متوازنة تشجع الاستثمار وتخفف الأعباء عن المواطنين والمستثمرين.
كما استعرضت الحكومة، ضمن مناقشات موازنة العام المالي 2026/2027، مستهدفات تشمل تحقيق معدل نمو 5.4%، وتخصيص 90 مليار جنيه لبرامج دعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بنتائج ملموسة، مع السعي إلى تحقيق فائض أولي بقيمة 1.2 تريليون جنيه، وتحسين مؤشرات خدمة الدين وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بصورة مستدامة.
وبذلك يمكن القول إن البرنامج المرتقب سيُبنى على عدة محاور أساسية:
- خفض الدين العام وتقليل أعباء خدمته.
- زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
- تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي عبر تيسيرات ضريبية وجمركية وعقارية.
- تعزيز الإنتاج والصادرات باعتبارهما محركًا رئيسيًا للنمو.
- الحفاظ على الانضباط المالي مع توسيع الإنفاق الاجتماعي في القطاعات الحيوية.
علاقة البرنامج الجديد بصندوق النقد الدولي
التحرك الحكومي لا يعني الانفصال عن مسار التعاون مع صندوق النقد الدولي، بل الانتقال إلى مرحلة جديدة بعد انتهاء البرنامج القائم. فصندوق النقد أعلن في 29 يونيو 2026 التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع مصر بشأن المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد، إلى جانب المراجعة الثانية لتسهيل الصلابة والاستدامة. كما أشار الصندوق إلى أن نمو الناتج المحلي الحقيقي في مصر بلغ 5% في الربع الثالث، و5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية.
وقبل ذلك، كان المجلس التنفيذي للصندوق قد استكمل في 26 فبراير 2026 المراجعتين الخامسة والسادسة للبرنامج، مشيرًا إلى تحسن أوضاع الاقتصاد الكلي في مصر، وارتفاع النمو الحقيقي إلى 4.4% في السنة المالية 2024/2025، وتراجع التضخم إلى 11.9% في يناير 2026، مع استمرار الحاجة إلى تسريع الإصلاحات المرتبطة بتقليص دور الدولة في بعض الأنشطة الاقتصادية وتوسيع المجال أمام القطاع الخاص.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن مرحلة ما بعد صندوق النقد ليست قطيعة مع الإصلاح، بل إعادة تموضع بحيث تقود الحكومة المصرية المسار تحت مظلة برنامج محلي، مع الاستفادة من ما تحقق في المراجعات السابقة، ومن دون إعلان حاجة فورية إلى اتفاق تمويلي جديد.
لماذا تركز الحكومة على خفض الدين والقطاع الخاص؟
الرسائل الرسمية الصادرة من الرئاسة والحكومة ووزارة المالية خلال 2026 تُظهر أن ملف خفض الدين العام أصبح في صدارة الأولويات. فالرئيس السيسي شدد في أكثر من اجتماع على ضرورة استمرار الإصلاح المؤسسي الشامل، وترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الإيرادات، وتقليص المديونية الحكومية، بما يزيد قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات.
وفي المقابل، تعتبر الحكومة أن زيادة دور القطاع الخاص شرط أساسي لتحقيق نمو أعلى وأكثر استدامة. وهذا يتسق أيضًا مع ما أشار إليه صندوق النقد الدولي في بياناته الأخيرة بشأن أهمية تهيئة بيئة تنافسية عادلة، وتسريع تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج من بعض الأصول، بما يسمح للقطاع الخاص بالمساهمة بصورة أكبر في النمو والتشغيل.
ماذا يعني ذلك للمواطن والاقتصاد المحلي؟
بالنسبة للمواطن المصري، فإن نجاح البرنامج الاقتصادي الوطني المنتظر سيقاس بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة: استقرار الأسعار، دعم فرص العمل، تخفيف الضغوط المعيشية، وتحسين الخدمات العامة. أما بالنسبة للاقتصاد، فالتحدي الأكبر سيكون في الموازنة بين الانضباط المالي والحماية الاجتماعية، خاصة مع استمرار الحكومة في توجيه مخصصات إضافية للصحة والتعليم والأجور، إلى جانب دعم الفئات الأولى بالرعاية.
كما أن طرح البرنامج للحوار المجتمعي، إذا تم بصورة واسعة ومنظمة، قد يمنح الحكومة فرصة لاختبار أولوياتها اقتصاديًا واجتماعيًا، وشرح خياراتها للرأي العام والقطاع الخاص والخبراء، بدل الاكتفاء بإعلان أهداف عامة من دون نقاش تفصيلي حول آليات التنفيذ.
المرحلة المقبلة: من التصور إلى التنفيذ
المؤكد حتى الآن أن الحكومة دخلت بالفعل مرحلة الإعداد لما بعد برنامج صندوق النقد، مستندة إلى تكليف رئاسي واضح، وإلى مؤشرات اقتصادية ترى الدولة أنها تسمح بمواصلة الإصلاح عبر برنامج اقتصادي وطني أكثر ارتباطًا بالأولويات المصرية. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في عنوان البرنامج، بل في تفاصيله: كيف سيخفض الدين؟ كيف سيعزز النمو؟ وكيف سيمنح القطاع الخاص مساحة أكبر من دون الإضرار بالتوازنات الاجتماعية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت مرحلة ما بعد صندوق النقد في مصر ستكون مجرد انتقال إداري من برنامج إلى آخر، أم بداية فعلية لمرحلة اقتصادية جديدة تعتمد على إصلاحات أعمق، وقدرة أكبر على التمويل الذاتي، ونمو يقوده الإنتاج والاستثمار والتصدير.