Akhbar Cairo

الحوثي قد يربح جولة.. لكن اليمن يدفع الثمن

الحوثي قد يوافق.. لكن اليمن لا يملك رفاهية الاستسلام للأمر الواقع

في الأزمات الطويلة، يختلط أحيانًا ما هو مكسب للجماعة بما هو خسارة للدولة. وهذه هي المعضلة اليمنية بأوضح صورها: قد يخرج الحوثي من جولة تفاوض أو تصعيد وهو أكثر ثقة في نفوذه، لكن ذلك لا يعني أن اليمن خرج أقرب إلى السلام أو الاستقرار. بل إن العكس هو الأقرب للواقع؛ فكلما تعزز منطق السلاح على حساب الدولة، اتسعت الفجوة بين مصلحة الجماعة ومصلحة اليمنيين.

المشهد خلال سبتمبر 2026 يؤكد هذه المفارقة. فقد تصاعدت التطورات الميدانية على الساحل الغربي ومحيط باب المندب، مع تقارير عن توسع نفوذ الحوثيين في مواقع استراتيجية مطلة على البحر الأحمر، بينما أعلنت الجماعة أن الملاحة آمنة باستثناء السفن السعودية. في المقابل، تتعامل القاهرة رسميًا مع أي تهديد للملاحة في البحر الأحمر باعتباره مساسًا مباشرًا بالأمن الإقليمي وحرية التجارة الدولية، وهو ما كررته بيانات مصر الرسمية أكثر من مرة خلال سبتمبر 2026 وأغسطس 2026.

بين نفوذ الجماعة ومفهوم الدولة

جوهر القضية ليس فقط في سؤال: ماذا يريد الحوثي؟ بل في سؤال أكثر أهمية: ماذا تبقى من الدولة اليمنية إذا صار السلاح هو المرجعية الوحيدة؟ جماعة أنصار الله، بقيادة عبد الملك الحوثي، بنت حضورها على معادلة القوة الميدانية والقدرة على فرض الوقائع. لكن اليمن، كدولة ومجتمع، يحتاج شيئًا مختلفًا تمامًا: مؤسسات، احتكارًا شرعيًا للسلاح، شراكة سياسية، واقتصادًا قابلًا للحياة، وحدودًا لا تتحول إلى منصات صراع إقليمي.

التجربة اليمنية منذ سنوات تقول إن أي طرف يظن أن السيطرة على العاصمة أو الموانئ أو الجزر تكفي لصناعة شرعية دائمة، إنما يخلط بين الهيمنة والاستقرار. الهيمنة قد تفرض الصمت مؤقتًا، لكنها لا تنتج عقدًا وطنيًا. والاستقرار لا يولد من فائض القوة، بل من قبول سياسي واسع لا يزال غائبًا.

لماذا يهم هذا المصريين؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، لا تبدو اليمن ملفًا بعيدًا. البحر الأحمر ليس هامشًا جغرافيًا للقاهرة، بل شريان استراتيجي يرتبط بقناة السويس، والتجارة العالمية، وأمن الطاقة، وحركة السفن. لهذا تبدو أي محاولة لتحويل باب المندب إلى ورقة ضغط عسكرية أو سياسية تطورًا يتجاوز حدود اليمن نفسها.

الموقف المصري المعلن في 2026 كان واضحًا في رفض استهداف السفن والمنشآت المدنية، والتشديد على أمن الملاحة في البحر الأحمر والممرات الدولية. كما دانت القاهرة الهجمات التي تمس أمن السعودية، وأكدت تضامنها مع الدول العربية في مواجهة ما يهدد استقرار المنطقة. هذه اللغة ليست بروتوكولًا دبلوماسيًا فقط، بل تعكس إدراكًا مصريًا بأن اضطراب البحر الأحمر يرتد اقتصاديًا وأمنيًا على المنطقة كلها.

الانتصار التكتيكي لا يساوي خلاصًا وطنيًا

قد يرى أنصار الحوثي أن الجماعة حسّنت موقعها التفاوضي، أو فرضت نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه، أو نجحت في ربط الجبهة اليمنية بمعادلات إقليمية أكبر. لكن هذه القراءة، حتى إن بدت مفهومة من زاوية الجماعة، لا تجيب عن الأسئلة اليمنية الثقيلة: ماذا عن الرواتب؟ ماذا عن الإعمار؟ ماذا عن موانئ آمنة ومطارات تعمل ودورة اقتصادية طبيعية؟ ماذا عن ملايين اليمنيين الذين لا يريدون خطب التعبئة بقدر ما يريدون دولة قابلة للعيش؟

الأهم أن ربط اليمن بحروب المحاور يجعل البلاد تدفع ثمنًا مضاعفًا. فبدل أن تكون الأولوية لتسوية داخلية شاملة، يصبح اليمن ساحة رسائل متبادلة بين أطراف إقليمية ودولية. وفي كل مرة يتقدم فيها منطق الجبهة، يتأخر منطق التسوية.

الساحل الغربي وباب المندب: أخطر من مجرد تطور عسكري

التطورات الميدانية الأخيرة ليست مجرد خرائط تتبدل. الحديث عن مناطق مثل حيس والمخا وذوباب وجزيرة ميون أو الجزر القريبة من المضيق يكتسب أهمية استثنائية لأن هذه المواقع تمس واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم. تقارير إعلامية خلال سبتمبر 2026 تحدثت عن تحولات في السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي، وعن اتساع المخاوف من عسكرة البحر الأحمر وباب المندب.

ومن هنا تصبح المشكلة أكبر من الداخل اليمني. فحين تقترب الجماعة أكثر من مفاصل الملاحة، لا تعود المسألة مجرد ورقة تفاوض محلية، بل تتحول إلى ملف إقليمي ودولي مفتوح. وهذا ما يفسر حساسية القاهرة والرياض وعواصم أخرى تجاه أي تصعيد في هذا الممر البحري.

هل يرضى الحوثي؟ ربما. هل يرضى اليمن؟ الأغلب لا

قد تقبل الجماعة بتفاهم يكرس نفوذها، أو بهدنة تمنحها وقتًا لإعادة التموضع، أو بمكسب إعلامي يظهرها كطرف انتزع اعترافًا ضمنيًا بوزنه. لكن الرضى السياسي لجماعة مسلحة لا يساوي الرضى الوطني لشعب ممزق. اليمني العادي لا يقيس الأمور بمن فاز في الخطاب، بل بمن يوقف الحرب ويعيد الحد الأدنى من الحياة.

ولهذا فإن أي صيغة تُبقي السلاح فوق الدولة، أو تُحول الجغرافيا اليمنية إلى منصة ابتزاز ملاحي، لن تكون تسوية مستقرة، حتى إذا جرى تسويقها على أنها اختراق سياسي. في أحسن الأحوال، ستكون إدارة مؤقتة للأزمة، لا حلًا لها.

ما الذي يحتاجه اليمن فعلًا؟

  • تسوية سياسية شاملة لا تختزل اليمن في طرف واحد مهما امتلك من قوة.
  • ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب بعيدًا عن منطق التهديد المتبادل.
  • إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة بدل تكريس سلطات الأمر الواقع.
  • فصل المسار اليمني عن صراعات الإقليم قدر الإمكان، لأن كلفة الارتهان للمحاور أثبتت فداحتها.
  • معالجة إنسانية واقتصادية عاجلة تضع معيشة الناس قبل حسابات النفوذ.

خلاصة الرأي

العبارة الأدق ربما ليست أن الحوثي راضٍ أو غير راضٍ، بل أن اليمن هو الطرف الذي لم يُستشر بما يكفي طوال سنوات الحرب. فالجماعات المسلحة قد تقبل أو ترفض، العواصم قد تتفاوض أو تضغط، لكن الشعب اليمني يظل الحلقة التي دفعت الثمن الأكبر.

من زاوية مصرية وعربية، لا يمكن النظر إلى اليمن فقط كساحة نزاع داخلية. ما يجري هناك يمس أمن البحر الأحمر، واستقرار الإقليم، ومفهوم الدولة الوطنية نفسه. ولذلك فإن الرهان الحقيقي يجب ألا يكون على إرضاء الحوثي أو محاصرته دعائيًا فقط، بل على استعادة فكرة أن اليمن لا يمكن أن ينهض إلا بدولة، لا بجماعة؛ وبعقد وطني، لا بغلبة عسكرية؛ وبسلام يرضى عنه اليمنيون، لا بتوازن خوف مؤقت.