الخارجية الفلسطينية: عنف المستوطنين يهدد حل الدولتين
تحذير فلسطيني من مسار ينسف التسوية
جددت وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، فارسين أغابيكيان شاهين، التحذير من أن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة لم يعد يُقرأ بوصفه حوادث منفصلة، بل باعتباره جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وتقويض حل الدولتين. وتأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار التوسع الاستيطاني وتزايد الاعتداءات على القرى الفلسطينية والطرق والممتلكات، في مشهد تعتبره الدبلوماسية الفلسطينية تهديدًا مباشرًا لأي أفق سياسي في المنطقة.
وبحسب ما ورد في بيانات وإحاطات رسمية صادرة عن وزارة الخارجية الفلسطينية خلال عام 2026، فإن الوزارة ترى أن عنف المستوطنين يجري في ظل حماية سياسية وأمنية، وأنه يُستخدم كأداة لتثبيت السيطرة على مزيد من الأراضي، خاصة في المناطق المهددة بالتوسع الاستيطاني والضم التدريجي. كما تؤكد الوزارة أن هذا المسار يضرب أسس التسوية التي تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل وفق المرجعيات الدولية.
من هي الوزيرة التي أطلقت التحذير؟
تشغل فارسين أغابيكيان شاهين منصب وزيرة الخارجية والمغتربين في دولة فلسطين منذ تعديل حكومي أُقر في يونيو 2025، وفق ما أظهره المرسوم المنشور عبر وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية. وخلال الأشهر الماضية، برز اسمها في أكثر من تحرك دبلوماسي مرتبط بملف الحرب على غزة والانتهاكات في الضفة الغربية، مع تركيز خاص على ملف الاستيطان وعنف المستوطنين.
لماذا تربط رام الله بين عنف المستوطنين وحل الدولتين؟
الطرح الفلسطيني الرسمي يستند إلى فكرة أن الاعتداءات المتكررة لا تستهدف المدنيين الفلسطينيين فقط، بل تُستخدم أيضًا لتفريغ مناطق فلسطينية من سكانها، وعزل بلدات وقرى، وتوسيع بؤر استيطانية أو تمهيد الطريق لها. وفي نهاية يونيو 2026، أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية مخططًا استيطانيًا وصفته بالخطير لإيجاد وجود استيطاني في نحو 100 موقع داخل مناطق مصنفة “أ”، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وللاتفاقات الموقعة، ويستهدف تقويض فرص تنفيذ حل الدولتين.
هذا التقييم لا يقتصر على الجانب الفلسطيني وحده. فالأمم المتحدة أعادت التأكيد في تقرير الأمين العام بشأن تنفيذ قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016 على أن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بأي شرعية قانونية وتمثل عقبة كبرى أمام السلام وحل الدولتين. كما ربط التقرير بين بؤر ومزارع استيطانية وبين بؤر عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
تصاعد دولي في التحذيرات والعقوبات
الملف لم يعد محصورًا في البيانات الدبلوماسية التقليدية. ففي 9 يونيو 2026، أصدرت أستراليا وكندا وفرنسا والنرويج والمملكة المتحدة بيانًا وزاريًا مشتركًا بشأن الضفة الغربية، أعلنت فيه اتخاذ إجراءات منسقة، بينها عقوبات وتدابير أخرى، لمحاسبة مستوطنين متطرفين على مستويات وصفتها بـالمروعة من العنف ضد المدنيين الفلسطينيين. واعتبرت هذه الدول أن العنف يُستخدم لتهجير الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم وترسيخ المشروع الاستيطاني غير القانوني، بما يقوض فرص التعايش السلمي وإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وبالنسبة للقيادة الفلسطينية، فإن هذه المواقف تمثل اعترافًا متزايدًا بخطورة ما يجري في الضفة الغربية، لكنها لا تزال دون مستوى الردع الكافي. ففي أواخر يوليو 2026، أعلنت وزارة الخارجية الفلسطينية أنها وجهت مذكرات عاجلة إلى حكومات حول العالم، مطالبة بتحرك فوري لوقف ما سمته “إرهاب المستعمرين”، وداعية إلى دعم تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين وفرض عقوبات على منظومة الاستيطان ونزع سلاح المستوطنين وفق قرار مجلس الأمن 904.
الضفة الغربية في صدارة القلق الإقليمي
بالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط بمتابعة الملف الفلسطيني بوصفه قضية عربية مركزية، بل أيضًا بانعكاساته على استقرار الإقليم بأكمله. فكلما تراجعت فرص التسوية السياسية، زادت احتمالات اتساع دوائر التوتر في الأراضي الفلسطينية، وهو ما يضع المنطقة أمام موجات جديدة من التصعيد الأمني والإنساني. ومن هذا المنظور، تبدو تحذيرات الخارجية الفلسطينية جزءًا من معركة سياسية ودبلوماسية أوسع للحفاظ على ما تبقى من إمكانية إحياء المسار التفاوضي.
كما أن الخطاب الفلسطيني الحالي يربط بين ما يحدث في الضفة الغربية وبين محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية على الأرض عبر التوسع الاستيطاني، والطرق الالتفافية، والبؤر الزراعية والرعوية التي تتحول تدريجيًا إلى أدوات سيطرة دائمة. وهذه المقاربة تجعل من عنف المستوطنين ليس مجرد ملف حقوقي، بل جزءًا من معادلة سياسية تمس مستقبل الدولة الفلسطينية نفسها.
ما الذي تطالب به فلسطين الآن؟
في ضوء هذه التطورات، تركز الدبلوماسية الفلسطينية على عدة مطالب رئيسية، أبرزها:
- وقف اعتداءات المستوطنين فورًا عبر ضغط دولي فعلي على الحكومة الإسرائيلية.
- محاسبة المسؤولين عن الهجمات، سواء من المنفذين أو الجهات التي توفر الحماية أو الغطاء السياسي.
- فرض عقوبات على منظومة الاستيطان وليس فقط على أفراد بعينهم.
- حماية المدنيين الفلسطينيين في القرى والبلدات المستهدفة بالاعتداءات والإغلاق والتخريب.
- الحفاظ على حل الدولتين باعتباره الإطار السياسي الذي ما زال يحظى بغطاء دولي رسمي.
هذه المطالب تكررت في بيانات وزارة الخارجية الفلسطينية خلال 2025 و2026، كما حضرت في لقاءات الوزيرة فارسين أغابيكيان شاهين مع مسؤولين أوروبيين ودوليين، حيث شددت على أن الصمت على الاستيطان والعنف المصاحب له يمنح مزيدًا من الوقت لفرض واقع قد يصبح من الصعب التراجع عنه لاحقًا.
خلاصة المشهد
الرسالة الفلسطينية الحالية واضحة: استمرار إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية ليس تفصيلًا أمنيًا عابرًا، بل خطر سياسي مباشر على حل الدولتين. وبينما تتزايد الإدانات الدولية وتظهر إجراءات عقابية من بعض الدول، ترى رام الله أن المطلوب ما يزال أكبر من ذلك بكثير، خاصة مع تسارع محاولات تكريس السيطرة الميدانية على الأرض. وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: هل يتحول الإجماع الدولي النظري على حل الدولتين إلى خطوات عملية توقف الاستيطان والعنف، أم يظل مجرد موقف دبلوماسي يتآكل أمام الأمر الواقع؟