Akhbar Cairo

الخارجية: أي تسوية لأزمات الشرق الأوسط دون مصر تبقى ناقصة

الخارجية المصرية: حضور القاهرة شرط لنجاح أي تسوية إقليمية

جددت وزارة الخارجية المصرية التأكيد على أن أي ترتيبات سياسية أو أمنية تخص أزمات الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون مكتملة من دون مشاركة مصر، في إشارة تعكس تمسك القاهرة بدورها التقليدي في ملفات الإقليم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وتطورات الحرب في قطاع غزة. ويأتي هذا الطرح في سياق حديث السفير نادر زكي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، عن موقع مصر داخل معادلات التسوية في المنطقة، باعتبارها طرفًا حاضرًا في الجهود الدبلوماسية والإنسانية والأمنية المرتبطة بأكثر الملفات تعقيدًا.

أهمية التصريح لا ترتبط فقط بمضمونه السياسي، بل أيضًا بتوقيته؛ إذ يتزامن مع استمرار القاهرة في الدفاع عن رؤية تقوم على وقف الحروب، تثبيت التهدئة، حماية المدنيين، ودفع المسار السياسي نحو حل الدولتين. هذا الخطاب يتسق مع مواقف مصر الرسمية التي عبّرت عنها الرئاسة ووزارة الخارجية في أكثر من مناسبة خلال العامين الماضيين، خاصة بعد التحركات المكثفة التي سبقت التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب في غزة في 13 أكتوبر 2025.

من هو نادر زكي؟

السفير نادر زكي تولى منصب المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية ومشرفًا على إدارة الدبلوماسية العامة بقرار من وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي في 17 سبتمبر 2026، خلفًا للسفير تميم خلاف الذي عُين سفيرًا لمصر لدى لبنان. ووفق ما أعلنته الوزارة، سبق لزكي أن شغل منصب سفير مصر لدى الفلبين، كما عمل أمينًا عامًا للوزارة، وتولى مهام دبلوماسية في الخرطوم وبيروت واستكهولم وبنما سيتي، إلى جانب مواقع داخل الديوان العام من بينها إدارة شؤون الخليج العربي واليمن وإدارة مكتب المتحدث الرسمي.

هذه الخلفية المهنية تمنح تصريحاته وزنًا إضافيًا، خصوصًا عندما تتناول أولويات السياسة الخارجية المصرية في محيط شديد الاضطراب. فالقضية هنا لا تتعلق بموقف إعلامي عابر، بقدر ما تعكس قراءة مؤسسية ترى أن مصر تملك أدوات تأثير لا يمكن تجاوزها، سواء عبر الجغرافيا السياسية أو شبكة العلاقات الإقليمية والدولية أو الخبرة التفاوضية المتراكمة.

قمة شرم الشيخ للسلام كنموذج للدور المصري

الاستشهاد الأبرز الذي يبرز مكانة مصر في مسار التسويات كان مرتبطًا بـقمة شرم الشيخ للسلام التي استضافتها مصر يوم 13 أكتوبر 2025، برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة واسعة من قادة ومسؤولي دول عربية وأوروبية وآسيوية، إضافة إلى منظمات دولية وإقليمية. ووفق البيانات الرسمية، جاءت القمة في إطار مبادرة مصرية أمريكية هدفت إلى إنهاء الحرب في غزة وفتح الباب أمام تسوية سياسية أوسع للقضية الفلسطينية.

الرئاسة المصرية أوضحت حينها أن الاتفاق مثّل تتويجًا لجهود استمرت نحو عامين، بالتعاون مع قطر والولايات المتحدة، من أجل وقف الحرب وتوسيع دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية، والعمل على إطلاق سراح الرهائن والأسرى، وتهيئة الظروف لإعادة إعمار القطاع، وصولًا إلى أفق سياسي يدعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية. كما شدد الرئيس السيسي في كلمته خلال القمة على أن الاتفاق يجب أن يُستكمل بتنفيذ مراحله كافة، بما يضمن تثبيت السلام وعدم الاكتفاء بإعلان سياسي مؤقت.

لماذا تصر القاهرة على أن غيابها يترك التسويات ناقصة؟

من زاوية مصرية، يرتبط هذا الإصرار بعدة اعتبارات عملية لا دعائية. أولها أن مصر تمثل بوابة جغرافية مباشرة لقطاع غزة عبر معبر رفح، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في إدخال المساعدات وتسهيل التحركات الإنسانية. وثانيها أن القاهرة تملك قنوات اتصال ممتدة مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف الفلسطيني. أما العامل الثالث، فيتعلق بثقلها السياسي داخل النظام العربي، وقدرتها على تحويل التفاهمات الدولية إلى مسارات قابلة للتنفيذ على الأرض. وهذه العوامل مجتمعة تظهر بوضوح في مواقف وزارة الخارجية المصرية خلال جلسات الأمم المتحدة والاتصالات متعددة الأطراف التي سبقت قمة شرم الشيخ وتلتها.

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي أمام جلسة وزارية لمجلس الأمن في 18 فبراير 2026 أن مصر دعمت الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في غزة، واستضافت قمة شرم الشيخ بهدف إنجاح تلك المساعي ومنع اتساع الصراع في المنطقة. كما شدد على ضرورة تنفيذ الالتزامات الدولية المرتبطة بوقف إطلاق النار، وإزالة العقبات أمام دخول المساعدات، وتسريع جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع رفض أي مساس بالحقوق الفلسطينية أو محاولات التهجير أو تغيير الواقع الديموغرافي في الأراضي المحتلة.

الملف الفلسطيني في صدارة الأولويات المصرية

القراءة الأوسع لتصريحات المتحدث الرسمي تشير إلى أن القاهرة لا تفصل بين دورها في غزة وبين تصوراتها للأمن الإقليمي ككل. فمصر تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها محورًا رئيسيًا في استقرار الشرق الأوسط، وترى أن إهمالها أو محاولة تجاوز الثوابت المرتبطة بها يؤديان إلى دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار. لذلك تحرص الدبلوماسية المصرية على الربط بين وقف الحرب، وإعادة الإعمار، ورفض التهجير، والعودة إلى مسار سياسي يفضي إلى حل الدولتين.

كما أن البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية خلال العامين الأخيرين أظهرت استمرار القاهرة في التحرك على أكثر من مستوى: اتصالات مع وزراء خارجية دول عربية وإسلامية وأوروبية وآسيوية، تنسيق مع الشركاء الدوليين، ودفع نحو مرجعيات دولية لتنفيذ الترتيبات الانتقالية الخاصة بغزة. وفي هذا الإطار، أشارت الوزارة إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025 يمثل مرجعية دولية ملزمة لتنفيذ ترتيبات المرحلة الانتقالية في القطاع، وهو ما يمنح الجهد المصري سندًا سياسيًا وقانونيًا أوسع.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر والمنطقة؟

بالنسبة للقارئ المصري، فإن الرسالة الأساسية من هذا الخطاب هي أن القاهرة لا تتعامل مع أزمات الشرق الأوسط باعتبارها ملفات خارجية بعيدة، بل باعتبارها قضايا تمس أمنها القومي المباشر. من هنا، يصبح التأكيد على أن التسويات «تكون ناقصة» من دون مصر تعبيرًا عن رؤية ترى أن الاستقرار الإقليمي لا ينفصل عن الدور المصري في الوساطة، وضمانات التنفيذ، واحتواء التداعيات الإنسانية والسياسية.

  • سياسيًا: مصر تسعى لتثبيت موقعها كطرف رئيسي في هندسة التفاهمات الإقليمية.
  • إنسانيًا: الدور المصري مرتبط بفتح الممرات ودعم الإغاثة وإعادة الإعمار، خصوصًا في غزة.
  • أمنيًا: القاهرة تعتبر منع توسع الصراعات أولوية تمس الأمن القومي المصري والعربي.
  • دبلوماسيًا: التحرك المصري يعتمد على الجمع بين الاتصالات الثنائية والعمل متعدد الأطراف والغطاء الدولي.

في المحصلة، يعكس موقف وزارة الخارجية المصرية تصورًا ثابتًا في السياسة المصرية: لا تسوية قابلة للحياة في الشرق الأوسط من دون حضور مصري فعّال على الطاولة. والحديث هنا لا يقتصر على الرمزية أو التاريخ، بل يستند إلى وقائع حديثة أبرزها استضافة قمة شرم الشيخ للسلام، والمشاركة المستمرة في دفع جهود وقف الحرب في غزة، والتأكيد المتواصل على أن أي سلام حقيقي يجب أن يكون مرتبطًا بالعدالة، وحقوق الفلسطينيين، واستقرار المنطقة بأسرها.