الدورة 166 للجامعة العربية: رئاسة تونس واختبار الفاعلية
انطلاق دورة جديدة من القاهرة.. لكن السؤال الأهم: ماذا يمكن أن تغيّر؟
بدأت في القاهرة أعمال الدورة العادية 166 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، داخل مقر الأمانة العامة للجامعة العربية، مع انتقال رئاسة الدورة إلى الجمهورية التونسية خلفًا لـمملكة البحرين. وبحسب المعطيات المتداولة حول الاجتماع، حضر الجلسة السفير شريف كامل رئيس مكتب الأمين العام، في وقت يعكس فيه انعقاد الدورة استمرار المسار المؤسسي المعتاد للجامعة، لكنه يفتح أيضًا بابًا أوسع للنقاش حول مدى قدرة هذا الإطار العربي التقليدي على مواكبة أزمات المنطقة المتسارعة.
الانتقال من رئاسة البحرين إلى تونس ليس مجرد إجراء بروتوكولي. فالجامعة العربية تعتمد، في دوراتها العادية، على تناوب الرئاسة بين الدول الأعضاء، لكن قيمة هذا الانتقال تتحدد عادة بمدى قدرة الدولة الرئيسة على إدارة التوافقات، وصياغة أولويات قابلة للتحرك، لا الاكتفاء بإدارة الجلسات وترتيب البنود. وفي الحالة الراهنة، تأتي الرئاسة التونسية في لحظة عربية مزدحمة: حرب مستمرة على غزة، ارتدادات أمنية في أكثر من ساحة، وضغوط متزايدة على مفهوم العمل العربي المشترك نفسه.
ما الذي نعرفه حتى الآن عن الدورة 166؟
المؤكد أن تونس تسلمت رئاسة الدورة 166 من البحرين خلال اجتماع مجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين في القاهرة، وهو ما سبقت إليه تحضيرات دبلوماسية معلنة خلال الأيام الماضية، من بينها لقاءات تخص الإعداد للرئاسة التونسية الجديدة. كما أن البحرين كانت قد أدارت الدورة السابقة رقم 165 على مستوى المندوبين الدائمين، وتولت خلالها السفيرة فوزية بنت عبدالله زينل رئاسة عدد من الاجتماعات المرتبطة بمتابعة الملفات العربية داخل الجامعة. وتُعرف زينل بأنها سفيرة البحرين لدى مصر والمندوبة الدائمة لدى الجامعة العربية، كما شغلت سابقًا رئاسة مجلس النواب البحريني، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في بلادها.
أما على مستوى الأمانة العامة، فتأتي هذه الدورة في سياق مرحلة مؤسسية جديدة داخل الجامعة العربية، بعدما استعرض الأمين العام نبيل فهمي في اجتماع مع المندوبين الدائمين يوم 5 يوليو 2026 رؤيته للمرحلة المقبلة، مؤكدًا أن تطوير أداء الجامعة ورفع كفاءتها المؤسسية يحتاجان إلى شراكة فعلية مع الدول الأعضاء، لا مجرد توافق سياسي عابر حول البيانات الختامية.
بين البحرين وتونس.. من إدارة الملفات إلى اختبار الأولويات
خلال رئاسة البحرين للدورة السابقة، حضرت الملفات الساخنة بقوة، خصوصًا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والانتهاكات الإسرائيلية في القدس، إلى جانب ملفات السودان والاستقرار الإقليمي. هذا السياق يجعل الرئاسة التونسية أمام اختبار واضح: هل تكتفي باستكمال الأجندة نفسها، أم تدفع نحو مقاربة أكثر تماسًا مع التحولات الجارية؟
بالنسبة للقارئ المصري، تبدو أهمية انعقاد هذه الاجتماعات في القاهرة متجاوزة للبعد الشكلي. فمصر تستضيف المقر الدائم للجامعة العربية، وتظل العاصمة المصرية ساحة يومية لصياغة قدر معتبر من التفاهمات العربية، سواء عبر القنوات الرسمية أو المشاورات الجانبية بين الوفود. ومن هنا، فإن أي دورة جديدة للمجلس لا تُقرأ فقط باعتبارها اجتماعًا دوريًا، بل باعتبارها أيضًا مؤشرًا إلى مزاج عربي عام: هل الأولوية الآن لإدارة الأزمات؟ أم لمحاولة إنتاج مواقف سياسية جماعية؟
لماذا تبقى اجتماعات المندوبين الدائمين مهمة رغم الانتقادات؟
كثيرًا ما تُنتقد اجتماعات الجامعة العربية باعتبارها غارقة في اللغة الدبلوماسية والقرارات غير الملزمة. لكن هذه النظرة، رغم وجاهتها في بعض الأحيان، تُغفل دورًا أساسيًا يقوم به مجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين. فهذه الاجتماعات ليست فقط مساحة لتمرير أوراق العمل، بل هي أيضًا غرفة التحضير الحقيقية لما يُرفع لاحقًا إلى وزراء الخارجية العرب، وأحيانًا إلى القمم العربية.
في هذا المستوى تحديدًا، تُصاغ العبارات، وتُختبر حدود التوافق، وتُحذف البنود الخلافية أو يُعاد تدويرها بلغة أكثر مرونة. وبذلك، فإن المندوبين الدائمين لا يتحركون في هامش العمل العربي، بل في قلب مطبخه السياسي. المشكلة ليست في غياب الآلية، بل في حدود الإرادة السياسية لدى الحكومات العربية عندما يصل الأمر إلى تحويل المواقف إلى أدوات تنفيذ.
رئاسة تونس.. ما الذي يمكن أن تضيفه؟
تونس تحمل تقليديًا خطابًا داعمًا لفكرة الدولة الوطنية العربية، واحترام السيادة، وإسناد القضية الفلسطينية داخل الأطر العربية والدولية. غير أن الرئاسة، بطبيعتها، لا تمنح الدولة صاحبتها تفويضًا مفتوحًا لصناعة القرار منفردة، بل تضعها في موقع المنسق بين حساسيات متباينة. لذلك، فإن نجاح تونس في هذه الدورة لن يُقاس بحجم الخطاب، بل بقدرتها على تحقيق ثلاثة أمور عملية:
- أولًا: تنظيم جدول الأولويات بحيث لا تتساوى القضايا الوجودية مع الملفات الإجرائية.
- ثانيًا: الدفع نحو مخرجات قابلة للمتابعة بدل الاكتفاء بصيغ التأكيد والإدانة التقليدية.
- ثالثًا: الحفاظ على حد أدنى من التماسك العربي في لحظة إقليمية تتسع فيها الفجوات بين العواصم.
ومن الواضح أن أي رئاسة جديدة للمجلس ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع ميراث ثقيل: قرارات كثيرة، تنفيذ محدود، وتوقعات شعبية منخفضة. وهنا تحديدًا تكمن المعضلة التي تواجه كل دورة جديدة للجامعة العربية.
القاهرة كمساحة قرار عربي.. لا مجرد مقر
استضافة القاهرة لاجتماعات الجامعة العربية تمنح هذه الدورات بعدًا سياسيًا إضافيًا، خاصة بالنسبة للجمهور المصري الذي يتابع الجامعة أحيانًا من زاوية رمزية أكثر منها عملية. لكن الواقع أن وجود الأمانة العامة في مصر يجعل من القاهرة نقطة ارتكاز دائمة للدبلوماسية العربية متعددة الأطراف. ومن ثم، فإن أي حراك داخل مقر الجامعة يظل مرتبطًا بصورة مصر الإقليمية، حتى عندما لا تكون القاهرة رئيسة للدورة نفسها.
هذا المعطى يفسر أيضًا اهتمام وسائل الإعلام المصرية بتفاصيل من نوع انتقال الرئاسة، وحضور كبار مسؤولي الأمانة العامة، ومسار الاجتماعات التحضيرية. فالمشهد هنا لا يتعلق فقط بأخبار بروتوكولية، بل بفكرة أوسع تخص مكانة مصر في هندسة المجال العربي المشترك.
الخلاصة: دورة جديدة.. والرهان القديم نفسه
انطلاق الدورة 166 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين من القاهرة، مع تسلم تونس الرئاسة من البحرين، يعيد طرح السؤال الذي يلازم الجامعة منذ سنوات: هل تستطيع المؤسسة العربية الأقدم أن تنتج أثرًا سياسيًا يواكب حجم الأزمات؟
الجواب لم يتضح بعد، لكن المؤكد أن قيمة هذه الدورة لن تُقاس بعدد الكلمات الافتتاحية، ولا فقط بانتقال الرئاسة بين دولتين عربيتين، بل بقدرة المجلس على تحويل الاجتماعات إلى مسار متابعة حقيقي. وبين واقعية الدبلوماسية وحدودها، تبقى الجامعة العربية مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإثبات أنها ليست مجرد أرشيف للبيانات، بل منصة قادرة على إعادة تعريف معنى التنسيق العربي في زمن الاضطراب.