Akhbar Cairo

الرسالة الأمريكية والنووي السعودي: طمأنة سياسية وأسئلة مفتوحة

ما الذي تقوله الرسالة الأمريكية فعلًا؟

عاد ملف البرنامج النووي السعودي إلى واجهة النقاش الإقليمي والدولي بعدما كشفت تقارير دولية عن رسالة من وزارة الخارجية الأمريكية إلى السيناتور الديمقراطي إدوارد ماركي، مؤرخة في 18 مايو 2025، تتناول شكل الترتيبات المقترحة للتعاون النووي المدني بين واشنطن والرياض. الفكرة الأساسية التي حاولت الرسالة ترسيخها هي أن أي تفاهم أمريكي مع السعودية لن يكون بوابة لتحويل البرنامج إلى سلاح نووي، وأن المسودة المطروحة -بحسب الموقف الأمريكي المعلن- تتضمن التزامات تتعلق بالسلامة والأمن ومنع الانتشار، حتى لو لم تشمل أشد الضمانات التي كان بعض المشرعين الأمريكيين يطالبون بها.

المفارقة هنا أن الطمأنة السياسية جاءت في لحظة يزداد فيها الجدل داخل واشنطن نفسها. فالتقارير التي اطلعت على الرسالة أو لخصت مضمونها أشارت إلى أن الاتفاق المقترح لا يتضمن بالضرورة الإطار الأكثر صرامة الذي يطالب به أنصار منع الانتشار، وفي مقدمته البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو الأداة التي تمنح الوكالة صلاحيات أوسع في التفتيش والتحقق. هذا يعني أن الرسالة لم تُنهِ الشكوك بقدر ما أعادت صياغتها سياسيًا.

من هم الأطراف الرئيسية في الجدل؟

على الجانب الأمريكي، ارتبط الجدل باسم ماركو روبيو بصفته وزير الخارجية الأمريكي، وكذلك باسم السيناتور إدوارد ماركي الذي عبّر عن اعتراضات حادة على أي صيغة يعتبرها أقل من “المعيار الذهبي” في منع الانتشار. وعلى الجانب السعودي، يندرج الملف ضمن رؤية أوسع تقودها مؤسسات الدولة السعودية لتطوير برنامج نووي سلمي يخدم مزيج الطاقة الوطني واحتياجات التنمية الصناعية، تحت إشراف وزارة الطاقة وهيئة الرقابة النووية والإشعاعية، وبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

السعودية بدورها لم تُقدِّم برنامجها بوصفه مشروعًا عسكريًا، بل بوصفه امتدادًا لسياسات تنويع مصادر الطاقة في إطار رؤية 2030. وتؤكد المصادر الرسمية السعودية أن المملكة تعمل على تعزيز البنية التنظيمية والرقابية للقطاع النووي، كما أنها أعلنت في سبتمبر 2024 أنها طلبت من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلغاء العمل ببروتوكول الكميات الصغيرة والانتقال إلى التطبيق الكامل لاتفاق الضمانات الشامل، وهي خطوة مهمة في لغة الرقابة الدولية لأنها تعني توسيع نطاق المتابعة الرسمية للأنشطة النووية السلمية.

لماذا لا يكفي النفي الأمريكي وحده؟

في القضايا النووية، لا تُقاس الثقة بالتصريحات وحدها، بل بالبنية القانونية والفنية المحيطة بالاتفاق. لذلك فإن العبارة الأمريكية التي تفيد بأن البرنامج “لن يتحول إلى سلاح” تبدو سياسيًا مطمئنة، لكنها عمليًا تحتاج إلى ترجمة في صورة قيود واضحة وقابلة للتحقق على التخصيب وإعادة المعالجة وآليات التفتيش. هذا تحديدًا هو موضع الخلاف داخل الولايات المتحدة: هل يكفي اتفاق ثنائي للضمانات، أم أن الضرورة تستوجب بروتوكولات أشد رقابة؟

القلق لا ينطلق فقط من طبيعة التكنولوجيا النووية، بل من بيئة الشرق الأوسط نفسها. المنطقة تعيش أصلًا على وقع صراعات مفتوحة، وملف إيران النووي لم يختف من المشهد. لذلك فإن أي توسع في القدرات النووية المدنية بدول المنطقة يُقرأ تلقائيًا من زاوية موازين القوى، حتى عندما يكون معلنًا باعتباره مشروعًا سلميًا. من هنا نفهم لماذا تحاول واشنطن أن توازن بين هدفين متعارضين: دعم شريك إقليمي مهم، ومنع خلق سابقة قد تُضعف منظومة منع الانتشار.

السعودية بين حق التنمية وهاجس التخصيب

من الناحية المبدئية، لا خلاف كبير على حق السعودية -كغيرها من الدول- في تطوير طاقة نووية سلمية تحت إشراف دولي ووفق التزامات معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. التحدي يبدأ عندما يصل النقاش إلى تفاصيل مثل تخصيب اليورانيوم محليًا. هذا الملف حساس للغاية، لأن التخصيب يمكن أن يكون جزءًا من دورة وقود مدنية، لكنه في الوقت نفسه يفتح نظريًا بابًا لقدرات يمكن إساءة استخدامها إذا غابت القيود والشفافية.

هنا يظهر جوهر الرسالة الأمريكية: طمأنة بأن الاتفاق لن يقود إلى السلاح، مع تجنب الإفصاح الكامل عن كل التفاصيل التقنية والسياسية قبل إنهاء المراجعات النهائية. لكن هذا الأسلوب نفسه يُغذي الشكوك لدى منتقدي الاتفاق. ففي ملفات بهذه الحساسية، كثيرًا ما يُنظر إلى الغموض باعتباره جزءًا من المشكلة لا وسيلة لحلها.

ماذا تعني القضية للقارئ المصري؟

في مصر، لا يُقرأ هذا الملف باعتباره خبرًا خليجيًا بعيدًا، بل كجزء من إعادة تشكيل خريطة الأمن الإقليمي والطاقة في الشرق الأوسط. القاهرة نفسها تتحرك منذ سنوات في مسار نووي سلمي واضح المعالم مع محطة الضبعة، وفق اتفاقات معلنة ورقابة دولية، ما يجعل النقاش حول النموذج السعودي مهمًا من زاويتين: الأولى تتعلق بمستقبل المنافسة على التكنولوجيا والطاقة، والثانية تتعلق بقواعد الشرعية والشفافية التي ينبغي أن تحكم أي برنامج نووي عربي.

كما أن مصر، تاريخيًا، من أكثر الدول التي دعت إلى شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل. لذلك فإن أي اتفاق نووي جديد في المنطقة لا يُقاس فقط بمكاسبه الاقتصادية، بل أيضًا بمدى انسجامه مع مطلب عربي قديم يقوم على شمولية الرقابة وعدم انتقائيتها. بعبارة أخرى: إذا كانت المنطقة تريد طاقة نووية سلمية، فذلك ينبغي أن يسير جنبًا إلى جنب مع بناء ثقة إقليمية لا تسمح بازدواج المعايير.

ما الذي تكشفه الرسالة عن السياسة الأمريكية؟

الرسالة لا تقول فقط شيئًا عن السعودية، بل تقول الكثير عن واشنطن نفسها. الولايات المتحدة تحاول أن تقدم نفسها ضامنًا لمنع الانتشار، لكنها في الوقت ذاته لا تريد خسارة شراكة استراتيجية مع الرياض في ملفات الطاقة والدفاع والتوازن الإقليمي. هذا ما يجعل الخطاب الأمريكي مزدوج الطبقات: تطمين علني قوي، وتفاصيل تفاوضية أكثر مرونة مما يريده بعض أعضاء الكونغرس.

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن الرسالة الأمريكية لا تُغلق باب المخاوف، بل تديره سياسيًا. فهي تعترف ضمنًا بحساسية الملف، وتحاول استباق الاعتراضات عبر التأكيد أن الاتفاق، حتى لو لم يبلغ أقصى درجات التشدد الرقابي، لا يزال ملتزمًا بقواعد السلامة والأمن وعدم الانتشار. لكن التجربة الدولية تُظهر أن الثقة المستدامة لا تُبنى على النوايا، بل على ترتيبات مؤسسية مفصلة، وآليات تفتيش، ونصوص لا تحتمل التأويل الواسع.

السيناريوهات المحتملة بعد الرسالة

  • تمرير الاتفاق بصيغة مرنة: وهو ما يعني استمرار الجدل في الكونغرس وبين خبراء منع الانتشار، مع بقاء الملف تحت مجهر الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • تشديد الضمانات قبل الإقرار النهائي: وهو السيناريو الذي يفضله كثير من المشرعين الأمريكيين، لأنه يمنح واشنطن غطاءً سياسيًا أقوى.
  • إطالة أمد التفاوض: نتيجة التعقيدات الإقليمية وحساسية ملف التخصيب والرقابة، وهو احتمال وارد في ضوء تشابك الحسابات الأمريكية والسعودية والإقليمية.

الخلاصة

الرسالة الأمريكية بشأن الاتفاق النووي مع السعودية تحمل عنوانًا واضحًا: لا نريد برنامجًا ينتهي إلى سلاح. لكن ما بين العنوان والمضمون مساحة واسعة من الأسئلة المشروعة. فالمشكلة ليست في إعلان النوايا، بل في نوع الضمانات، ومستوى الشفافية، وحدود ما يمكن السماح به داخل برنامج نووي مدني في منطقة تتسم أصلًا بارتفاع منسوب الشكوك والصراعات.

بالنسبة للقارئ المصري، الأهم ليس فقط ما إذا كانت واشنطن قادرة على طمأنة حلفائها وخصومها اليوم، بل ما إذا كانت المنطقة تتجه فعلًا نحو نموذج نووي سلمي منضبط يخدم التنمية ولا يفتح أبواب سباق تسلح جديد. وحتى تتضح النصوص النهائية لأي اتفاق، سيبقى السؤال قائمًا: هل نحن أمام ترتيب طاقة مدنية محسوب، أم أمام سابقة سياسية قد تعيد تعريف حدود المقبول نوويًا في الشرق الأوسط؟