Akhbar Cairo

الزيدي يشرح مأزق العراق النفطي: أزمة سيولة أم اختبار بنيوي؟

أزمة تكشف جوهر المعضلة العراقية

أعاد رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي (@alifalihalzaidy على إنستغرام) رسم ملامح الأزمة الاقتصادية في بلاده بكلمات مباشرة خلال حديثه أمام البرلمان، حين قال إن حكومته تسلمت المسؤولية في لحظة كان فيها الاقتصاد تحت ضغط شديد بسبب توقف تصدير النفط الخام وإغلاق مضيق هرمز. أهمية هذا التصريح لا تكمن فقط في توصيف اللحظة، بل في أنه يختصر المأزق البنيوي الذي يواجه العراق منذ سنوات: دولة كبيرة بموارد هائلة، لكنها لا تزال شديدة الارتهان لتدفق النفط يومًا بيوم.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عراقية ودولية عن مداخلته البرلمانية يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، فإن الزيدي عرض ثلاثة سيناريوهات كانت مطروحة أمام الحكومة لتأمين الإنفاق، هي اللجوء إلى ما وصفه بالادخار الإجباري، أو صرف الرواتب كل 45 يومًا، أو التوسع في الاقتراض رغم عبء الدين القائم بالفعل. كما أشار إلى أن الدين العام تجاوز 208 تريليونات دينار، وأن الحكومة تحتاج إلى نحو 10 تريليونات دينار شهريًا، مع الإبقاء على دفع الرواتب رغم الأزمة. هذه الأرقام تمنح صورة أوضح عن حجم الضيق النقدي الذي واجهته بغداد في لحظة التعطل النفطي.

لماذا كان إغلاق مضيق هرمز بهذه الخطورة؟

بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو الحديث عن مضيق بحري بعيد تفصيلاً جيوسياسيًا، لكنه في الحالة العراقية يساوي تقريبًا شريان الحياة الاقتصادية. البنك الدولي يؤكد أن العراق من أكثر اقتصادات المنطقة تعرضًا لصدمات سوق النفط والصراعات الإقليمية، مشيرًا إلى أن النفط شكّل في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع. والأهم أن البنك لفت صراحة إلى أن تعطيل مضيق هرمز، الذي تمر عبره غالبية صادرات العراق النفطية، خفّض القدرة التصديرية وأبطأ الإنتاج.

هذا يفسر لماذا لم يكن حديث الزيدي مجرد تبرير سياسي أو سجال برلماني. فعندما يتعطل مسار التصدير، لا يتوقف فقط تدفق العملة الأجنبية، بل تهتز قدرة الدولة نفسها على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وفي مقدمتها الرواتب والدعم والخدمات والمشروعات العامة. وفي اقتصاد يغلب عليه القطاع العام ويعتمد ملايين الأسر فيه على الإنفاق الحكومي، تتحول أي صدمة نفطية إلى اختبار اجتماعي وسياسي أيضًا.

الرواتب أولًا: منطق السلطة في مواجهة العجز

ما قاله الزيدي عن البدائل الثلاثة يكشف ترتيب الأولويات داخل الدولة العراقية. ففكرة الادخار الإجباري تعني عمليًا تحميل الموظف جزءًا من كلفة الأزمة عبر تأخير مستحقاته أو تجميد نسبة منها مؤقتًا. أما خيار صرف الرواتب كل 45 يومًا فهو اعتراف بعدم كفاية السيولة الشهرية المنتظمة. ويبقى الاقتراض الخيار الأسرع سياسيًا، لكنه الأكثر تكلفة على المدى المتوسط إذا ترافق مع غياب إصلاحات هيكلية.

الرسالة الضمنية في كلام رئيس الوزراء أن حكومته فضلت تفادي صدمة مباشرة على الموظفين، حتى لو جاء ذلك وسط كلفة مالية أعلى. وهذا مفهوم سياسيًا، لأن أي مساس واسع بالرواتب في العراق قد يفتح باب احتجاجات ويضعف ثقة الشارع سريعًا. لكن من زاوية تحليلية، فإن تأجيل الألم لا يلغي أسبابه، بل قد ينقلها إلى الموازنة المقبلة أو إلى سعر الصرف أو إلى مستويات الدين.

سعر الصرف ليس ملفًا منفصلًا

الجلسة البرلمانية نفسها ارتبطت أيضًا بقرار تعديل سعر الصرف الرسمي للدولار، إذ أفادت تغطيات عراقية بأن السعر الرسمي ثُبّت عند 1500 دينار للدولار، مع أسعار تنفيذية قريبة للبنوك والجمهور. ربط هذا القرار بأزمة الإيرادات النفطية مهم للغاية، لأن الدولة التي تعتمد على بيع النفط بالدولار ثم الإنفاق بالدينار تمتلك دائمًا إغراء استخدام سعر الصرف كأداة لتخفيف ضغط المالية العامة. بمعنى آخر، كلما تراجعت الدولارات الداخلة أو زادت الالتزامات المحلية، يصبح تعديل سعر الصرف جزءًا من أدوات إدارة الأزمة لا مجرد قرار نقدي تقني.

من هنا يمكن قراءة مداخلة الزيدي بوصفها محاولة لتقديم غطاء سياسي لقرارات مالية ونقدية صعبة، وإقناع البرلمان والرأي العام بأن الحكومة لم تكن تعمل في ظروف طبيعية، بل تحت وقع اختناق مزدوج: تراجع التدفقات النفطية من جهة، واستمرار الالتزامات الشهرية الثقيلة من جهة أخرى.

ماذا تقول المؤسسات الدولية عن هشاشة الاقتصاد العراقي؟

التقديرات الدولية الأخيرة تعزز الفكرة نفسها. صندوق النقد الدولي، في ختام مشاورات المادة الرابعة المعلنة في يوليو 2025، حذر من ارتفاع الهشاشة المالية في العراق مع التوسع في الإنفاق وتراجع أسعار النفط، وقال إن الموازنة احتاجت إلى سعر نفط يقارب 84 دولارًا للبرميل في 2024 لتحقيق التوازن، مقارنة بنحو 54 دولارًا في 2020. كما أشار إلى أن الأجور والمعاشات مثلت 22% من الناتج المحلي في 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى 24% في 2025 و24.5% في 2026.

هذه الأرقام تعني أن الضغوط التي تحدث عنها الزيدي ليست وليدة حادث عابر فقط، بل ناتجة أيضًا عن هيكل إنفاق يصعب ضغطه سريعًا، وعن اقتصاد لم ينجح بعد في بناء قاعدة إيرادات غير نفطية قادرة على امتصاص الصدمات. وهنا يصبح السؤال الأهم: هل كانت أزمة مضيق هرمز سببًا مباشرًا أم أنها فقط كشفت هشاشة قائمة أصلًا؟ في تقديري، هي الأمران معًا.

الدلالة السياسية: رئيس وزراء يطلب تفهمًا لا شيكًا على بياض

في السياسة، مثل هذه التصريحات لا تُقال عبثًا. عندما يشرح رئيس الحكومة أمام البرلمان أن البدائل كانت بين تأخير الرواتب أو الاقتراض أو إجراءات تقشفية قسرية، فهو لا يكتفي بسرد الماضي، بل يبني حجة مسبقة للمستقبل. أي إنه يقول ضمنًا إن الإصلاحات المقبلة، سواء في الإنفاق أو الضرائب أو إدارة الدولار أو أولويات الموازنة، يجب أن تُقرأ في سياق أزمة نجاة لا في سياق رفاهية القرار.

لكن البرلمان، كما الشارع، قد يقبل التفسير ولا يمنح تفويضًا مفتوحًا. في العراق، كل أزمة مالية تتحول سريعًا إلى نقاش حول الفساد، وكفاءة الإدارة، وحجم التوظيف العام، وقدرة الدولة على تنشيط القطاعات غير النفطية. ولذلك فإن اختبار الزيدي الحقيقي لن يكون فقط في شرح ما حدث، بل في إقناع العراقيين بأن ما بعد الصدمة سيكون مختلفًا عما قبلها.

ماذا يعني هذا لمصر والمنطقة؟

من منظور مصري، يحمل المشهد العراقي درسًا بالغ الأهمية لكل اقتصادات المنطقة المعتمدة على مورد رئيسي أو ممر جيوسياسي حساس. فالأزمات الإقليمية لا تبقى على حدود السياسة الخارجية؛ سرعان ما تنتقل إلى المالية العامة، وسعر العملة، وتكلفة المعيشة، وثقة المستثمرين. والعراق، رغم امتلاكه واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، يبرهن مرة جديدة أن وفرة المورد لا تعني تلقائيًا مناعة اقتصادية.

ولهذا فإن جوهر قصة الزيدي ليس فقط أن النفط توقف أو أن مضيق هرمز أُغلق، بل أن نموذج الاقتصاد العراقي نفسه ما زال يحتاج إلى إعادة توازن عميقة. التنويع هنا ليس شعارًا إصلاحيًا مستهلكًا، بل شرط بقاء مالي وسياسي.

الخلاصة: الأزمة أعمق من خطاب الطوارئ

تصريحات رئيس الوزراء العراقي قدمت رواية رسمية مفهومة للحظة ضاغطة، لكنها في الوقت نفسه فتحت ملفًا أكبر بكثير من ظرف آني. العراق يواجه معادلة صعبة: دولة بإنفاق عام مرتفع، ورواتب ضخمة، واعتماد شبه كامل على النفط، ومحيط إقليمي قادر في أي وقت على تحويل مسارات التجارة والطاقة إلى أوراق ضغط. إذا كان توقف التصدير وإغلاق مضيق هرمز قد حاصرا الاقتصاد بالفعل، فإن السؤال الذي سيظل مطروحًا في بغداد هو: كيف تمنع الحكومة تكرار الحصار نفسه عندما تأتي الصدمة التالية؟

  • الواقعة الأساسية: الزيدي قال أمام البرلمان إن الاقتصاد كان محاصرًا بسبب توقف تصدير النفط وإغلاق مضيق هرمز.
  • البدائل التي طرحها: الادخار الإجباري، صرف الرواتب كل 45 يومًا، أو زيادة الاقتراض.
  • المؤشر الأخطر: اعتماد العراق الكبير على النفط في الإيرادات والصادرات يجعل أي تعطيل للتصدير أزمة دولة لا أزمة قطاع فقط.
  • الاستنتاج التحليلي: ما جرى ليس مجرد أزمة سيولة طارئة، بل إنذار جديد بأن الإصلاح الاقتصادي المؤجل أصبح أكثر إلحاحًا.