السفير الأمريكي في إسرائيل يصف عنف مستوطنين بالضفة بـ«الإرهاب»
تصريح لافت يعيد ملف عنف المستوطنين إلى الواجهة
أثار وصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي لمثيري الشغب من المستوطنين اليهود في الضفة الغربية بأنهم «إرهابيون» اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، لأن هذا النوع من التوصيف نادر في الخطاب الأمريكي الرسمي عندما يتعلق الأمر بمواطنين إسرائيليين. وجاءت التصريحات في سياق تصاعد الاعتداءات المرتبطة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، وهي قضية تتابعها القاهرة والعواصم العربية عن قرب نظرًا لانعكاساتها المباشرة على فرص التهدئة والاستقرار الإقليمي.
وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس ووسائل إعلام مصرية نقلت عن تقارير دولية، فإن هاكابي استخدم هذا الوصف خلال تعليقه على أعمال عنف نفذها مستوطنون في الضفة الغربية، في إشارة تعكس تشددًا لفظيًا غير معتاد حتى من مسؤول أمريكي معروف أصلًا بمواقفه المؤيدة لإسرائيل والاستيطان.
من هو مايك هاكابي ولماذا يحمل تصريحه وزنًا خاصًا؟
يشغل مايك هاكابي منصب السفير الأمريكي لدى إسرائيل منذ عام 2025، وهو سياسي جمهوري بارز وحاكم سابق لولاية أركنساس. وتظهر سيرته ومواقفه العلنية أنه من أكثر الشخصيات الأمريكية قربًا من التيار المؤيد للاستيطان الإسرائيلي، بل إن تقارير دولية سابقة أشارت إلى رفضه التقليدي لفكرة الدولة الفلسطينية واستخدامه مصطلحات توراتية عند الحديث عن الضفة الغربية.
لهذا السبب، فإن وصفه مرتكبي اعتداءات من المستوطنين بـ«الإرهابيين» اكتسب دلالة مضاعفة؛ فالأمر لا يتعلق بانتقاد صادر عن خصم سياسي لإسرائيل أو عن جهة حقوقية، بل عن مسؤول أمريكي محسوب على المعسكر الداعم لها بقوة. هذا ما جعل التصريح يتجاوز كونه تعليقًا عابرًا ليصبح مؤشرًا على مستوى القلق الأمريكي من انفلات العنف في الضفة.
خلفية التصريح: ماذا يجري في الضفة الغربية؟
تشهد الضفة الغربية منذ أشهر تصاعدًا في هجمات المستوطنين وعمليات الاقتحام والاعتداء على القرى والتجمعات الفلسطينية، بالتوازي مع توسع استيطاني مستمر وعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة. وذكرت تقارير صحفية استندت إلى مصادر أمريكية وإسرائيلية أن واشنطن مارست ضغوطًا على حكومة بنيامين نتنياهو لإدانة بعض هذه الوقائع علنًا واتخاذ إجراءات لمنع تكرارها.
وفي إحدى الوقائع التي حظيت بمتابعة دولية، دار الحديث عن هجوم ومضايقات طالت منازل وممتلكات لفلسطينيين في منطقة قصرة جنوب نابلس. كما نقلت تقارير عن مسؤولين أمريكيين أن ملف الاعتداءات على فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية أو يرتبطون بعائلات أمريكية بات يحظى باهتمام خاص داخل الإدارة الأمريكية، وهو ما زاد الضغوط على السفارة الأمريكية لمتابعة التطورات عن قرب.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
بالنسبة إلى المتابع المصري، لا ينفصل هذا الملف عن المشهد الأوسع في الأراضي الفلسطينية، سواء في غزة أو الضفة الغربية. فمصر تتحرك دبلوماسيًا منذ سنوات باعتبارها طرفًا رئيسيًا في جهود التهدئة، وأي تصعيد في الضفة يهدد بفتح جبهة إضافية تزيد من تعقيد فرص احتواء الأزمة في المنطقة. كما أن توصيف مسؤول أمريكي رفيع لعنف المستوطنين بهذه الصيغة يمنح النقاش الدولي حول محاسبة المتورطين زخمًا جديدًا.
هل يعني التصريح تحولًا أمريكيًا كاملًا؟
رغم أهمية الكلمات التي استخدمها هاكابي، فإن القراءة السياسية الأوسع تشير إلى أن الأمر لا يعني بالضرورة تغيرًا جذريًا في الموقف الأمريكي من الاستيطان أو من الحكومة الإسرائيلية. فالتقارير نفسها أوضحت أن السفير الأمريكي لا يزال من أبرز المدافعين عن حق الإسرائيليين في البناء بالمستوطنات، كما يواصل تبني خطاب داعم لإسرائيل على نحو واضح.
لكن الفارق هنا أن واشنطن تبدو أكثر حساسية تجاه الاعتداءات التي يصعب تبريرها سياسيًا أو قانونيًا، خاصة عندما تتحول إلى هجمات منظمة ضد مدنيين أو إلى محاولات للاستيلاء على ممتلكات. ومن ثم، يمكن فهم التصريح باعتباره رسالة ردع محددة أكثر من كونه مراجعة شاملة للسياسة الأمريكية.
ضغوط على حكومة نتنياهو
تزامن الجدل حول تصريحات هاكابي مع مطالبات أمريكية وأوروبية متكررة بضرورة ضبط عنف المستوطنين. ووفق تغطيات صحفية حديثة، فإن حكومة بنيامين نتنياهو واجهت انتقادات بسبب ما يوصف بتراخيها في التعامل مع بعض هذه الاعتداءات، في وقت تُتهم فيه بأنها تقود أسرع وتيرة لتوسيع النشاط الاستيطاني في الضفة خلال السنوات الأخيرة.
كما أن الحديث عن «أقلية صغيرة» من بين مئات الآلاف من المستوطنين لا يلغي، من وجهة نظر مراقبين، أن أثر هذه الهجمات سياسيًا وأمنيًا كبير، لأنها تُغذي التوتر وتضعف أي حديث عن استئناف مسار سياسي جاد. ولهذا تبدو العبارات الأمريكية الأخيرة محاولة للفصل بين الدعم السياسي لإسرائيل وبين القبول غير المشروط بسلوك الجماعات المتطرفة على الأرض.
ما الذي قد يترتب على ذلك؟
- زيادة الضغوط الدبلوماسية على إسرائيل لاتخاذ إجراءات أمنية وقانونية ضد المعتدين.
- فتح الباب أمام عقوبات أمريكية أو قيود محتملة على أفراد يثبت تورطهم في اعتداءات جسيمة، وهو احتمال طُرح في تقارير سابقة.
- تعزيز السجال داخل واشنطن بشأن كيفية التوفيق بين دعم إسرائيل ومنع انهيار الأوضاع في الضفة الغربية.
- توسيع الاهتمام الدولي بملف الاستيطان وعنف المستوطنين باعتباره عنصرًا يهدد أي تهدئة إقليمية.
دلالة المصطلح في الخطاب الأمريكي
المهم في هذه الواقعة ليس فقط مضمون الإدانة، بل أيضًا اختيار مصطلح «الإرهاب». فالخطاب الأمريكي الرسمي يستخدم هذا الوصف عادة في سياقات محددة للغاية، وغالبًا ما يوجَّه إلى جماعات مسلحة فلسطينية أو تنظيمات مصنفة على قوائم الإرهاب. لذلك، فإن استخدامه بحق مستوطنين إسرائيليين متورطين في هجمات بالضفة يمثل تصعيدًا لغويًا وسياسيًا في آن واحد.
ومن الناحية العملية، قد لا يغيّر المصطلح وحده موازين القوى على الأرض، لكنه يمنح مساحة أوسع للحديث عن المساءلة، خاصة إذا اقترن بخطوات أمريكية لاحقة أو بضغوط علنية على الحكومة الإسرائيلية. كما أنه يوجه رسالة إلى الرأي العام الدولي بأن واشنطن لا تستطيع تجاهل كل مظاهر العنف الصادرة عن المستوطنين، حتى في ظل انحيازها التقليدي لإسرائيل.
خلاصة المشهد
التصريح الذي صدر عن مايك هاكابي لا يمكن فصله عن التصعيد المستمر في الضفة الغربية وعن الحرج المتزايد الذي يسببه عنف المستوطنين لحلفاء إسرائيل في الغرب. صحيح أن السياسة الأمريكية العامة لم تنقلب رأسًا على عقب، لكن مجرد صدور هذا الوصف من سفير أمريكي مؤيد بقوة لإسرائيل يعكس أن مستوى القلق من انفلات الأوضاع بلغ درجة يصعب معها الاكتفاء بعبارات دبلوماسية معتادة.
وبالنسبة للمنطقة، بما فيها مصر، فإن أي تحرك يحد من الاعتداءات في الضفة قد يساهم في تقليل فرص التوسع الإقليمي للأزمة. أما إذا بقيت التصريحات بلا ترجمة عملية، فسيظل السؤال مطروحًا: هل كانت كلمات هاكابي مجرد إدانة استثنائية، أم بداية لهجة أمريكية أكثر صرامة تجاه عنف المستوطنين؟