Akhbar Cairo

السودان بين التحذير الأممي وعجز العالم عن وقف الانتهاكات

تحذير أممي جديد.. لكن المأساة السودانية أقدم من لغة الإدانة

أعاد جورج كاتروجالوس، الخبير الأممي المستقل المعني بتعزيز نظام دولي ديمقراطي ومنصف، تسليط الضوء على خطورة ما يجري في السودان، خصوصًا في إقليم كردفان، بعدما وصف الوضع بأنه يثير قلقًا بالغًا، محذرًا من أن الانتهاكات المتصاعدة قد ترقى إلى جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي. وجاءت تصريحاته عبر قناة «القاهرة الإخبارية»، في لحظة يتزايد فيها الضغط الإنساني والميداني على المدنيين في أكثر من ولاية سودانية، بينما تتراجع فعالية الاستجابة الدولية إلى حد يثير أسئلة سياسية وأخلاقية صعبة.

هذا النوع من التصريحات لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد توصيف إعلامي أو دبلوماسي عابر. فكاتروجالوس يشغل ولاية أممية ضمن منظومة الإجراءات الخاصة التابعة لمجلس حقوق الإنسان، وقد ورد اسمه رسميًا لدى الأمم المتحدة بصفته الخبير المستقل المعني بتعزيز نظام دولي ديمقراطي ومنصف. وفي هذا السياق، فإن التحذير من أن ما يحدث قد يصل إلى مستوى الجرائم الدولية يعني أن النقاش لم يعد متعلقًا فقط بوقف النار، بل بمسؤوليات قانونية وسياسية تتعلق بالمحاسبة ومنع الإفلات من العقاب.

لماذا تكتسب كردفان هذه الأهمية الآن؟

إقليم كردفان لم يعد مجرد ساحة اشتباك جانبية في الحرب السودانية. فالتقارير الميدانية والإخبارية الصادرة خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى تصاعد واضح في حدة المواجهات في شمال وجنوب وغرب كردفان، مع تدهور إنساني واسع النطاق، خصوصًا في مناطق مثل كادوقلي والدلنج وبابنوسة، حيث تكررت التحذيرات من حصار طويل الأمد، وخروج جزء معتبر من المرافق الصحية عن الخدمة، واستهداف المدنيين وموجات نزوح متلاحقة.

وفي تغطيات مصرية قريبة من الملف، نقلت «القاهرة الإخبارية» ووسائل إعلام مصرية أخرى تطورات ميدانية متكررة في كردفان، من بينها اشتباكات في كادوقلي، وهجمات منسوبة إلى قوات الدعم السريع في شمال كردفان، فضلًا عن انهيار متزايد في الوضع الصحي والخدمي في بعض المدن. هذه المعطيات تجعل من الإقليم نقطة انعطاف في الحرب، ليس فقط لاعتبارات عسكرية، بل لأن السيطرة عليه ترتبط بخطوط إمداد وممرات نفوذ بين وسط السودان وغربه.

من التوصيف الإنساني إلى التكييف القانوني

العبارة المنسوبة إلى كاتروجالوس حول «إبادة قيد الصنع» تعكس، في جوهرها، انتقال الحديث من مستوى الإدانة الأخلاقية إلى مستوى الإنذار القانوني. فوثائق وبلاغات منشورة عبر موقع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تتضمن مزاعم خطيرة وموثقة بشأن انتهاكات ضد المدنيين في السودان منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تشمل القتل العشوائي، والإعدام خارج القانون، والاختفاء القسري، والتعذيب، والعنف الجنسي، ونهب المنازل وتدمير البنية التحتية المدنية. كما تشير بعض هذه الوثائق صراحة إلى أن بعض الأفعال المنسوبة إلى قوات الدعم السريع قد ترقى إلى جرائم بموجب القانون الدولي.

هذا التوصيف مهم للغاية، لأن الفارق كبير بين القول إن هناك «أزمة إنسانية» وبين القول إن هناك أفعالًا قد تدخل ضمن الجرائم الدولية. الأول يفتح الباب للمساعدات والإغاثة، أما الثاني فيفتح الباب نظريًا للمساءلة والتحقيقات والضغوط متعددة الأطراف، وإن ظل التنفيذ العملي رهينًا بإرادة الدول الكبرى وتوازناتها.

الدعم السريع في قلب الاتهام

في التحذير المتداول، جرى تحميل قوات الدعم السريع مسؤولية رئيسية عن الانتهاكات. وهذا لا يأتي من فراغ. فقرارات ووثائق أممية سابقة، من بينها ما يرتبط بقرار مجلس الأمن رقم 2736 لسنة 2024 بشأن الفاشر، شددت على ضرورة أن توقف قوات الدعم السريع الهجمات، كما أن بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان أشارت إلى انتهاكات جسيمة طالت مدنيين في دارفور وكردفان والجزيرة وأجزاء من الخرطوم.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الاتهام لا تتوقف عند حدود السودان الداخلية. فاستمرار اتساع نفوذ المجموعات المسلحة غير النظامية، وتعدد مراكز القوة خارج مؤسسات الدولة، يحمل تداعيات مباشرة على أمن الإقليم بأكمله، من البحر الأحمر إلى حدود مصر الجنوبية، مرورًا بمسارات النزوح والهجرة والاتجار غير المشروع عبر الحدود.

الأرقام تقول ما هو أخطر من البلاغات السياسية

إذا كانت اللغة الدبلوماسية قابلة أحيانًا للتأويل، فإن الأرقام أقل قابلية للمراوغة. منظمة الهجرة الدولية تؤكد أن السودان بات أكبر أزمة نزوح في العالم. ووفق تحديثات آلية تتبع النزوح التابعة للمنظمة، فإن أكثر من 15 مليون شخص أُجبروا على مغادرة منازلهم داخل السودان أو عبر حدوده منذ اندلاع الحرب، فيما ظل نحو 8.9 مليون شخص نازحين داخل البلاد حتى 27 مارس 2026، بينهم 4.9 مليون طفل. كما سجّلت المنظمة نزوحًا جديدًا من إقليم كردفان وحده شمل 132,693 شخصًا بين 25 أكتوبر 2025 و22 فبراير 2026.

أما على صعيد الأمن الغذائي، فقد حذرت وكالات الأمم المتحدة الثلاث: برنامج الأغذية العالمي و«يونيسف» ومنظمة الأغذية والزراعة، في 15 مايو 2026، من أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يواجه قرابة 135 ألف شخص مستوى كارثيًا من الجوع، مع وجود بؤر ساخنة في دارفور وجنوب كردفان معرضة لخطر المجاعة.

ماذا تعني هذه الأرقام سياسيًا؟

في قسم «تحليلات ورأي»، الأهم ليس فقط عرض الأرقام، بل فهم دلالتها. حين يتحول النزوح إلى ظاهرة تمس قرابة ثلث السكان، وحين يصبح الجوع خطرًا هيكليًا لا طارئًا، فهذا يعني أن الحرب في السودان تجاوزت منطق «جولة قتال» بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. نحن أمام تفكك ممتد للدولة والمجتمع، حيث تتآكل الإدارة المحلية، وتنهار الخدمات، ويصبح المدنيون وقودًا يوميًا للصراع.

من هنا يمكن فهم لماذا تستخدم بعض الأصوات الأممية تعبيرات شديدة القسوة. فالمقصود ليس فقط توصيف المشهد، بل دق ناقوس الخطر قبل أن تصبح الكلفة البشرية والسياسية أعلى بكثير، وقبل أن تتكرس وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها.

أين يقف المجتمع الدولي؟

المشكلة الأساسية أن المجتمع الدولي يبدو أكثر قدرة على إنتاج اللغة من إنتاج الفعل. هناك اجتماعات، وبيانات، ونقاشات في مجلس الأمن، ونداءات إنسانية متكررة، لكن الحصيلة على الأرض لا تزال محدودة. حتى عندما تصدر إدانات واضحة أو تحذيرات من جرائم محتملة، فإن غياب آليات الردع السريع يجعل الرسائل الأممية أقرب إلى تسجيل موقف منها إلى تغيير مسار الحرب.

وهنا تكمن المفارقة: القانون الدولي حاضر بقوة في الخطاب، لكنه ضعيف في التطبيق. فلا حماية كافية للمدنيين، ولا ممرات إنسانية مستقرة، ولا مساءلة فورية تتناسب مع فداحة الانتهاكات. وفي بيئة كهذه، تتحول الإدانة المتكررة إلى جزء من المشهد بدل أن تكون أداة لتغييره.

لماذا يهم هذا الملف مصر؟

من منظور مصري، لا يمكن فصل ما يحدث في السودان عن معادلة الأمن القومي الإقليمي. فالسودان ليس مجرد دولة جوار، بل عمق جغرافي وإنساني واستراتيجي لمصر. وكلما طال أمد الحرب، زادت مخاطر عدم الاستقرار الممتد، سواء عبر الضغط الإنساني، أو تهديد طرق التجارة، أو تنامي نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب على مساحات مفتوحة.

لذلك، فإن قراءة التحذير الأممي لا ينبغي أن تكون محصورة في إطار التضامن الإنساني فقط، رغم أهميته، بل يجب أن تمتد إلى سؤال أوسع: كيف يمكن منع تحول السودان إلى بؤرة استنزاف إقليمي طويل الأمد؟ هذا السؤال لا تملك الأمم المتحدة وحدها إجابته، لكنه يفسر لماذا يظل الملف السوداني حاضرًا بقوة في المتابعة المصرية الرسمية والإعلامية.

خلاصة المشهد

تحذير جورج كاتروجالوس من أن ما يحدث في السودان، وخاصة في كردفان، قد يرقى إلى جرائم دولية، ليس مجرد توصيف متشدد، بل انعكاس لواقع تتراكم فيه مؤشرات الانهيار الإنساني والقانوني معًا. وبينما تتزايد الاتهامات الموجهة إلى قوات الدعم السريع بشأن انتهاكات ضد المدنيين، تؤكد الأرقام الأممية أن البلاد تواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، إلى جانب تفاقم خطر الجوع والمجاعة.

في النهاية، تكشف الأزمة السودانية حدود النظام الدولي نفسه: كثير من التحذيرات، قليل من الردع، ومدنيون يدفعون الثمن. وإذا كانت كردفان اليوم عنوانًا لهذه المأساة، فإن الرسالة الأوضح هي أن ترك السودان لهذا المسار لن يبقى شأنًا داخليًا طويلًا، بل سيظل اختبارًا مفتوحًا لضمير العالم ومصالح الإقليم في آن واحد.