السودان يتمسك بحل «الدعم السريع» ودمج السلاح في جيش واحد
السودان يربط إنهاء الحرب بتفكيك «الدعم السريع»
تجددت في الخرطوم الدعوات الرسمية إلى تفكيك القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع، مع التشديد على أن مستقبل المؤسسة الأمنية في السودان يجب أن يقوم على جيش وطني واحد يخضع لقيادة مركزية موحدة، لا لتعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة. ويأتي هذا الموقف في لحظة شديدة الحساسية، بينما تستمر الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعدما انفجر الخلاف بين الطرفين اللذين كانا شريكين في ترتيبات السلطة الانتقالية.
هذا الطرح ليس جديدًا بالكامل في المشهد السوداني، لكنه عاد بقوة مع تقدم الخطاب الرسمي الذي يعتبر أن أي تسوية سياسية أو تفاوضية لن تكون قابلة للاستمرار إذا لم تُعالج مسألة السلاح خارج إطار الدولة. وفي هذا السياق، شدد قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان على أن إنهاء الصراع يتطلب نزع سلاح الدعم السريع وتفكيك بنيته القتالية، مع رفض أي صيغة تُبقي على قوة موازية للجيش داخل الدولة السودانية.
ماذا قال البرهان؟
في أواخر يونيو 2026، أعلن البرهان بوضوح أن الجيش السوداني لن يدخل في سلام مع قوات الدعم السريع ما لم تُنزع أسلحتها وتُفكك قواتها، معتبرًا أن أي حل أقل من ذلك لن يضع حدًا فعليًا للحرب. كما ربط بين الاستقرار السياسي طويل المدى وبين استعادة الدولة لاحتكار القوة المسلحة، وهي نقطة أصبحت محورًا ثابتًا في خطاب المؤسسة العسكرية السودانية خلال الأشهر الأخيرة.
وتعزز هذا الاتجاه أيضًا مع خطوات تنظيمية اتخذتها القيادة العسكرية تجاه مجموعات مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش، إذ بدأت منذ أواخر 2025 عمليات حصر وتصنيف تمهيدًا لدمج القوات المساندة ضمن هيكل يخضع لقانون القوات المسلحة وقيادة موحدة. ويعكس ذلك محاولة أوسع لإعادة ترتيب المجال العسكري والأمني على أساس مركزي، بما يتجاوز فقط المواجهة المباشرة مع الدعم السريع.
خلفية الصراع: من شراكة هشة إلى حرب مفتوحة
بالنسبة للقارئ المصري المتابع لتطورات الجوار الإقليمي، فإن جوهر الأزمة السودانية لا يقتصر على معركة نفوذ بين جنرالين، بل يمتد إلى سؤال الدولة نفسها: من يحتكر السلاح؟ ومن يدير المرحلة التالية؟ فقد اندلعت الحرب بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، بعد خلافات متصاعدة حول دمج الدعم السريع في القوات المسلحة، وجدول الإصلاح الأمني والعسكري، ومسار الانتقال السياسي في البلاد.
ومنذ ذلك التاريخ، تحولت الخرطوم وولايات واسعة في دارفور وكردفان وغيرها إلى مسارح مواجهة مفتوحة. وتشير تقديرات دولية حديثة إلى أن الحرب دفعت السودان إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح نحو 13 مليون شخص واحتياج عشرات الملايين إلى المساعدات الإنسانية، بينما تتفاقم المخاطر المرتبطة بالجوع والانهيار الخدمي في مناطق متعددة.
لماذا تصر الخرطوم على «جيش وطني واحد»؟
يستند هذا المطلب إلى قناعة راسخة داخل دوائر الدولة السودانية بأن تعدد مراكز القوة المسلحة كان من أبرز أسباب الانفجار الحالي. فمن وجهة نظر المؤسسة العسكرية، فإن وجود قوة كبيرة ومجهزة خارج التسلسل القيادي التقليدي للجيش خلق ازدواجًا في القرار والسيطرة، ثم تحول لاحقًا إلى صدام شامل هدد وحدة البلاد ومؤسساتها.
كما ترى القيادة السودانية أن أي تسوية لا تنتهي بتفكيك البنية العسكرية لقوات الدعم السريع ستعني تأجيل الأزمة لا حلها. لذلك يتكرر الحديث عن الدمج، ونزع السلاح، وإعادة الهيكلة، ليس فقط بوصفها مصطلحات تفاوضية، بل باعتبارها شروطًا مسبقة لبناء دولة قابلة للاستمرار بعد الحرب.
- أولًا: إنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة الموازية للجيش.
- ثانيًا: إعادة بناء هرم القيادة العسكرية على أساس مؤسسي.
- ثالثًا: منع تكرار الصدام بين مراكز قوى متنافسة.
- رابعًا: تهيئة الأرضية لأي عملية سياسية لاحقة.
المشهد الميداني وتأثيره على الموقف السياسي
المواقف السياسية في السودان لا تنفصل عن التطورات العسكرية. فالجيش أعلن خلال 2026 تقدمه في مناطق من الجزيرة والنيل الأبيض والخرطوم، كما تحدث مسؤولون عسكريون عن خطط للتوسع في العمليات باتجاه كردفان ودارفور. وفي المقابل، ما تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بنفوذ واسع في أقاليم ومناطق استراتيجية، وهو ما يجعل أي حديث عن الحسم أو التسوية مرتبطًا مباشرة بميزان القوى على الأرض.
وفي يونيو 2026 أيضًا، أصدرت سلطات ولاية الخرطوم قرارات أمنية شددت على إزالة الوجود المسلح من العاصمة ومنع حمل السلاح في الأماكن العامة، في إشارة إلى أن ملف استعادة الدولة لهيبتها الأمنية لا يقتصر على جبهات القتال البعيدة، بل يمتد إلى الحياة اليومية داخل المدن.
ما الذي يعنيه ذلك للمنطقة؟
تطورات السودان تهم مصر بصورة مباشرة، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، بل أيضًا بسبب الروابط التاريخية والإنسانية والاقتصادية. استمرار الحرب يضغط على الإقليم بأكمله، سواء عبر موجات النزوح، أو تعطل التجارة، أو اتساع رقعة عدم الاستقرار في محيط البحر الأحمر ووادي النيل. ومن هنا، فإن أي طرح سوداني لإعادة توحيد السلاح تحت راية الدولة يُنظر إليه إقليميًا باعتباره عنصرًا أساسيًا في أي مسار لاستعادة الاستقرار.
لكن في المقابل، فإن التحدي العملي يبقى بالغ الصعوبة. فإعادة بناء جيش موحد بعد حرب بهذا الحجم لا تتعلق فقط بإعلان سياسي، بل تحتاج إلى ترتيبات ميدانية وقانونية ومؤسسية معقدة، تشمل التسريح وإعادة الدمج والمحاسبة وإعادة التأهيل، فضلًا عن توفير ضمانات تمنع عودة النزاع بصيغ أخرى.
بين شعار الدولة وواقع الحرب
من الناحية السياسية، يبدو شعار «جيش وطني واحد» اليوم أكثر من مجرد عنوان تعبوي؛ إنه محاولة لرسم شكل الدولة السودانية بعد الحرب. غير أن تحويل هذا الشعار إلى واقع سيتوقف على عوامل عدة: مسار العمليات العسكرية، طبيعة الضغوط الإقليمية والدولية، ومآلات أي مفاوضات مستقبلية، إضافة إلى قدرة الدولة نفسها على استيعاب التعقيدات التي خلفها الصراع.
الخلاصة أن الرسالة الصادرة من الخرطوم باتت واضحة: لا مكان، وفق الرؤية الرسمية الحالية، لقوة مسلحة مستقلة خارج الجيش السوداني. وبينما تستمر المعارك وتتعاظم الكلفة الإنسانية، يظل هذا المطلب في قلب النقاش السوداني حول الحرب والسلام، وحول ما إذا كانت البلاد تتجه فعلًا إلى استعادة الدولة الموحدة، أم إلى جولة أطول من الصراع على السلاح والسلطة.