السودان يعلن انفتاحه على مبادرات «صادقة» لوقف الحرب
السودان يطرح موقفه أمام مجلس حقوق الإنسان
في تطور سياسي لافت على صلة بالأزمة السودانية، أعلن وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم أن حكومة بلاده مستعدة للتعامل مع أي مبادرات وصفها بأنها «صادقة» وتستهدف إنهاء الحرب الدائرة منذ 15 أبريل 2023. وجاء هذا الموقف خلال جلسة عقدها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يوم الجمعة 3 يوليو 2026 لمناقشة الوضع في مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها في ولاية شمال كردفان.
أهمية هذه التصريحات لا ترتبط فقط بصياغتها الدبلوماسية، بل أيضا بتوقيتها؛ إذ تأتي بينما تتصاعد المخاوف الدولية من تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في الأبيض، وهي مدينة استراتيجية في وسط السودان تربط بين أقاليم عدة، وتُعد بوابة مهمة بين شرق البلاد وغربها.
لماذا تتجه الأنظار إلى مدينة الأبيض؟
الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تحولت في الأسابيع الأخيرة إلى محور قلق أممي وإقليمي متزايد. الأمم المتحدة كانت قد حذرت في 18 يونيو 2026 من أن أي هجوم واسع على المدينة قد يقود إلى جرائم خطيرة وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، مع مخاطر تفاقم الأزمة الإنسانية في منطقة تستضيف أعدادا كبيرة من السكان والنازحين.
وفي جلسة الإحاطة الأممية السابقة، وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الوضع بأنه إنذار شديد الخطورة، فيما أكدت الأمم المتحدة أن المدينة تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة القتال، والهجمات بالطائرات المسيّرة، وتعطل بعض الخدمات الأساسية والبنية التحتية المدنية.
كما أشارت تقارير أممية ودبلوماسية إلى أن المخاوف لا تتعلق بسيناريو عسكري فقط، بل أيضا باحتمال تكرار أنماط من الانتهاكات شهدتها مناطق سودانية أخرى خلال الحرب، وهو ما دفع عددا من الدول، من بينها ألمانيا وبريطانيا، إلى دعم طرح الملف داخل مجلس حقوق الإنسان.
رسالة الخرطوم: انفتاح مشروط على المبادرات الجادة
تصريحات وزير الخارجية السوداني تعكس محاولة من الخرطوم لتأكيد أنها لا تغلق الباب أمام المسارات السياسية، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بفكرة أن أي تحرك خارجي يجب أن يكون جادا ومتوازنا ويحترم سيادة السودان. الوزير محيي الدين سالم كان قد عبّر في مواقف سابقة خلال 2026 عن أن بلاده منفتحة على المساعي التي تستهدف السلام، مع رفض ما تعتبره الحكومة فرضا لحلول من الخارج أو ضغوطا لا تراعي تعقيدات المشهد السوداني.
هذا التوجه ينسجم مع خطاب سياسي سوداني رسمي يكرر الحديث عن الملكية السودانية للحل، وهي نقطة تتابعها القاهرة باهتمام أيضا، في ضوء علاقاتها المباشرة مع السودان وتأثر الأمن الإقليمي في وادي النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر بما يجري هناك.
من هو محيي الدين سالم؟
بحسب البيانات الرسمية المنشورة على الموقع الحكومي السوداني، فإن محيي الدين سالم أحمد إبراهيم يشغل منصب وزير الخارجية والتعاون الدولي منذ عام 2025. ويملك الرجل خبرة دبلوماسية طويلة، شملت مناصب بينها سفير السودان لدى الكويت، وسفيره لدى الإمارات، ومندوبه لدى الاتحاد الأفريقي، كما تلقى دبلوما في الدراسات الدبلوماسية من المعهد الدبلوماسي المصري في القاهرة عام 1983، وهو تفصيل يمنح اسمه حضورا معروفا في دوائر المتابعة المصرية للشأن السوداني.
الأمم المتحدة: الوضع الإنساني لا يحتمل مزيدا من التصعيد
التحذيرات الدولية بشأن الأبيض لم تأت من فراغ. الأمم المتحدة قالت في أكثر من إحاطة خلال يونيو ويوليو 2026 إن القتال في محيط المدينة يهدد المدنيين ويعطل وصول المساعدات ويؤثر على البنية الأساسية. كما أعلن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها كثفت استجابتها في الأبيض وشمال كردفان، وقدمت مساعدات لنحو 42 ألف شخص مع محاولة دعم الخدمات الصحية وسط التصعيد.
وتؤكد هذه المؤشرات أن المدينة ليست مجرد نقطة اشتباك عسكرية، بل ساحة لها وزن إنساني واسع. وفي مثل هذا السياق، يصبح أي حديث عن وقف إطلاق نار أو هدنة إنسانية أكثر إلحاحا، خاصة إذا ارتبط بإجراءات عملية لحماية المدنيين وتأمين المرافق الخدمية وفتح المسارات أمام الإغاثة.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر والمنطقة؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا يمكن النظر إلى تطورات السودان باعتبارها شأنا بعيدا. فالسودان يمثل عمقا استراتيجيا مباشرا لمصر، وأي تصعيد كبير في شمال كردفان أو غيرها من الأقاليم ينعكس على ملفات الأمن الإقليمي، وحركة النزوح، واستقرار حوض النيل، والأوضاع على امتداد البحر الأحمر.
وفي 20 يونيو 2026، استقبل وزير الخارجية المصري د. بدر عبد العاطي نظيره السوداني محيي الدين سالم في القاهرة، حيث أكدت مصر مجددا دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفضها إنشاء كيانات موازية، مع التشديد على أهمية هدنة إنسانية تمهد لوقف مستدام لإطلاق النار واستئناف المسار السياسي. هذا الموقف المصري يوضح أن القاهرة تفضل تسوية تحفظ مؤسسات الدولة السودانية وتمنع تفككها.
بين الدبلوماسية والواقع الميداني
ورغم أهمية اللهجة المنفتحة التي تحدث بها وزير الخارجية السوداني، فإن التحدي الحقيقي يبقى في ترجمة هذه الرسائل إلى خطوات قابلة للتنفيذ. الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات دخلت مرحلة معقدة، وتداخل فيها البعد العسكري مع الانهيار الإنساني والاستقطاب السياسي والتدخلات الخارجية.
لذلك، فإن أي مبادرة لوقف الحرب في السودان لن تُقاس فقط بصدور بيانات الترحيب، بل بقدرتها على تحقيق مجموعة من الشروط الأساسية، من بينها:
- وقف فعلي ومستدام لإطلاق النار، لا يقتصر على تفاهمات مؤقتة.
- حماية المدنيين في المدن المهددة، وعلى رأسها الأبيض.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق.
- إطلاق مسار سياسي سوداني يحظى بقبول أوسع من الأطراف المؤثرة.
- دعم إقليمي ودولي منسق يمنع تضارب المبادرات.
خلاصة المشهد
تصريح وزير الخارجية السوداني يرسل إشارة واضحة بأن باب التفاعل مع جهود وقف الحرب ما زال مفتوحا من وجهة نظر الحكومة، لكن ضمن معايير تعتبرها الخرطوم جدية وصادقة. وفي المقابل، تواصل الأمم المتحدة التحذير من أن مدينة الأبيض تقف على حافة منعطف خطير قد يجر معه مزيدا من الانتهاكات والمعاناة.
وبين هذين المسارين، السياسي والإنساني، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك أسرع وأكثر فعالية. فكل تأخير في احتواء التصعيد داخل السودان لا يهدد السودانيين وحدهم، بل يضع الإقليم بأكمله أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار، وهو ما يجعل الملف السوداني أحد أكثر ملفات أفريقيا إلحاحا في المرحلة الحالية.