Akhbar Cairo

السيسي: أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة

مصر تجدد تمسكها بمعادلة البحر الأحمر

جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) التأكيد على أن أمن البحر الأحمر وحوكمة شؤونه يقعان حصريًا على عاتق الدول المشاطئة له، في موقف يعكس ثبات الرؤية المصرية تجاه واحد من أكثر الممرات المائية حساسية في الإقليم. ويكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة بالنسبة للقارئ المصري، لأن البحر الأحمر لا يُنظر إليه في القاهرة باعتباره مجرد خط ملاحي دولي، بل كامتداد مباشر للأمن القومي المصري وركيزة رئيسية لحركة التجارة والطاقة والربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

الرسالة المصرية جاءت بالتوازي مع مباحثات رئاسية مع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، حيث عكست اللقاءات تقاربًا واضحًا في الرؤى بشأن دعم ثقافة السلام، والحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط، إلى جانب تأييد الجهود الرامية إلى خفض التوتر في شبه الجزيرة الكورية. ووفق البيانات الصادرة عن الرئاسة المصرية، فإن زيارة الرئيس الكوري إلى مصر كانت الأولى له منذ توليه منصبه في يونيو 2025، كما تزامنت مع مرور 30 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وسيول.

البحر الأحمر في صدارة الحسابات الإقليمية

تتعامل مصر مع البحر الأحمر باعتباره شريانًا استراتيجيًا لا ينفصل عن أمن قناة السويس وحركة الملاحة الدولية. ومن هذا المنطلق، تؤكد القاهرة باستمرار أن أي ترتيبات تخص إدارة هذا الممر الحيوي يجب أن تنطلق أولًا من الدول المطلة عليه، لا من أدوار مفروضة من الخارج. هذا التوجه ظهر بوضوح أيضًا في مواقف رسمية لاحقة لوزارة الخارجية المصرية خلال عام 2026، إذ شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي على أن حوكمة البحر الأحمر تظل مسؤولية حصرية للدول الساحلية، مع رفض أي محاولات لتوسيع أدوار غير مشاطئة في إدارة الإقليم البحري.

وتعزز مصر هذا الموقف عبر ربط أمن البحر الأحمر بأمن منطقة القرن الأفريقي وخليج عدن وباب المندب، وهي مناطق تؤثر مباشرة في سلامة سلاسل الإمداد الدولية. وفي أكثر من مناسبة رسمية، أكدت القاهرة أن حماية حرية الملاحة يجب أن تتم بما يحفظ سيادة الدول الساحلية ويمنع تحويل الممر إلى ساحة صراع مفتوح أو تنافس عسكري يهدد الاستقرار الإقليمي.

ما الذي دار في المباحثات المصرية الكورية؟

اللقاء بين الرئيس السيسي والرئيس لي جاي ميونغ لم يقتصر على الملفات الثنائية، بل امتد إلى مناقشة أزمات الإقليم. وبحسب الرئاسة المصرية، تناولت المحادثات التطورات في الشرق الأوسط، مع تأكيد مصر موقفها الثابت الداعي إلى تحقيق السلام العادل والدائم على أساس حل الدولتين، فضلًا عن دعم تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار في غزة. كما بحث الجانبان أهمية الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها، ودعم التسويات السياسية الشاملة للأزمات الإقليمية.

وفي الشق الآسيوي، استعرض الرئيس الكوري الجنوبي موقف بلاده من التطورات في شبه الجزيرة الكورية وشرق آسيا، بينما أشاد الجانب المصري بجهود سيول للحفاظ على علاقات متوازنة وبنّاءة مع الأطراف الإقليمية والدولية. هذا التقارب في المقاربة السياسية يفسر الإشارة إلى وجود اتفاق على أهمية تعزيز ثقافة السلام، وهي صياغة تحمل دلالة دبلوماسية مهمة في وقت تتزايد فيه بؤر التوتر من البحر الأحمر إلى شرق آسيا.

لماذا يهم هذا الموقف مصر والمنطقة العربية؟

بالنسبة لمصر، فإن أمن البحر الأحمر يرتبط مباشرة بأمن الملاحة المؤدية إلى قناة السويس، أحد أهم الممرات الاقتصادية في العالم. وأي اضطراب ممتد في البحر الأحمر أو عند مدخليه الشمالي والجنوبي ينعكس على التجارة الدولية وتكلفة الشحن وإمدادات الطاقة. لهذا تفضل القاهرة مقاربة تقوم على التنسيق بين الدول المشاطئة، مع تجنب تدويل إدارة البحر الأحمر بصورة تنتقص من سيادة دوله أو تربك التوازنات القائمة فيه.

ومن زاوية عربية أوسع، فإن هذا الموقف يلامس مصالح دول عربية مطلة على البحر الأحمر، مثل السعودية والسودان والأردن واليمن وجيبوتي والصومال وإريتريا على الضفة الأفريقية والعربية للممر. لذلك تحرص مصر على تقديم صياغة سياسية تؤسس لفكرة أن الأمن البحري المستدام يبدأ من تفاهمات إقليمية حقيقية بين أصحاب الجغرافيا أنفسهم.

العلاقات المصرية الكورية.. بعد سياسي واقتصادي

ورغم أن عنوان البحر الأحمر تصدر الاهتمام في البعد الإقليمي، فإن المباحثات المصرية الكورية حملت أيضًا رسائل اقتصادية وتنموية. فالرئاسة المصرية أوضحت أن القاهرة تتطلع إلى زيادة استثمارات الشركات الكورية في قطاعات ذات أولوية، من بينها الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وصناعة السيارات، وبناء السفن، والذكاء الاصطناعي، والبتروكيماويات والتعدين، مع التركيز على توطين الصناعة داخل مصر. كما شهدت زيارة الرئيس الكوري لمصر في 20 نوفمبر 2025 توقيع مذكرتي تفاهم في مجالي الثقافة والتعليم، بما يعكس رغبة الجانبين في توسيع الشراكة إلى ما هو أبعد من السياسة.

وفي سياق أحدث، شارك الرئيس السيسي في 7 أكتوبر 2026 في سيول في مائدة مستديرة مع رؤساء كبرى الشركات الكورية، بحضور ممثلي 23 شركة، وفق بيان للرئاسة المصرية. ويعطي ذلك مؤشرًا على أن خط التواصل السياسي بين البلدين يتكامل مع مسار اقتصادي واستثماري يسعى إلى توسيع الشراكة المصرية الكورية في السوق المصرية، وكذلك في مشروعات يمكن أن تمتد إلى أسواق عربية وأفريقية.

دلالات الرسالة المصرية

  • أولًا: تثبيت الموقف المصري بأن البحر الأحمر جزء من منظومة الأمن القومي، وليس ملفًا منفصلًا عن حسابات المنطقة.
  • ثانيًا: رفض أي ترتيبات تتجاوز الدول الساحلية في تقرير قواعد الحوكمة والأمن داخل هذا الممر الحيوي.
  • ثالثًا: ربط أمن البحر الأحمر بمفهوم أوسع للاستقرار الإقليمي، يشمل القرن الأفريقي وغزة وباب المندب.
  • رابعًا: إظهار أن مصر تتحرك دبلوماسيًا مع قوى آسيوية مؤثرة مثل كوريا الجنوبية انطلاقًا من أجندة تجمع بين السلام والتنمية والاستثمار.

خلاصة المشهد

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تحاول القاهرة ترسيخ معادلة واضحة: البحر الأحمر يجب أن يبقى تحت إدارة سياسية وأمنية للدول المطلة عليه، مع استمرار دعم الجهود الرامية إلى تهدئة الأزمات المحيطة به. ومن خلال الربط بين هذا الملف وبين مباحثاتها مع كوريا الجنوبية، تبعث مصر برسالة مزدوجة مفادها أن الاستقرار في الممرات الحيوية لا ينفصل عن الدبلوماسية، وأن الأمن البحري في العالم العربي لا يمكن فصله عن توازنات القارة الأفريقية والشرق الأوسط معًا.