Akhbar Cairo

السيسي: تطوير مراكز الإصلاح لإعادة التأهيل والاندماج

السيسي يربط تطوير مراكز الإصلاح بفكرة إعادة بناء الإنسان

جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على أن تحديث مراكز الإصلاح والتأهيل في مصر لا يقتصر على تغيير الاسم أو البنية الإنشائية، بل يستهدف في الأساس إعادة بناء شخصية المحكوم عليهم وتأهيلهم للعودة إلى المجتمع وبدء حياة جديدة. وجاءت تصريحات الرئيس خلال مشاركته في مأدبة إفطار أقامتها أكاديمية الشرطة يوم 8 مارس 2026، بحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير الداخلية اللواء محمود توفيق، وعدد من المسؤولين وطلبة الأكاديمية وأسرهم.

وبحسب ما أوردته مصادر رسمية مصرية، شدد السيسي على أن الفلسفة الجديدة وراء هذه المراكز تقوم على تحويل العقوبة السالبة للحرية من مجرد احتجاز إلى مسار إصلاح وتأهيل يتيح للنزيل فرصة حقيقية للاندماج في المجتمع بعد انتهاء مدة العقوبة، بما يحد من العودة إلى الانحراف ويعزز الاستقرار المجتمعي.

من 48 سجناً إلى 7 مراكز إصلاح وتأهيل

الرقم الأبرز الذي كشف عنه الرئيس هو أن 48 سجناً في مصر تحولت إلى 7 مراكز إصلاح وتأهيل على مستوى مرتفع من التجهيز، في إشارة إلى التحول الهيكلي الذي شهدته المنظومة خلال السنوات الماضية. وتقدم الدولة هذه التجربة باعتبارها انتقالاً من نموذج السجن التقليدي إلى نموذج أكثر اتساعاً يجمع بين الإيواء الآمن، والرعاية الصحية، والتعليم، والتدريب المهني، والأنشطة الإصلاحية.

هذا التحول لا يُقرأ في الداخل المصري فقط، بل يلفت الانتباه أيضاً داخل الدوائر الإفريقية المعنية بإصلاح نظم العدالة الجنائية، خاصة أن عدداً من دول القارة يواجه تحديات مزمنة تتعلق بالاكتظاظ وضعف خدمات التأهيل داخل المؤسسات العقابية. ومن هذا المنظور، تحاول القاهرة تقديم تجربتها بوصفها نموذجاً إدارياً ومؤسسياً قابلاً للعرض والنقاش في السياق الإفريقي الأوسع.

لماذا تكتسب التجربة المصرية بعداً إفريقياً؟

انتماء هذا الملف إلى زاوية أفريقيا لا يبدو بعيداً عن الواقع؛ فملفات إصلاح المؤسسات العقابية وإعادة دمج المحكوم عليهم أصبحت جزءاً من نقاشات أوسع في القارة حول حقوق الإنسان، والتنمية، ومكافحة الجريمة، ومنع التطرف، وإعادة التأهيل الاجتماعي. وفي هذا السياق، تبرز التجربة المصرية باعتبارها واحدة من التجارب التي تسعى إلى الربط بين الأمن من جهة، والسياسة الاجتماعية من جهة أخرى.

كما أن الرئيس السيسي أشار، وفق المصادر الرسمية، إلى أهمية إتاحة الزيارات لهذه المراكز من أجل عرض التجربة المصرية، وهو ما يمنحها بعداً دبلوماسياً ومؤسسياً، خاصة مع اهتمام عدد من الدول الإفريقية بتبادل الخبرات في مجالات الشرطة والإصلاح الجنائي والتدريب الأمني.

فلسفة جديدة للعقوبة

الفكرة الأساسية في الخطاب الرسمي المصري تقوم على أن النزيل لا ينبغي أن يخرج من المؤسسة العقابية أكثر هشاشة أو عزلة، بل أكثر قدرة على العودة إلى المجتمع. ولهذا تتحدث الدولة عن برامج تعليمية ومهنية ونفسية ودينية وثقافية داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، بهدف تقويم السلوك ورفع فرص الاندماج بعد الإفراج.

وتدعم هذه الرؤية تعديلات تشريعية سابقة صدق عليها الرئيس، تضمنت استبدال مسميات مرتبطة بالسجون بمسميات أخرى تتعلق بـمراكز الإصلاح والتأهيل وقطاع الحماية المجتمعية، بما يعكس توجهاً رسمياً نحو إعادة تعريف وظيفة المؤسسة العقابية في القانون والإدارة معاً.

أرقام رسمية عن التعليم والتأهيل داخل المراكز

وخلال الاحتفال بعيد الشرطة في مطلع عام 2026، أعلن وزير الداخلية اللواء محمود توفيق أن نتائج التجربة بعد مرور ست سنوات أظهرت ارتفاع نسب نجاح برامج الإصلاح في إعادة صياغة شخصية النزيل، مشيراً إلى تمكين نحو 10 آلاف نزيل من استكمال دراستهم الجامعية والدراسات العليا، إلى جانب محو أمية أكثر من 8 آلاف نزيل بالتنسيق مع الجهات المعنية في الدولة.

كما تشير وثائق صادرة عن وزارة الداخلية إلى إنشاء مدارس ثانوية فنية داخل عدد من مراكز الإصلاح والتأهيل، منها مراكز وادي النطرون وبدر والعاشر من رمضان، مع تخصيص قاعات للمذاكرة وعقد لجان امتحانات للنزلاء المقيدين بمراحل التعليم المختلفة. وتؤكد الوزارة كذلك استمرار برامج التدريب على الحرف والأنشطة الفنية، بما يشمل الرسم والأعمال اليدوية وبعض المهارات المهنية القابلة للتسويق.

أبرز ما تتضمنه المنظومة الجديدة

  • برامج تعليمية لمحو الأمية واستكمال الدراسة.
  • تدريب مهني يساعد على اكتساب حرفة بعد الإفراج.
  • رعاية صحية داخلية في المراكز الحديثة.
  • أنشطة نفسية وثقافية ودينية لدعم إعادة التأهيل.
  • مقاربة تشريعية وإدارية جديدة تحت مظلة قطاع الحماية المجتمعية.

بين الأمن والاندماج الاجتماعي

ما يميز الرسالة التي قدمها السيسي هذه المرة هو أنها تربط بين تطوير وزارة الداخلية كجزء من تطوير مؤسسات الدولة، وبين التحول في طريقة التعامل مع النزيل باعتباره فرداً يمكن إصلاحه لا مجرد معاقبته. وفي هذا السياق، تبدو مراكز الإصلاح والتأهيل أداة ضمن رؤية أوسع تتعلق بالأمن المجتمعي، لأن خفض احتمالات العودة إلى الجريمة ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

هذا الطرح ينسجم أيضاً مع نقاشات متزايدة في إفريقيا حول كلفة النظم العقابية التقليدية، وحاجة الدول إلى نماذج أكثر فاعلية في إعادة الدمج وتقليل العود الإجرامي، خصوصاً في المجتمعات التي تواجه ضغوطاً اقتصادية وشبابية مرتفعة. ومن هنا، فإن التجربة المصرية قد تُقرأ باعتبارها محاولة لإنتاج نموذج محلي ذي قابلية للتقديم إقليمياً.

هل تغير الخطاب الرسمي تجاه ملف السجون؟

في السنوات الأخيرة، أصبح الخطاب الرسمي المصري أكثر ميلاً إلى استخدام مفردات مثل الإصلاح والتأهيل والحماية المجتمعية بدلاً من الاقتصار على مفردة السجون. وهذا التغيير اللغوي ليس شكلياً فقط، بل يرتبط بتحولات مؤسسية وتشريعية تعلن الدولة أنها تستهدف تحديث البنية العقابية وتحسين فرص إعادة الدمج.

وفي تصريحات سابقة، أوضح الرئيس السيسي أن الهدف من إنشاء هذه المراكز هو بناء شخصية جيدة للمواطن في إطار سياسة عقابية حديثة. ومع تكرار هذا المعنى في أكثر من مناسبة، يتضح أن الدولة تريد تثبيت رسالة مفادها أن المؤسسة العقابية الجديدة يفترض أن تكون مدرسة للإصلاح، لا مساحة مغلقة للعزل فقط.

خلاصة المشهد

ماذا قال الرئيس السيسي عن تطوير مراكز الإصلاح؟ الإجابة المختصرة هي أنه يرى هذا التطوير مشروعاً لإعادة بناء الإنسان، لا مجرد تحديث للمباني أو تغيير للمسميات. وبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن تحويل 48 سجناً إلى 7 مراكز إصلاح وتأهيل، وعن آلاف النزلاء الذين استفادوا من التعليم ومحو الأمية، تبقى التجربة المصرية موضع متابعة داخل مصر وخارجها، خصوصاً في الإطار الإفريقي الذي يشهد بدوره بحثاً متزايداً عن نماذج أكثر إنسانية وفاعلية في إدارة العدالة العقابية.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا الملف لا يتعلق فقط بالسياسة الداخلية، بل يعكس أيضاً كيف تحاول القاهرة تقديم خبرتها المؤسسية ضمن محيطها القاري، في وقت تتسع فيه أهمية قضايا الأمن المجتمعي، والعدالة، وإعادة التأهيل في أفريقيا.