Akhbar Cairo

السيسي: تماسك الدولة والوعي العام خط الدفاع أمام أزمات الإقليم

السيسي: المخاطر المحيطة بمصر أوسع من ملف السد الإثيوبي

جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على أن حماية الدولة المصرية لا تنفصل عن قوة مؤسساتها وتماسك جبهتها الداخلية، مشددًا على أن التحديات التي تواجهها البلاد والمنطقة لا تقتصر على أزمة السد الإثيوبي وحدها، بل تمتد إلى ملفات إقليمية متشابكة تمس الأمن القومي العربي والأفريقي على حد سواء. وجاءت تصريحات الرئيس خلال جلسة «أمن الوطن والمواطن» ضمن فعاليات اليوم الثالث من منتدى مصر 2026، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، بحسب ما أوردته بوابة الأهرام، حيث شدد على ضرورة استمرار تقوية الدولة وأن يكون الرأي العام المصري «صلبًا وقويًا» في مواجهة الضغوط والمخاطر.

ويحمل هذا الموقف دلالة خاصة في توقيت إقليمي حساس، إذ تتقاطع أزمة المياه مع توترات البحر الأحمر، والحرب في السودان، وعدم الاستقرار في ليبيا والصومال، فضلًا عن التداعيات المستمرة للأزمات الاقتصادية والحروب الإقليمية على الدول العربية. ومن هنا، بدا حديث الرئيس موجهاً إلى الداخل المصري، لكنه في الوقت نفسه يعكس قراءة أشمل لمشهد إقليمي مضطرب تتحرك فيه القاهرة باعتبارها طرفًا رئيسيًا في معادلات الاستقرار العربي والأفريقي.

رسالة إلى الداخل: وعي المجتمع جزء من الأمن القومي

المغزى الأبرز في تصريحات السيسي تمثل في الربط بين صلابة الرأي العام وبين قدرة الدولة على الصمود أمام الأزمات. فالرئيس سبق أن شدد، في لقاءات رسمية خلال الأسابيع الماضية، على أن وعي المواطنين يمثل «حائط صد» أمام محاولات إضعاف الدول من الداخل، لافتًا إلى أن التهديدات الحديثة لا تأتي فقط عبر الصدامات العسكرية، بل قد تمر أيضًا عبر الشائعات، والإحباط، وحملات التشكيك، واستنزاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

هذا الخطاب يتسق مع توجه مصري ثابت خلال السنوات الأخيرة يقوم على أن الأمن القومي لا يُقاس فقط بقدرات الجيوش، بل كذلك بقدرة المجتمع على التماسك وقت الأزمات. وفي السياق نفسه، أشار السيسي في تصريحات سابقة أوردتها الرئاسة المصرية إلى أن الحفاظ على مصر مسؤولية جماعية، وأن العمل المؤسسي وتعاون مؤسسات الدولة والمواطنين ضرورة للحفاظ على الاستقرار ورفع الروح المعنوية العامة.

سد النهضة.. الأزمة الأبرز لكنها ليست الوحيدة

ورغم أن ملف سد النهضة الإثيوبي يظل من أكثر القضايا حساسية في السياسة الخارجية المصرية، فإن الرئيس حرص على وضعه ضمن إطار أوسع من المخاطر. وخلال جلسة المنتدى، استعرض وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم الإجراءات التي اتخذتها الدولة المصرية للحد من آثار أي تحركات أحادية في ملف السد، موضحًا أن مصر وسعت قدراتها في معالجة وإعادة استخدام المياه إلى 23.2 مليار متر مكعب سنويًا، إلى جانب تنفيذ مشروعات كبرى مثل محطات المعالجة وتبطين الترع ومشروعات التوسع الزراعي.

كما أشار سويلم، وفق ما نشرته أهرام أونلاين، إلى أن حصة مصر السنوية من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، وهي نسبة محدودة للغاية مقارنة بإجمالي الأمطار التي تهطل على دول حوض النيل. وأوضح أيضًا أن مصر عززت تعاونها مع دول الحوض الجنوبي عبر استثمارات ومشروعات فنية وتنموية، بينها استثمارات قُدرت بنحو 120 مليون دولار، في إطار سياسة تهدف إلى بناء شراكات أفريقية لا تختزل قضية النيل في مسار تفاوضي واحد مع إثيوبيا فقط.

وفي هذا الإطار، تبقى القاهرة متمسكة بمبدأ التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد، وهو موقف كررته مصر في مناسبات رسمية متعددة، من بينها البيان المشترك الصادر بعد لقاء السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 13 يوليو 2023، والذي أكد استئناف المناقشات والسعي للوصول إلى تفاهم يحفظ مصالح الأطراف ويمنع الإضرار بدولتي المصب.

من النيل إلى البحر الأحمر: اتساع دوائر القلق المصري

عندما يتحدث الرئيس عن أن المخاطر لا تقتصر على السد الإثيوبي، فإن المقصود يتجاوز الأمن المائي إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر. فالقرن الأفريقي والبحر الأحمر يمثلان اليوم ساحة مباشرة لتقاطعات النفوذ الإقليمي والدولي، وهو ما يفسر النشاط المصري المكثف في هذا الملف خلال 2026.

وفي 4 أكتوبر 2026، استضافت مصر في مدينة العلمين قمة تشاورية رباعية جمعت الرئيس السيسي مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان. وأكد البيان الصادر عن الرئاسة المصرية أن القمة شددت على دعم مؤسسات الدول الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، واحترام سيادة الدول ووحدتها، مع تأكيد واضح على رفض أي إجراءات أحادية تمس حقوق دولتي المصب في نهر النيل.

وتكشف هذه القمة عن مقاربة مصرية أوسع تربط بين ملف المياه، وأمن البحر الأحمر، واستقرار السودان والصومال، ومنع تفكك الدول الوطنية في الإقليم. وهي مقاربة تزداد أهمية بالنسبة إلى القراء في مصر والعالم العربي، لأن أي اضطراب في هذه الدوائر ينعكس مباشرة على الملاحة والتجارة والطاقة وحركة الأمن في المنطقة بأسرها.

الأمن القومي العربي في قلب الرسالة

اللافت أيضًا أن تصريحات السيسي أعادت التأكيد على أن الأمن القومي العربي لا يتجزأ. وهذه العبارة تحمل وزنًا سياسيًا واضحًا في لحظة تشهد فيها المنطقة تحديات ممتدة من غزة إلى السودان، ومن باب المندب إلى الخليج. فالقاهرة تنظر إلى استقرار دول الخليج باعتباره جزءًا من أمنها القومي، كما تعتبر أن استعادة الاستقرار في السودان وليبيا والصومال مصلحة مصرية وعربية مباشرة، لا مجرد مواقف تضامنية.

ومن هذا المنطلق، تبدو الرسالة المصرية مزدوجة: الأولى داخلية، تدعو إلى تقوية الجبهة الوطنية وعدم الانجراف وراء حملات الإحباط؛ والثانية خارجية، تؤكد أن مصر ترى أمنها في إطار عربي وأفريقي مترابط، وأن معالجة أزمات المنطقة يجب أن تقوم على دعم الدولة الوطنية، والحلول السياسية، ورفض العبث بمؤسسات الدول.

أبرز النقاط التي يمكن استخلاصها من تصريحات الرئيس

  • تعزيز مؤسسات الدولة باعتباره شرطًا أساسيًا لمواجهة الأزمات المركبة.
  • صلابة الرأي العام كجزء من منظومة الأمن القومي، وليس مجرد عامل معنوي.
  • سد النهضة يظل ملفًا مهمًا، لكنه ليس الخطر الوحيد على مصر.
  • الأمن المائي يرتبط بسياسات أوسع تشمل التعاون الأفريقي ومشروعات إدارة الموارد.
  • استقرار السودان وليبيا والصومال والبحر الأحمر يدخل مباشرة في حسابات الأمن العربي والمصري.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري والعربي؟

بالنسبة إلى جمهور المتابعين في مصر، فإن أهمية هذه التصريحات تكمن في أنها تقدم تفسيرًا رسميًا لكيفية نظر الدولة إلى البيئة المحيطة بها: ليست قضية واحدة، ولا جبهة واحدة، بل شبكة من الضغوط المتداخلة التي تبدأ من المياه ولا تنتهي عند حدود الصراع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وبالنسبة إلى القارئ العربي، فإن الرسالة الأوضح هي أن القاهرة ترى أمن المنطقة مترابطًا؛ فأي فراغ في دولة عربية أو أفريقية مجاورة قد يفتح الباب لمزيد من الاضطراب، ويؤثر في الممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحسابات الأمن الجماعي.

وفي المحصلة، فإن حديث الرئيس السيسي لا يمكن قراءته باعتباره تعليقًا عابرًا على أزمة السد الإثيوبي، بل باعتباره عرضًا سياسيًا لمعادلة أوسع: الدولة القوية، والرأي العام الواعي، والتنسيق العربي والأفريقي هي الأدوات التي تراها مصر ضرورية لعبور مرحلة إقليمية شديدة التعقيد. وبينما تبقى أزمة النيل حاضرة بقوة، فإن القاهرة توضح في كل مناسبة أن معركة الاستقرار أوسع من ملف واحد، وأن صلابة الداخل تبقى نقطة الانطلاق لأي تحرك ناجح في الخارج.