السيسي: روح أكتوبر ما زالت بوصلة الدولة المصرية
رسالة قصيرة.. ودلالات سياسية أوسع
جاءت تهنئة الرئيس عبد الفتاح السيسي للمصريين والقوات المسلحة بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر هذا العام لتؤكد معنى يتكرر في الخطاب الرسمي المصري كلما حضرت ذكرى 6 أكتوبر: أن الحرب لم تعد مجرد مناسبة احتفالية في الوجدان العام، بل تحولت إلى مرجعية سياسية وأخلاقية تستدعيها الدولة عند الحديث عن الصمود، والانضباط، والقدرة على تجاوز الأزمات. ففي كلمته المنشورة يوم 5 أكتوبر 2026 بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لنصر حرب أكتوبر، شدد الرئيس على أن استحضار هذه الذكرى يرتبط باستخلاص الدروس والعبر، وأن «روح أكتوبر» لا تزال مصدرًا للعزيمة في مواصلة بناء الجمهورية الجديدة.
هذه الصياغة ليست تفصيلاً لغويًا عابرًا. فالربط بين نصر أكتوبر عام 1973 ومسار البناء الداخلي في 2026 يكشف كيف تنظر السلطة في مصر إلى الحرب باعتبارها نموذجًا تأسيسيًا: تخطيط طويل، تماسك مؤسساتي، ثقة شعبية في الجيش، ثم انتقال من لحظة الخطر إلى مشروع دولة أوسع. لذلك تبدو عبارة «روح أكتوبر» أقرب إلى مفهوم سياسي متكامل منها إلى مجرد استعارة بلاغية.
لماذا تستدعي الدولة أكتوبر كل عام؟
منذ سنوات، تركز خطابات الرئيس السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) في ذكرى النصر على ثلاث أفكار ثابتة: تقدير تضحيات القوات المسلحة، تثبيت قيمة الوحدة الوطنية، ثم تحويل ذكرى الحرب إلى طاقة معنوية تدفع مشروع التنمية. وفي كلمة الرئاسة المصرية المنشورة في 5 أكتوبر 2026، أعاد الرئيس التأكيد على أن المصريين انتصروا في الماضي بالإرادة والإيمان والعمل، وأن المعاني نفسها مطلوبة اليوم لاستكمال مسيرة التنمية وحماية الدولة الوطنية.
سياسياً، هذا الاستدعاء السنوي يخدم أكثر من وظيفة. أولاً، يمنح الدولة لغة جامعة تتجاوز الانقسام الحزبي أو الاجتماعي، لأن أكتوبر لا تزال واحدة من أكثر اللحظات إجماعًا في الذاكرة الوطنية المصرية. ثانيًا، يربط بين الشرعية التاريخية للمؤسسة العسكرية ودورها الحالي في حماية الأمن القومي، خاصة في بيئة إقليمية مضطربة. ثالثًا، يقدّم سردية مفادها أن التنمية نفسها معركة لا تقل صعوبة عن معارك الميدان، حتى لو اختلفت الأدوات بين السلاح والاقتصاد والبنية الأساسية.
من الانتصار العسكري إلى خطاب الدولة الحديثة
في خطابات سابقة، ومنها كلمة الذكرى الثانية والخمسين في 6 أكتوبر 2025، كان الرئيس قد طرح الفكرة نفسها بوضوح: أن النصر لا يُمنح، بل يُنتزع عبر التخطيط والتنسيق وتحمل المسؤولية. الجديد في خطاب 2026 أنه جاء في توقيت إقليمي أكثر حساسية، مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وتجدد الحديث الرسمي المصري عن مركزية إقامة الدولة الفلسطينية كضمان للاستقرار والسلام. لذلك لا تبدو الإشارة إلى أكتوبر منفصلة عن الواقع الإقليمي، بل متصلة به على مستوى الرسالة: مصر التي خاضت الحرب دفاعًا عن الأرض والسيادة، تريد أيضًا تثبيت صورتها كدولة تتحدث من موقع خبرة تاريخية حين تتناول الحرب والسلام معًا.
أكتوبر في الوعي المصري: أكثر من ذكرى عسكرية
بالنسبة إلى القارئ المصري، لا تُختزل حرب أكتوبر في عبور القناة أو تحطيم خط بارليف فقط، رغم مركزية هذين الرمزين. فالحرب مثلت أيضًا لحظة استعادة ثقة مجتمع كامل بنفسه بعد نكسة 1967، وأعادت تعريف علاقة المواطن بفكرة الدولة وقدرتها على الفعل. لهذا السبب يظل استدعاء أكتوبر فعّالًا في الخطاب العام حتى بعد مرور 53 عامًا على الحرب.
اللافت أن الدولة المصرية تحرص في كل مناسبة سنوية على تأكيد أن تضحيات الجنود والضباط لم تكن حدثًا منتهيًا في الماضي، بل جزءًا من سلسلة مستمرة من حماية الحدود وصون الاستقرار. ومن هنا يصبح تكريم القوات المسلحة في ذكرى أكتوبر متصلًا مباشرة بالملفات الراهنة: الأمن القومي، حماية الحدود، الجاهزية العسكرية، والقدرة على التعامل مع محيط إقليمي سريع التقلب.
- البعد التاريخي: النصر يرمز إلى استعادة الأرض والكرامة الوطنية.
- البعد المؤسسي: القوات المسلحة تُقدَّم بوصفها ركيزة الاستقرار وصمام أمان الدولة.
- البعد التنموي: دروس الحرب تُسقَط على مسار الاقتصاد والبنية التحتية والإصلاح.
- البعد الإقليمي: الذاكرة العسكرية تُستدعى لدعم خطاب السلام القائم على التوازن والندية.
قراءة في توقيت الرسالة عام 2026
لم تأتِ تهنئة الرئيس هذا العام في فراغ. فمصر تدخل ذكرى أكتوبر وسط ملفات داخلية وخارجية ضاغطة: تحديات اقتصادية ممتدة، واهتمام رسمي متواصل ببرامج الحماية الاجتماعية ورؤية مصر 2030، إلى جانب تطورات إقليمية تجعل مسألة الاستقرار أولوية يومية لا شعارًا موسميًا. وعندما تربط الرئاسة بين نصر أكتوبر و«مواصلة بناء الجمهورية الجديدة»، فهي عمليًا تقول إن منطق الحشد الوطني المطلوب في لحظات الحرب لا يزال ضروريًا في لحظات الإصلاح الشاق.
هذا النوع من الرسائل يلقى عادة صدى واسعًا في مصر لأن الذاكرة الجمعية تربط بين الجيش والقدرة على استعادة التوازن في المراحل الصعبة. لكنه يفتح أيضًا بابًا مشروعًا للنقاش داخل قسم «تحليلات ورأي»: هل يكفي استدعاء الرموز الوطنية الكبرى لبناء تعبئة طويلة المدى؟ الإجابة الأكثر دقة أن الرمزية وحدها لا تكفي، لكنها تظل مهمة حين تُقرَن بسياسات ملموسة يشعر بها المواطن في معيشته اليومية. ومن هنا تأتي قوة خطاب أكتوبر حين يتجاوز الثناء على الماضي إلى محاولة تفسير الحاضر وصياغة معنى للمستقبل.
ما الذي تكسبه الدولة من هذا الخطاب؟
تكسب الدولة أولاً إعادة تثبيت السردية الوطنية الجامعة في وقت تتنازع فيه المجتمعات الحديثة روايات متعددة ومتناقضة. وتكسب ثانيًا توصيل رسالة للخارج بأن مصر، رغم انخراطها في خطاب السلام، لا تفصل بين السلام والقدرة. أما داخليًا، فالرسالة الأهم هي أن التحديات الاقتصادية أو الأمنية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تعبيرًا عن العجز، بل باعتبارها مرحلة تتطلب الصبر والتنظيم، على نحو شبيه بما جرى قبل العبور.
لكن هذا الخطاب يحمّل الدولة أيضًا مسؤولية مضاعفة؛ لأن استدعاء أكتوبر كرمز للكفاءة والإنجاز يرفع سقف التوقعات الشعبية تجاه الأداء الحكومي ومردود التنمية. وكلما استندت السلطة إلى التاريخ الكبير، ازدادت مطالبتها بإنتاج نتائج ملموسة توازي ثقل الرموز التي تستدعيها.
بين الذاكرة والسياسة.. لماذا تبقى «روح أكتوبر» حية؟
الجواب الأقرب إلى الواقع المصري أن أكتوبر ليست ذكرى مغلقة، بل قصة مفتوحة يُعاد تأويلها مع كل مرحلة. في سبعينيات القرن الماضي كانت عنوانًا لاستعادة الأرض. وفي العقد الأخير صارت عنوانًا إضافيًا لفكرة الدولة القادرة على البقاء والإنجاز وسط أزمات متلاحقة. وبين المعنيين، يستمر توظيفها بوصفها مصدرًا للتماسك النفسي والسياسي.
لهذا فإن تهنئة الرئيس السيسي في ذكرى أكتوبر 2026 يمكن قراءتها على مستويين معًا: مستوى مباشر يحيي بطولات القوات المسلحة والشعب المصري، ومستوى أعمق يعيد تثبيت معادلة الحكم في مصر كما تريدها الدولة: أمن قوي، مؤسسات متماسكة، وتنمية تُقدَّم باعتبارها الامتداد المدني لمعنى الانتصار العسكري.
وفي النهاية، قد تختلف القراءات السياسية لخطاب السلطة، لكن يصعب إنكار أن 6 أكتوبر يبقى أحد أكثر التواريخ قدرة على تحريك الوجدان المصري وصياغة لغة مشتركة بين الدولة والمجتمع. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو عبارة الرئيس عن بقاء «روح أكتوبر» مصدر إلهام ليست مجرد تهنئة بروتوكولية، بل إعلانًا متكررًا عن الطريقة التي تريد بها الدولة فهم نفسها وتقديم مشروعها للمصريين.