السيسي: سد جوليوس نيريري يفتح فرصًا جديدة للشركات المصرية
سد جوليوس نيريري.. بوابة مصرية جديدة داخل شرق أفريقيا
يحمل حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن نجاح الشركات المصرية في تنفيذ سد جوليوس نيريري في تنزانيا دلالة تتجاوز مجرد الإشادة بمشروع بنية تحتية ضخم؛ فهو يضع هذا الإنجاز في سياق أوسع يرتبط بتوسيع الحضور الاقتصادي المصري داخل القارة الأفريقية، وخصوصًا في دول حوض النيل وشرق أفريقيا. فالمشروع الذي نفذته شركات مصرية بات يُنظر إليه رسميًا باعتباره نموذجًا عمليًا لقدرة الخبرات المصرية على تنفيذ مشروعات عملاقة خارج الحدود، بما يفتح المجال أمام عقود جديدة في مجالات الطاقة والإنشاءات والخدمات المرتبطة بها.
الرسالة المصرية في هذا الملف واضحة: القاهرة لا تتحدث فقط عن التعاون الأفريقي من منظور سياسي، بل تسعى إلى ترجمته إلى مشروعات تنموية ملموسة على الأرض، يكون للقطاعين العام والخاص المصريين فيها دور مباشر. ومن هنا يكتسب سد جوليوس نيريري أهميته، بوصفه أحد أكبر المشروعات التي تحمل بصمة مصرية في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.
ما الذي قاله السيسي عن المشروع؟
الموقف الرئاسي المصري بشأن السد لم يأتِ من فراغ، بل بُني على متابعة ممتدة للمشروع والعلاقات مع تنزانيا. ففي أكثر من مناسبة رسمية، شدد الرئيس السيسي على أن مشروع سد جوليوس نيريري يمثل رمزًا للتعاون والصداقة بين مصر وتنزانيا، كما أكد دعم مصر الكامل للمشروعات التنموية في الدول الأفريقية الشقيقة، وعلى رأسها دول حوض النيل. وخلال اتصال هاتفي مع الرئيسة التنزانية الدكتورة سامية حسن يوم 22 ديسمبر 2025، جرى التأكيد على تطوير العلاقات الاقتصادية، مع الإشارة إلى تطلع تنزانيا إلى استقبال الرئيس المصري لافتتاح السد بعد استكماله. كما تناول لقاء السيسي والرئيسة التنزانية على هامش قمة العشرين في ريو دي جانيرو يوم 18 نوفمبر 2024 الجهود المصرية للانتهاء من إنشاء المشروع، وسط إشادة تنزانية بالدعم المصري.
هذا الربط بين إنجاز السد وفرص الأعمال المقبلة يعكس توجهًا مصريًا يعتبر نجاح المشروع شهادة ثقة يمكن البناء عليها في السوق التنزانية، وفي أسواق أفريقية أخرى تبحث عن شركاء يمتلكون خبرة تنفيذية وقدرة على التسليم في التوقيتات المطلوبة.
تفاصيل المشروع بالأرقام
وفق البيانات الرسمية المصرية وبيانات الجهات المنفذة، يعد سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية من أكبر المشروعات القومية في تنزانيا. المشروع مقام على نهر روفيجي في منطقة موروجورو داخل نطاق محمية سيلوس، ويستهدف دعم إمدادات الكهرباء وتعزيز التنمية الاقتصادية في البلاد.
- قدرة التوليد: 2115 ميجاوات.
- قيمة المشروع: نحو 2.9 مليار دولار.
- السعة التخزينية: قرابة 34 مليار متر مكعب.
- خطوط الربط: نقل الكهرباء عبر خطوط بجهد 400 كيلوفولت إلى الشبكة القومية في تنزانيا.
- أبعاد رئيسية: السد بارتفاع يبلغ 131 مترًا تقريبًا، بينما يمتد جسم السد الرئيسي بطول يتجاوز ألف متر.
وتشير البيانات المنشورة عن المشروع إلى أنه لا يقتصر على جسم السد ومحطة التوليد فقط، بل يشمل كذلك البنية المساندة من طرق وأنفاق وجسور ومحطات ربط ومعدات تشغيل، بما يجعله مشروعًا متكاملًا لا مجرد منشأة منفردة.
من نفذ المشروع؟
تولى التنفيذ تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إلكتريك، مع متابعة رسمية مصرية مستمرة للمراحل المختلفة. وفي 17 مايو 2026 أعلنت شركة المقاولون العرب أن اللجنة المشرفة على التحالف المصري أجرت زيارة ميدانية للمشروع بعد اكتماله وتشغيل جميع مكوناته، وذلك في إطار التحضير للافتتاح الرسمي المرتقب من الجانب التنزاني. وأكدت الشركة وقتها أن المشروع دخل مرحلة التشغيل الكامل، وهو تطور مهم لأنه ينقل الملف من خانة التنفيذ إلى خانة استثمار النجاح والبناء عليه في مشروعات أخرى.
كما سبق لوزارة الخارجية المصرية أن وصفت المشروع بأنه نموذج ناجح للتعاون التنموي بين البلدين، مشددة على أهميته في تعزيز استدامة التنمية في تنزانيا، وعلى دوره في تشجيع توسيع نشاط الشركات المصرية في أفريقيا.
لماذا يمثل السد فرصة للشركات المصرية؟
نجاح تنفيذ مشروع بهذا الحجم في تنزانيا يمنح الشركات المصرية أفضلية تنافسية في القارة لعدة أسباب. أولًا، لأنه يقدم سابقة تنفيذية موثقة في قطاع معقد يجمع بين الإنشاءات والطاقة والربط الكهربائي والأعمال الهندسية الثقيلة. ثانيًا، لأنه يرسخ الثقة السياسية والاقتصادية بين القاهرة ودار السلام، وهي نقطة محورية في أي تعاقدات كبرى مستقبلية. ثالثًا، لأن السوق التنزانية نفسها تمتلك احتياجات واسعة في قطاعات البنية التحتية والإسكان والطاقة والنقل والزراعة والخدمات اللوجستية.
ومن منظور مصري، فإن هذا النوع من المشروعات يحقق أكثر من هدف في وقت واحد: دعم الصادرات الخدمية والهندسية المصرية، إتاحة فرص عمل وخبرات جديدة للشركات الوطنية، وتعزيز الروابط الاقتصادية مع دولة أفريقية محورية في شرق القارة. كما أنه ينسجم مع توجه القاهرة نحو تعظيم حضورها في الأسواق الأفريقية عبر أدوات التنمية والاستثمار لا الاكتفاء بالقنوات الدبلوماسية التقليدية.
العلاقات المصرية التنزانية.. ما بعد السد
العلاقات بين مصر وتنزانيا شهدت خلال الأعوام الأخيرة دفعة متصاعدة، انعكست في الاتصالات الرئاسية والزيارات المتبادلة وتنسيق المواقف في ملفات إقليمية، إلى جانب التركيز على الاقتصاد والتجارة والاستثمار. وتؤكد البيانات الرسمية المصرية أن البلدين بحثا مرارًا تيسير عمل الشركات المصرية في تنزانيا وزيادة الاستثمارات والتعاون الفني وبناء القدرات.
وفي هذا الإطار، لا يبدو السد نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة. فحين يقول الرئيس السيسي إن نجاح المشروع يفتح الباب أمام مشروعات تنموية جديدة للشركات المصرية في تنزانيا، فإن المقصود عمليًا هو تحويل الإنجاز الهندسي إلى منصة توسع اقتصادي داخل دولة أفريقية تمتلك سوقًا نامية واحتياجات بنية تحتية كبيرة.
ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟
بالنسبة لمتابعي الشأن الأفريقي في مصر، فإن ملف سد جوليوس نيريري يقدم مثالًا مهمًا على كيفية توظيف الخبرة المصرية في خدمة مصالح مشتركة داخل القارة. فالمسألة لا تتعلق فقط بمشروع كهرباء في دولة شقيقة، بل بقدرة مصر على تصدير نموذج تنموي يربط السياسة بالاقتصاد، ويمنح الشركات المصرية موطئ قدم أقوى في أفريقيا.
ومع اقتراب الافتتاح الرسمي المرتقب، تتجه الأنظار إلى الخطوة التالية: هل يتحول نجاح السد إلى حزمة تعاقدات جديدة في تنزانيا؟ المؤشرات الرسمية تقول إن هذا الاحتمال قائم بقوة، خاصة مع الإشادة التنزانية المتكررة بالدور المصري، والاستعداد المصري المعلن لدفع مزيد من الاستثمارات والمساهمة في تنفيذ مشروعات بنية تحتية أخرى. وإذا حدث ذلك، فسيكون سد جوليوس نيريري أكثر من إنجاز هندسي؛ سيكون نقطة ارتكاز جديدة للدور الاقتصادي المصري في أفريقيا.