السيسي: ضبط السلوك يحتاج قانونًا ووعيًا دينيًا متوازنًا
رسالة سياسية تتجاوز الداخل إلى محيط أفريقيا
أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على فكرة محورية في إدارة الدول الحديثة، مفادها أن حياة المجتمعات لا تُنظم فقط عبر الوعظ أو التوجيه المعنوي، بل كذلك من خلال القوانين الواضحة وسياسات الجزاء والعقوبة التي تضمن احترام النظام العام وحماية الحقوق. هذا الطرح، الذي يربط بين التوعية الدينية وتطبيق القانون، يكتسب أهمية خاصة في لحظة إقليمية وأفريقية تتزايد فيها التحديات المرتبطة بالتطرف والهشاشة المؤسسية وتصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وتأتي هذه الرسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) متسقة مع خطاب رسمي مصري أوسع يربط بين بناء الإنسان، وترسيخ الدولة الوطنية، وتطوير أدوات إنفاذ القانون، مع الحفاظ على دور المؤسسات الدينية في تعزيز القيم العامة ومقاومة الأفكار المتشددة. وتُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن رئاسة الجمهورية أن الدولة المصرية واصلت خلال السنوات الأخيرة التشديد على أن إصلاح المجال العام لا يتحقق بأداة واحدة، بل عبر تضافر التشريع، والعدالة، والتعليم، والخطاب الديني الرشيد.
القانون كإطار منظم للدولة الحديثة
الفكرة التي شدد عليها السيسي تنطلق من مبدأ دستوري ومؤسسي واضح: الدولة الحديثة تُدار بالقواعد العامة المجردة التي تُطبق على الجميع. ويؤكد الدستور المصري، المنشور على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، أن بناء الدولة يرتكز على المؤسسات وسيادة القانون، وهو ما يجعل تطبيق التشريعات جزءًا أساسيًا من حماية الاستقرار وصون السلم المجتمعي.
وفي هذا السياق، تبرز أيضًا مشروعات تطوير منظومة العدالة وإنفاذ القانون التي عرضتها الرئاسة المصرية سابقًا، ومنها مشروع منظومة فرض وإنفاذ القانون، الذي يستهدف بناء بيئة قضائية مميكنة وموحدة بين جهات العدالة المختلفة، بما يشمل المحاكم والنيابة العامة والجهات المعنية. ووفق البيانات الرسمية، شملت المرحلة الأولى تفعيل النظام القضائي الموحد في 47 محكمة، بينها 5 محاكم استئناف و7 محاكم ابتدائية و33 مأمورية ومحكمة جزئية، بما يعكس اتجاهًا نحو رفع كفاءة التقاضي وتسهيل الوصول إلى العدالة.
هذا البعد المؤسسي مهم في قراءة تصريحات الرئيس؛ فحين يتحدث عن القوانين وسياسات الجزاء والعقوبة، فهو يربط الانضباط الاجتماعي بوجود قواعد نافذة وأجهزة قادرة على تطبيقها، وليس بمجرد الدعوات الأخلاقية وحدها.
أين تقف المؤسسات الدينية؟
في المقابل، لم يطرح الرئيس دور القانون باعتباره بديلًا عن الدور الديني أو القيمي، بل كجزء مكمل له. وهنا تظهر أهمية المؤسسات الدينية الرسمية في مصر، وعلى رأسها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، في تقديم خطاب يعزز الاعتدال ويواجه استغلال الدين في التحريض أو التبرير الأيديولوجي للعنف.
وقد أبرزت فعاليات المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الذي استضافته القاهرة يومي 19 و20 يناير 2026، هذا التوجه بوضوح، إذ أكدت الرئاسة المصرية آنذاك أن رؤية الدولة للخطاب الديني تقوم على أسس راسخة، تشمل منع اختطاف الدين من قبل تيارات التطرف، ومناقشة دور المؤسسات الدينية في تعزيز استقرار المجتمعات، إلى جانب توظيف الوسائل الرقمية في الدعوة الحديثة.
كما أشارت مناقشات فكرية ومؤسسية في مصر خلال العامين الأخيرين إلى أن مواجهة الكراهية والعنف لا يمكن أن تُختزل في المقاربات الأمنية فقط، بل تتطلب تعاونًا بين المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية. وهذا ينسجم مع الرسالة التي تفيد بأن السلوك العام يحتاج إلى توازن: وعيٌ يرسخ القيم، وقانونٌ يضع حدودًا واضحة للمخالفة.
البعد الأفريقي: لماذا يهم هذا الطرح خارج مصر؟
وبالنظر إلى موقع الخبر ضمن قسم أفريقيا، فإن أهمية هذا الخطاب لا تتوقف عند الساحة المصرية. كثير من دول القارة تواجه إشكالات متشابهة تتعلق بضعف المؤسسات، وتنامي الجماعات المتشددة، واتساع المساحات الرمادية بين سلطة الدولة وسلطة الجماعات المحلية أو الدينية أو المسلحة. وفي مثل هذه البيئات، يصبح التوازن بين بناء الوعي وتطبيق القانون شرطًا لحماية الدولة الوطنية.
الخبرة المصرية تحظى باهتمام في دوائر أفريقية عدة، خصوصًا في ملفات مكافحة التطرف، وضبط الخطاب الديني، وتعزيز دور الدولة في تقديم الخدمات وحماية الاستقرار. كما أن انخراط مصر في قمم وتحركات أفريقية خلال 2026، ومنها مشاركة السيسي في قمة Africa Forward في نيروبي خلال مايو 2026 بحسب الرئاسة المصرية، يعكس استمرار حضور القاهرة في النقاشات المتعلقة بأمن القارة والتنمية فيها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حديث الرئيس عن القانون والمؤسسات الدينية باعتباره جزءًا من نموذج أشمل تطرحه مصر في محيطها الأفريقي: دولة قوية بالمؤسسات، ودين بعيد عن التسييس العنيف، وتشريع يحمي المجتمع من الفوضى والتجاوز.
بين الردع والاقتناع
التجارب المقارنة في القارة تشير إلى أن الاقتصار على الردع وحده لا يصنع استقرارًا دائمًا، كما أن الاكتفاء بالخطاب الوعظي دون إنفاذ فعلي للقانون يترك فراغًا تستغله شبكات العنف أو الفساد أو الجريمة المنظمة. لذلك تبدو معادلة الردع القانوني والاقتناع القيمي من أكثر الصيغ واقعية في التعامل مع القضايا المجتمعية المعقدة.
وفي مصر، ظهرت هذه المقاربة في أكثر من ملف، من تحديث قوانين العقوبات في بعض الجرائم، إلى تطوير مسارات العدالة الجنائية، وصولًا إلى النقاشات التي رافقت توصيات الحوار الوطني بشأن الحبس الاحتياطي والعدالة الجنائية في أغسطس 2024، حيث شدد الرئيس على الالتزام بأحكام الدستور والحفاظ على الطبيعة الوقائية للحبس الاحتياطي وعدم تحوله إلى عقوبة في ذاته.
هذه الإشارات تعني أن النقاش حول القانون في مصر لم يعد محصورًا في فكرة العقاب فقط، بل يمتد إلى كفاءة المنظومة وعدالتها وتوازنها، وهو ما يعزز مصداقية أي حديث عن ضبط السلوك العام.
دلالة الرسالة في التوقيت الحالي
في توقيت تتعرض فيه دول أفريقية كثيرة لاختبارات قاسية تتعلق بالتماسك الاجتماعي، تبدو رسالة السيسي أقرب إلى إعلان مبدأ: لا استقرار من دون قانون، ولا فاعلية للقانون من دون ثقافة عامة تدعمه. فالمؤسسات الدينية تستطيع أن تشرح القيم، وتدعم الاعتدال، وتحصّن الوعي، لكن الدولة تظل مسؤولة عن وضع الحدود الفاصلة بين المباح والممنوع عبر تشريعات ملزمة وآليات تنفيذ فعالة.
- أولًا: القانون يبقى المرجعية النهائية لتنظيم العلاقات داخل المجتمع.
- ثانيًا: المؤسسات الدينية تلعب دورًا وقائيًا في بناء الوعي والسلوك.
- ثالثًا: التنسيق بين التعليم والإعلام والدين والعدالة ضروري لمعالجة القضايا المجتمعية.
- رابعًا: هذا النهج له أهمية خاصة في أفريقيا حيث تتقاطع تحديات الأمن والتنمية والهوية.
في المحصلة، لا تبدو تصريحات الرئيس مجرد تعليق عابر على الشأن الداخلي، بل جزءًا من تصور أوسع لإدارة المجتمعات في مرحلة شديدة الحساسية. وبينما تبحث دول أفريقية عديدة عن صيغ ناجحة لمقاومة الفوضى والتطرف وحماية مؤسساتها، يطرح الخطاب المصري معادلة واضحة: وعي ديني منضبط، وقانون نافذ، ودولة قادرة على التطبيق. وهذه، في النهاية، هي القاعدة التي تُبنى عليها الثقة العامة والاستقرار طويل المدى.