Akhbar Cairo

السيسي في احتفال المولد النبوي 2024: رسائل عن الأخلاق وبناء الإنسان

السيسي يربط بين المناسبة الدينية ورسالة إنسانية أوسع

في مشهد حمل أبعادًا دينية وسياسية ورمزية، شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) يوم الاثنين 16 سبتمبر 2024 احتفال مصر الرسمي بذكرى المولد النبوي الشريف، وهي المناسبة التي خُصصت هذا العام لتأكيد معاني الأخلاق وبناء الإنسان، إلى جانب تكريم عدد من كبار العلماء والوعاظ من مصر والعالم الإسلامي. ووفق البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، أُقيمت الفعالية بحضور كبار مسؤولي الدولة والقيادات الدينية، في إطار تقليد رسمي تحرص القاهرة على تنظيمه سنويًا.

الاحتفال اكتسب هذا العام أهمية خاصة لأن الكلمة الرئاسية جاءت مركزة على فكرة أن إحياء ذكرى ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يجب أن يظل في حدود الطابع الاحتفالي، بل ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لاستدعاء القيم المؤسسة لرسالة الإسلام، وفي مقدمتها الرحمة، والتعايش، واحترام الإنسان، والعمل من أجل العمران والتنمية. هذا المنحى يضع المناسبة في سياق أوسع يتجاوز الإطار المحلي إلى خطاب يخاطب العالم الإسلامي والإنسانية بصورة أشمل.

من حضر الاحتفال؟

بحسب الرئاسة المصرية، شارك في الاحتفال الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، والدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية، إلى جانب رئيسي مجلسي النواب والشيوخ وعدد من الوزراء وكبار رجال الدولة. كما تضمن البرنامج تلاوة آيات من القرآن الكريم، وكلمة لوزير الأوقاف، وعرض فيلم تسجيلي بعنوان «رحمة للعالمين»، ثم كلمة للإمام الأكبر أحمد الطيب، قبل الكلمة الختامية للرئيس.

وتشير المواد المنشورة من الأزهر إلى أن كلمة الإمام الأكبر أحمد الطيب تناولت البعد الإنساني والرحمي في الرسالة النبوية، وهو ما انسجم مع الرسالة العامة للاحتفال، التي بدت كأنها تربط بين الاحتفاء بالمناسبة الدينية وبين ضرورة استعادة منظومة أخلاقية قادرة على مواجهة أزمات العنف والانقسام في العالم المعاصر.

تكريم علماء الأزهر والأوقاف

أكدت الرئاسة أن الرئيس السيسي قام خلال الاحتفال بتكريم عدد من كبار العلماء والوعاظ، ومنح عددًا من المكرمين من علماء الأزهر ووزارة الأوقاف وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى. كما شهدت المناسبة منح نوط الاستحقاق من الطبقة الأولى لاسم المرحوم خالد محمد شوقي عبد العال، سائق سيارة نقل المواد البترولية، الذي توفي متأثرًا بإصابته بعد حادث اشتعال سيارة إمداد بنزين داخل محطة وقود بمنطقة العاشر من رمضان، في لفتة جمعت بين تقدير العلماء وتكريم نماذج التضحية في المجتمع.

وهذا البعد في الاحتفال يعكس اتجاهًا مصريًا واضحًا لإبراز دور المؤسسات الدينية الرسمية، وعلى رأسها الأزهر ووزارة الأوقاف، بوصفها حائط صد أمام الأفكار المتشددة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن القدوة المجتمعية لا تقتصر على المجال الديني فقط، بل تمتد أيضًا إلى نماذج الفداء والانضباط والمسؤولية العامة.

ما الذي ركزت عليه كلمة الرئيس؟

في نص الكلمة المنشور رسميًا، وضع الرئيس السيسي عدة محاور رئيسية، على رأسها أن ذكرى المولد النبوي تبعث معاني الإنسانية الحقيقية، وأن الرسالة الإسلامية في جوهرها قامت على المحبة والإخاء وبناء الإنسان. كما شدد على أن مهمة تكوين الإنسان ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي عمل تشاركي بين المؤسسات الدينية والعلمية والثقافية والشبابية والإعلامية، مع منح الأسرة دورًا أساسيًا في هذه المنظومة.

ومن أبرز ما ورد في الكلمة أيضًا التشديد على بناء الإنسان أخلاقيًا وعلميًا وثقافيًا ومعرفيًا، مع الدعوة إلى استخدام الوسائل الحديثة والأساليب المتطورة بما يواكب طبيعة العصر. وتبرز هنا محاولة واضحة للربط بين الخطاب الديني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة، في وقت تواجه فيه مجتمعات كثيرة أسئلة متعلقة بالهوية والتعليم والقدرة على التصدي للخطاب المتطرف أو الإقصائي.

كما أكد الرئيس أن الدولة المصرية مستمرة في دعم جهود نشر الفكر الوسطي المستنير ومواجهة الأفكار الهدامة، وهي عبارة تتكرر في مناسبات رسمية عدة داخل مصر، وتكشف عن تمسك المؤسسات الرسمية بفكرة أن الأمن الفكري لا يقل أهمية عن الأمن التقليدي، خصوصًا في منطقة لا تزال تشهد صراعات دينية وسياسية ممتدة.

رسالة إلى الداخل المصري.. ودلالة تتجاوز الحدود

رغم أن الاحتفال يندرج في مناسبة دينية محلية، فإن مضمون الكلمة حمل دلالة يمكن قراءتها في إطار أوسع يهم جمهور قسم «العالم». فحين تتحدث أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان عن ضرورة الحوار بدل الإكراه، وعن الرحمة بدل الكراهية، وعن التنمية بدل الهدم، فإن الرسالة لا تتوقف عند الشأن الداخلي المصري فقط، بل تمتد إلى النقاش العالمي الدائر حول صورة الإسلام في زمن الاستقطاب والحروب الثقافية.

ومن هذه الزاوية، بدا الاحتفال المصري محاولة لتقديم تصور رسمي عن الدين بوصفه قوة للاستقرار والتماسك المجتمعي، لا منصة للصدام. هذا التصور ينسجم كذلك مع الدور الذي يسعى الأزهر الشريف إلى ترسيخه دوليًا باعتباره مرجعية سنية كبرى في قضايا الوسطية والحوار بين الأديان.

لماذا تحظى هذه المناسبة بمتابعة واسعة في مصر؟

تحظى احتفالات المولد النبوي في مصر بمتابعة شعبية ورسمية واسعة، لأن المناسبة تجمع بين البعد الروحي المتجذر في الوجدان المصري وبين حضور الدولة ومؤسساتها الدينية. ومع كل كلمة رئاسية في هذا السياق، يزداد الاهتمام بما إذا كانت الرسائل المطروحة ستقتصر على الإطار القيمي، أم ستنعكس أيضًا على ملفات مثل التعليم الديني، وتجديد الخطاب، والإعلام، وبناء الشخصية الوطنية القادرة على التعامل مع عالم متغير. وفي احتفال 2024، بدا أن التركيز انصب بوضوح على فكرة الإنسان باعتباره نقطة الانطلاق لأي إصلاح جاد.

خلاصة المشهد

يمكن تلخيص احتفال المولد النبوي الشريف لعام 2024 في مصر بأنه مناسبة جمعت بين التكريم الرمزي للعلماء، والتأكيد السياسي على مركزية الأخلاق، وإعادة طرح ملف بناء الإنسان كأولوية وطنية. وبينما حملت الكلمة الرئاسية طابعًا دينيًا واضحًا، فإن مضمونها اتجه أيضًا إلى قضايا أوسع تتصل بالتماسك الاجتماعي وصورة الإسلام ورسائل الاعتدال في عالم يعاني الاستقطاب. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن الحدث لا يتوقف عند كونه بروتوكولًا رسميًا، بل يمثل مؤشرًا على الكيفية التي تريد بها الدولة صياغة خطابها الديني والإنساني أمام الداخل والخارج معًا.