السيسي في دار السلام للمشاركة بالقمة الإفريقية للطاقة
السيسي يصل إلى تنزانيا للمشاركة في قمة الطاقة الإفريقية
وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مدينة دار السلام في جمهورية تنزانيا المتحدة للمشاركة في أعمال القمة الإفريقية للطاقة، وهي القمة التي انعقدت يومي 27 و28 يناير 2025 بمشاركة عدد كبير من القادة الأفارقة وشركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية. وتأتي المشاركة المصرية في توقيت بالغ الأهمية، مع تصاعد الاهتمام القاري بملف أمن الطاقة وتوسيع الوصول إلى الكهرباء باعتباره أحد مفاتيح النمو الاقتصادي والتنمية الصناعية في أفريقيا.
وجرى استقبال الرئيس المصري لدى وصوله إلى مطار جوليوس نيريري الدولي في دار السلام من جانب محمود ثابت كومبو وزير الخارجية والتعاون الشرق أفريقي التنزاني، إلى جانب السفير شريف إسماعيل سفير مصر لدى تنزانيا وأعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية هناك. ويعكس هذا الاستقبال الطابع الرسمي للمشاركة المصرية في القمة، كما يبرز أهمية العلاقات المصرية التنزانية داخل الإطار الأفريقي الأوسع.
قمة قارية تحت عنوان توسيع الكهرباء في أفريقيا
القمة استضافتها تنزانيا بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي ومجموعة البنك الأفريقي للتنمية ومجموعة البنك الدولي، ضمن مسار Mission 300 الهادف إلى توصيل الكهرباء إلى 300 مليون أفريقي بحلول عام 2030. ووفق البيانات الصادرة عن البنك الأفريقي للتنمية، فإن القارة ما زال يعيش فيها نحو 600 مليون شخص دون كهرباء، وهو ما يجعل ملف الطاقة في صدارة أولويات التنمية الأفريقية خلال السنوات المقبلة.
وتحمل هذه القمة بعدًا عمليًا يتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ خُصصت لمناقشة الإصلاحات المطلوبة في قطاعات الكهرباء والطاقة، وتحفيز الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والحلول اللامركزية، إلى جانب تعزيز الربط الإقليمي بين الدول الأفريقية. كما استهدفت القمة جمع الحكومات مع مؤسسات التمويل والقطاع الخاص حول خارطة طريق قابلة للتنفيذ.
لماذا تهم هذه القمة مصر؟
بالنسبة لمصر، تأتي المشاركة في قمة الطاقة الإفريقية منسجمة مع تحرك مصري أوسع داخل القارة في ملفات الطاقة والبنية التحتية والتكامل الإقليمي. فالقاهرة تطرح نفسها خلال السنوات الأخيرة بوصفها طرفًا فاعلًا في دعم مشروعات الربط الكهربائي، والتوسع في الطاقات المتجددة، ونقل الخبرات الفنية والمؤسسية إلى الدول الأفريقية الشقيقة.
كما أن موقع مصر داخل معادلة الطاقة الأفريقية لا يرتبط فقط بالإنتاج المحلي أو مشروعات الكهرباء الداخلية، بل يمتد إلى أدوار مرتبطة بربط أسواق الطاقة، ودعم التنمية في دول حوض النيل وشرق أفريقيا، والمشاركة في بلورة رؤى أفريقية مشتركة بشأن التمويل العادل لمشروعات الطاقة النظيفة. ومن هذا المنطلق، فإن حضور الرئيس السيسي في دار السلام يحمل أيضًا رسالة سياسية تتعلق بتمسك مصر بالحضور النشط داخل القضايا التنموية الكبرى في القارة.
دار السلام مركزًا لنقاشات الطاقة الأفريقية
اختيار دار السلام لاستضافة القمة لم يكن تفصيلًا عابرًا. فالمدينة التنزانية أصبحت في يناير 2025 نقطة التقاء للقادة والمؤسسات الدولية المعنية بقطاع الطاقة، في وقت تسعى فيه تنزانيا نفسها إلى توسيع الاستثمارات في الكهرباء وتحسين الوصول إلى الطاقة. ووفق البرنامج الرسمي للقمة، فقد شارك فيها قادة دول، ومسؤولون حكوميون، وممثلو بنوك تنمية، ومستثمرون، وخبراء من مختلف أنحاء القارة.
وتزامن انعقاد القمة مع دفع سياسي واضح نحو إقرار ما عرف لاحقًا باسم إعلان دار السلام للطاقة، وهو إعلان تبنته دول أفريقية دعما لمسار إصلاح قطاع الطاقة وتوسيع الوصول للكهرباء. وتشير وثائق البنك الأفريقي للتنمية اللاحقة إلى أن 48 دولة أفريقية أيدت الإعلان، بما جعله أحد أبرز مخرجات القمة على المستوى القاري.
تمويلات تتجاوز 50 مليار دولار
من أبرز المؤشرات التي خرجت بها القمة أن شركاء Mission 300 أعلنوا حشد دعم يتجاوز 50 مليار دولار لمساندة التحول في قطاع الطاقة بأفريقيا. كما أوضح البنك الأفريقي للتنمية أن المؤسستين الرئيسيتين في المبادرة، وهما البنك الأفريقي للتنمية والبنك الدولي، تخططان لتخصيص 48 مليار دولار من التمويل حتى عام 2030، مع إمكانية تعديل الرقم وفق احتياجات التنفيذ وتطورات المشروعات.
هذه الأرقام تعكس حجم الرهان على القمة، ليس فقط باعتبارها مناسبة سياسية، بل باعتبارها منصة لتوجيه الاستثمارات نحو أحد أكثر القطاعات إلحاحًا في أفريقيا. فغياب الكهرباء لا ينعكس على المنازل فقط، بل يمتد إلى المصانع والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه وفرص العمل، وهي قضايا تهم القارئ المصري حين ينظر إلى أفريقيا باعتبارها عمقًا استراتيجيًا وسوقًا واعدة وشريكًا تنمويًا متصل المصالح.
مصر وأفريقيا: حضور يتجاوز المشاركة الرمزية
التحرك المصري في القمم الأفريقية ذات الطابع التنموي يندرج ضمن مقاربة تقوم على الجمع بين السياسة والاقتصاد. فمصر لا تتعامل مع القارة فقط من منظور العلاقات الدبلوماسية التقليدية، وإنما عبر ملفات عملية تشمل الطاقة والربط الكهربائي والاستثمار والأمن المائي والنقل. ولهذا، فإن المشاركة في قمة الطاقة بتنزانيا تكتسب أهمية خاصة داخل قسم أفريقيا، لأنها ترتبط بمستقبل البنية الأساسية والتنمية العابرة للحدود في الإقليم.
وفي السياق نفسه، تفتح القمة مجالًا لتعزيز التشاور بين مصر ودول شرق أفريقيا بشأن سبل التعاون في الطاقة والبنية التحتية، خاصة مع تنامي الحاجة إلى مشروعات إقليمية تربط بين الإنتاج والنقل والتمويل. كما أن القمم من هذا النوع تمنح فرصة لتنسيق المواقف الأفريقية قبل التفاوض مع مؤسسات التمويل الدولية والشركاء العالميين حول شروط الاستثمار، وأولويات التحول الطاقي، ومسارات الانتقال العادل.
ما الذي يمكن متابعته بعد القمة؟
الأنظار بعد وصول الرئيس السيسي إلى دار السلام اتجهت إلى ما ستسفر عنه الاجتماعات والجلسات الرسمية من تفاهمات أو مواقف مصرية مرتبطة بأولويات الطاقة في القارة. ومن المتوقع أن تبقى المتابعة مركزة على عدة ملفات رئيسية:
- توسيع الوصول إلى الكهرباء في الدول الأفريقية منخفضة التغطية.
- التمويل الدولي لمشروعات الطاقة والبنية التحتية.
- الربط الكهربائي الإقليمي بين دول القارة.
- الطاقة المتجددة ودور القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات.
- التنسيق المصري الأفريقي داخل المبادرات القارية ذات الأولوية.
وفي المجمل، فإن وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا للمشاركة في القمة الإفريقية للطاقة يعكس استمرار الحضور المصري في الملفات التنموية الكبرى داخل القارة، خصوصًا تلك المرتبطة بالكهرباء والاستثمار والنمو المستدام. كما يؤكد أن معركة التنمية في أفريقيا لم تعد تقتصر على الخطابات السياسية، بل باتت مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بقدرة الحكومات والشركاء على تحويل التعهدات إلى مشروعات وتمويلات وشبكات طاقة تخدم مئات الملايين من الأفارقة.