السيسي في منتدى مصر 2026: تحصين الأطفال يبدأ بوعي ديني متزن
السيسي يربط مكافحة التطرف ببناء الإنسان منذ الطفولة
جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي طرحه لملف الوعي الديني باعتباره أحد المفاتيح الأساسية في حماية المجتمع من التطرف، مؤكدًا خلال فعاليات منتدى مصر 2026 أن المواجهة الحقيقية لا تبدأ فقط من الإجراءات الرادعة، لكنها تنطلق أولًا من تكوين وعي ديني متزن لدى الأطفال، يرسخ قيم الاعتدال والانتماء واحترام الآخر.
وتأتي تصريحات الرئيس في سياق أوسع يشهده المنتدى، الذي أُطلق هذا الشهر بهدف فتح حوار عام حول أولويات الدولة وقضايا المواطن، مع جلسات تناقش الأمن الوطني، والخدمات، والتنمية، وبناء الوعي. ووفق البيانات الرسمية، انطلقت أعمال المنتدى في العاصمة الإدارية الجديدة بعد إطلاق جلساته التحضيرية وموقعه الإلكتروني مطلع أكتوبر 2026، باعتباره منصة للحوار بين الحكومة والمواطنين والمتخصصين وممثلي قطاعات المجتمع المختلفة.
ماذا قال الرئيس في منتدى مصر 2026؟
الرسالة الأساسية التي برزت في حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي كانت أن التطرف لا يُهزم بالأمن وحده. فإلى جانب إنفاذ القانون، شدد على أن بناء شخصية الطفل على أسس دينية وفكرية متوازنة يظل خط الدفاع الأول قبل وصول الأفكار المتشددة إليه. وركزت الرؤية المطروحة على ضرورة أن تكون عملية التوعية مستمرة، تبدأ من البيت، وتساندها المدرسة، وتدعمها المؤسسات الدينية والإعلامية.
كما ربط الرئيس بين هذا المسار وبين احترام حرية الاعتقاد، وهي نقطة تكررت في الخطاب الرسمي المصري خلال السنوات الماضية بوصفها جزءًا من مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون وعدم السماح بتوظيف الدين في إنتاج الكراهية أو العنف.
المنتدى في سياق اهتمام رسمي ببناء الوعي
بحسب الهيئة العامة للاستعلامات، فإن منتدى مصر 2026 دُعي إليه ليكون ساحة للاستماع إلى آراء المواطنين ومناقشة القضايا المؤثرة في حياتهم اليومية، مع التركيز على أولويات المرحلة المقبلة. كما شهدت الأيام الأخيرة جلسات تناولت الأمن الوطني وأمن المواطن، حيث أكد الرئيس يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 أن رفع وعي المواطنين يمثل أحد ركائز حماية الاستقرار الداخلي، واصفًا المواطن بأنه خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات زعزعة الدولة.
هذا الربط بين الأمن والوعي يفسر لماذا أعاد الرئيس في حديثه التأكيد على ملف الأطفال تحديدًا؛ فمرحلة النشأة تعد الأكثر حساسية في تشكيل القيم والانتماء، كما أنها المرحلة التي تتعرض فيها الأجيال الجديدة لتأثيرات متشابكة، من الأسرة إلى المدرسة، ومن المنصات الرقمية إلى الخطاب العام في المجتمع.
لماذا يركز الخطاب الرسمي على الأطفال؟
التركيز على الأطفال ليس تفصيلًا عابرًا. فالمؤسسات الرسمية في مصر تتعامل مع بناء الوعي بوصفه مشروعًا ممتدًا، لا يقتصر على تصحيح المفاهيم الدينية بعد انتشارها، بل يستهدف منع تشكلها من الأصل. ومن هنا يبرز الحديث عن التربية المبكرة، واللغة الدينية الرصينة، والقدرة على تقديم خطاب يفهمه الصغار بلغة تناسب أعمارهم، بعيدًا عن التلقين أو الترهيب.
وفي هذا الإطار، تحدثت جهات رسمية خلال 2026 عن أهمية الأسرة في تأسيس الوعي، فيما شددت مؤسسات دينية وإعلامية مصرية على أن مواجهة الفكر المتطرف تحتاج إلى خطاب معتدل يرسخ قيم التعايش، ويحصن الهوية الوطنية، ويواجه محاولات التشويه والاستقطاب، خصوصًا عبر الفضاء الرقمي.
دوائر التأثير على وعي الطفل
- الأسرة: بوصفها المساحة الأولى لغرس قيم التسامح والانضباط واحترام الاختلاف.
- المدرسة: عبر المناهج والأنشطة التي تعزز التفكير النقدي والانتماء الوطني.
- المؤسسات الدينية: من خلال تقديم فهم وسطي منضبط للدين.
- الإعلام والمنصات الرقمية: لما لها من تأثير مباشر ومتسارع على تشكيل المواقف والتصورات.
- القانون: باعتباره الإطار الذي يردع التحريض والكراهية ويحمي السلم المجتمعي.
بين الوعي وتطبيق القانون
في المقابل، لم يطرح الرئيس الوعي بديلًا عن القانون، بل باعتباره مكملًا له. ففكرة تكامل التوعية مع تطبيق القانون تعني أن الدولة ترى المواجهة على مستويين: الأول وقائي، يمنع تغلغل الفكر المتشدد في العقول، والثاني ردعي، يتعامل مع أي خروج على القانون أو تهديد لأمن المجتمع.
هذا التصور ينسجم مع مواقف مصرية سابقة شددت على أن محاربة الإرهاب والتطرف لا تقتصر على المواجهة الأمنية، وإنما تحتاج كذلك إلى تجديد الخطاب الديني، وتوسيع مساحات التثقيف، وتحسين أدوات التواصل مع الشباب والأطفال. كما يظهر في المبادرات ذات الصلة بتصحيح المفاهيم وتعزيز الخطاب الوسطي التي دعمتها مؤسسات دينية ورسمية خلال العامين الماضيين.
حرية الاعتقاد في قلب الرسالة السياسية
الشق الآخر في التصريحات يتعلق بالتأكيد على حرية الاعتقاد. وفي السياق المصري، يحمل هذا الطرح دلالات سياسية ومجتمعية مهمة، لأنه يربط بين مكافحة التطرف وبين الحفاظ على صيغة الدولة التي تقوم على المواطنة لا على الفرز الديني أو المذهبي. كما يعكس استمرار التأكيد الرسمي على أن التدين المتزن لا يتعارض مع احترام التنوع، بل يرفض الإكراه والكراهية معًا.
وبالنسبة لقطاع واسع من القراء في مصر، فإن هذا الربط يبدو متصلًا أيضًا بالنقاشات الجارية حول دور التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية في حماية النشء من الرسائل المتشددة أو المحتوى العنيف المنتشر عبر بعض المنصات. لذلك، فإن الإشارة إلى حرية الاعتقاد هنا لا تبدو منفصلة عن ملف الأمن الفكري، بل جزءًا من تعريف أوسع للاستقرار المجتمعي.
السيسي وملف تجديد الخطاب الديني
تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي لا تنفصل عن مسار أطول تبنته الدولة خلال السنوات الأخيرة بشأن تجديد الخطاب الديني. وقد سبق للرئيس أن شدد في أكثر من مناسبة على أهمية التصدي للتفسيرات المنغلقة، والدفع نحو خطاب ديني مستنير يواكب تحديات العصر، ويحافظ في الوقت نفسه على الثوابت. كما أن مؤسسات مثل دار الإفتاء ووزارة الأوقاف والأزهر شاركت خلال 2025 و2026 في مبادرات وتحركات تستهدف ترسيخ الاعتدال ومواجهة خطاب الكراهية.
وفي هذا السياق، برز أخيرًا توقيع بروتوكول تعاون بين الهيئة العامة للاستعلامات ودار الإفتاء المصرية لتعزيز الخطاب الديني المعتدل ودعم جهود التوعية العامة، وهو ما يعكس أن الملف لم يعد دينيًا فقط، بل بات متداخلًا مع الإعلام والهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي.
دلالة التصريحات في التوقيت الحالي
أهمية ما طرحه الرئيس الآن ترتبط بطبيعة اللحظة نفسها. فمنتدى مصر 2026 جاء أساسًا تحت شعار يركز على قراءة الحاضر والاستعداد للمستقبل، ومع اتساع النقاشات حول التعليم والثقافة والإعلام والشباب، بدا الحديث عن الأطفال والوعي الديني جزءًا من رؤية أشمل لبناء الإنسان المصري.
ومن الناحية السياسية، تحمل الرسالة مضمونًا واضحًا: الاستقرار لا يُصان فقط بالمؤسسات القوية، بل أيضًا بعقول قادرة على التمييز بين الدين والتطرف. أما من الناحية الاجتماعية، فهي دعوة إلى أن تتحمل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلام مسؤولية مشتركة في حماية النشء من الانجراف وراء الأفكار المتشددة.
وبهذا المعنى، فإن حديث الرئيس في المنتدى لا يقتصر على توصيف خطر قائم، بل يطرح خريطة طريق عنوانها: وعي مبكر، خطاب ديني متزن، قانون حاضر، ومواطنة مصونة. وهي معادلة تبدو مصر حريصة على تثبيتها في خطابها الداخلي، خاصة في ظل التحديات الفكرية والإقليمية المحيطة.