السيسي: منتدى العلمين منصة دائمة لربط قادة إفريقيا بالمستثمرين
مصر من العلمين: رسالة ثقة في مستقبل القارة الإفريقية
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر تنظر إلى مستقبل إفريقيا بثقة كبيرة، مشددًا على أن القارة لا ينقصها لا المورد ولا الإنسان ولا الفرصة، بقدر ما تحتاج إلى تحويل أطر التعاون القائمة إلى أدوات عملية أكثر كفاءة تخدم مصالح الشعوب. وجاءت تصريحات الرئيس خلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الإفريقي، الذي استضافته مدينة العلمين الجديدة صباح الأحد 4 أكتوبر 2026، بمشاركة قادة أفارقة ورؤساء تجمعات اقتصادية إقليمية ومسؤولي الاتحاد الإفريقي.
وفي كلمته، قال السيسي إن مصر حرصت على إطلاق منتدى «العلمين - إفريقيا للأعمال» ليكون منصة دورية تجمع بين القادة وصناع القرار من جهة، والمستثمرين والمؤسسات التمويلية من جهة أخرى، بما يعزز فرص تحويل النقاشات السياسية إلى شراكات اقتصادية ومشروعات قابلة للتنفيذ على الأرض. كما أعلن تطلع مصر إلى استقبال القادة الأفارقة مجددًا في الدورة الثانية للمنتدى عام 2028.
العلمين الجديدة في قلب الحراك الإفريقي
اختيار العلمين الجديدة لاستضافة هذا الزخم الإفريقي لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا. فالرئاسة المصرية أوضحت قبل انعقاد الفعاليات أن المدينة استضافت أولًا منتدى العلمين إفريقيا للأعمال يومي 2 و3 أكتوبر، ثم قمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية «أودا-نيباد» في 3 أكتوبر، قبل أن تختتم الاستضافة المصرية بالقمة التنسيقية الثامنة للاتحاد الإفريقي يوم 4 أكتوبر. ويعكس هذا الترتيب محاولة مصر الربط بين المسار السياسي، والمؤسسي، والاقتصادي في إدارة الملف الإفريقي من الأراضي المصرية.
كما قدمت العلمين نفسها، في الخطاب المصري الرسمي، بوصفها نموذجًا لتحويل الجغرافيا من آثار الحرب إلى مساحات للاستثمار والتنمية. الرئيس عبد الفتاح السيسي لمّح إلى هذه الفكرة بوضوح، معتبرًا أن المدينة التي ارتبطت تاريخيًا بمخلفات الحرب العالمية الثانية باتت اليوم منصة للعمل والبناء، في رسالة رمزية موجهة إلى القارة بشأن إمكانات إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات.
من التنسيق إلى التكامل
الرسالة الأساسية في كلمة الرئيس المصري كانت أن إفريقيا لم تعد بحاجة إلى الاكتفاء بتنسيق المواقف، بل إلى تكامل القدرات. ومن هذا المنطلق، دعا إلى انتقال العمل الإفريقي المشترك من مستوى الطموحات العامة إلى برامج محددة ومؤثرة في حياة المواطنين، مؤكدًا أن ضغوط التوترات الجيوسياسية، وتكلفة الطاقة والغذاء والتمويل، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد، تجعل العمل الجماعي ضرورة لا خيارًا.
السيسي شدد أيضًا على ثوابت السياسة المصرية تجاه القارة، وفي مقدمتها رفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية، واحترام السيادة ووحدة الأراضي، مع التأكيد على أن إدارة القضايا العابرة للحدود، بما في ذلك الموارد الطبيعية والأنهار المشتركة، يجب أن تقوم على القانون الدولي والتشاور وعدم الإضرار.
المياه والتجارة وإعادة الإعمار.. أولويات مطروحة
الكلمة المصرية في العلمين لم تقتصر على الجانب السياسي، بل امتدت إلى ملفات التنمية المباشرة. فقد رحبت القاهرة باختيار «توفير مياه مستدامة ونظم صرف صحي آمنة» موضوعًا للاتحاد الإفريقي لعام 2026، كما ثمنت اعتماد وثيقة رؤية وسياسة إفريقيا للمياه 2063، مع الدعوة إلى الإسراع بإعداد أول خطة تنفيذية لها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أعاد الرئيس التأكيد على أهمية التفعيل الكامل لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وتُظهر بيانات الاتحاد الإفريقي أن اتفاقية المنطقة دخلت حيز النفاذ في 30 مايو 2019، بينما بدأ التداول التجاري في إطارها فعليًا في 1 يناير 2021، وهو ما يجعلها واحدة من أهم أدوات الاندماج الاقتصادي في القارة. وتراهن مصر على هذا المسار لزيادة التجارة البينية، ودعم التصنيع، وتوسيع سلاسل القيمة داخل إفريقيا بدلًا من تصدير المواد الخام وإعادة استيرادها كمنتجات نهائية.
وفي السياق نفسه، ربط السيسي بين الاقتصاد والسلام، معتبرًا أن التشابك الاقتصادي بين الدول الإفريقية يخلق مصالح متبادلة تدعم الاستقرار. كما أشار إلى ملف إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، وهو الملف الذي تضطلع فيه مصر بدور بارز داخل الاتحاد الإفريقي، خاصة مع استضافة القاهرة لمركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات.
منتدى العلمين.. لماذا تراهن عليه مصر؟
تراهن القاهرة على منتدى العلمين إفريقيا للأعمال باعتباره قناة عملية لتقريب القطاع الخاص من صانع القرار الإفريقي. ووفق التصريحات الرسمية المصرية، أُقر المنتدى بمبادرة مصرية ليُعقد مرة كل عامين في مدينة العلمين، بما يمنحه طابعًا مؤسسيًا يتجاوز فكرة الفعالية الموسمية. هذا التوجه يعكس رغبة مصر في أن تكون العلمين الجديدة نقطة التقاء إفريقية في ملفات الاستثمار والتمويل والتكامل الإقليمي.
كما أن مشاركة مؤسسات اقتصادية ومالية إفريقية ودولية في المنتدى تمنح القاهرة فرصة لتعزيز حضورها في شبكة المصالح الاقتصادية بالقارة. ومن بين الأسماء التي برزت في الفعاليات المرتبطة بالمنتدى هذا العام، جورج إلومبي، رئيس البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك»، إلى جانب محمود علي يوسف رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، في إشارة إلى الوزن المؤسسي للحدث.
دلالات مصرية للقارئ المحلي
بالنسبة للقارئ المصري، تحمل هذه الرسائل أبعادًا تتجاوز التغطية الدبلوماسية المعتادة. فاستضافة مصر لهذه القمم في العلمين الجديدة ترتبط بصورة الدولة التي تسعى إلى توظيف مشروعاتها العمرانية الجديدة في خدمة أدوارها الإقليمية، وربط التنمية الداخلية بالحضور الخارجي. كما أن التركيز على التجارة الحرة، والبنية التحتية، والمياه، وإعادة الإعمار، يتقاطع مباشرة مع ملفات تتحرك فيها مصر منذ سنوات على المستويين السياسي والاقتصادي داخل القارة.
ومن الناحية العملية، فإن تحويل العلمين إلى منصة إفريقية دورية للأعمال قد يفتح مساحة أكبر أمام الشركات المصرية، والبنوك، والمطورين، ومجتمعات الأعمال للدخول في شراكات أوسع مع الأسواق الإفريقية. وهو ما يفسر تمسك القاهرة بخطاب يجمع بين السياسة والاستثمار والتنمية في مناسبة واحدة.
خلاصة الموقف
خلاصة ما طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة العلمين أن مصر تريد لإفريقيا أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى بناء القدرات، ومن التنسيق المؤسسي إلى التكامل الحقيقي. وبينما حملت كلمته رسائل سياسية حول السيادة والاستقرار، فإنها حملت أيضًا رهانًا اقتصاديًا واضحًا على منتدى العلمين إفريقيا للأعمال كأداة دائمة لربط القادة بالمستثمرين والتمويل، مع موعد جديد حددته القاهرة سلفًا في عام 2028. وفي هذا السياق، تبدو العلمين الجديدة أكثر من مجرد مدينة مضيفة؛ بل واجهة مصرية لطرح تصور متكامل عن موقع القاهرة في مستقبل القارة.