Akhbar Cairo

السيسي من سول: شراكة استراتيجية جديدة بين مصر وكوريا

ماذا قال السيسي في سول؟

حمل المؤتمر الصحفي المشترك الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس جمهورية كوريا لي جاي ميونغ في العاصمة الكورية سول، صباح الخميس 8 أكتوبر 2026، رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارة الرسمية. فالكلمة التي ألقاها الرئيس المصري ركزت على نقطة محورية هي إعلان رفع العلاقات المصرية الكورية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما يفتح مرحلة جديدة في التعاون بين القاهرة وسول على المستويات السياسية والاقتصادية والتنموية.

الزيارة الحالية تأتي بدعوة من الرئيس الكوري، وتمثل أول زيارة للسيسي إلى كوريا الجنوبية منذ عام 2016، بينما أشار الجانب الكوري إلى أن اللقاء الجديد جاء بعد نحو 11 شهرًا من زيارة لي جاي ميونغ إلى مصر في نوفمبر 2025، وهو ما يعكس وتيرة متسارعة في الاتصالات بين البلدين خلال أقل من عام.

إعلان الشراكة الاستراتيجية

في كلمته الرسمية، قال الرئيس السيسي إن العلاقات بين البلدين شهدت خلال السنوات العشر الماضية نقلة نوعية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والصناعة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والطاقة الجديدة والمتجددة. وعلى هذا الأساس، أعلن الجانبان الارتقاء بالعلاقات إلى شراكة استراتيجية، باعتبارها إطارًا أوسع للتعاون في المرحلة المقبلة.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الإعلان لا تتوقف عند البعد الدبلوماسي وحده، بل ترتبط كذلك بما يمكن أن يترتب عليه من توسيع للاستثمارات الكورية في السوق المصرية، لا سيما في القطاعات الصناعية والتكنولوجية التي تراهن عليها الدولة في خطط التصنيع وزيادة الصادرات.

لماذا تكتسب الخطوة أهمية خاصة؟

  • لأن كوريا الجنوبية تعد من الاقتصادات الصناعية والتكنولوجية الكبرى في آسيا.
  • لأن مصر تمثل بالنسبة للشركات الكورية بوابة إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
  • لأن العلاقات بين البلدين تملك أساسًا دبلوماسيًا ممتدًا؛ إذ تشير بيانات الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن العلاقات رُفعت إلى مستوى السفارات عام 1995.
  • لأن الزيارة تأتي ضمن جولة آسيوية بدأها الرئيس السيسي من سول قبل محطات أخرى في المنطقة.

رسائل اقتصادية: التكنولوجيا والصناعة في الصدارة

السيسي شدد في حديثه على أن التعاون مع كوريا لا ينبغي أن يبقى في الإطار التقليدي، بل يجب أن يستفيد من الإمكانات الكبيرة لدى الطرفين. وهنا برزت كلمات مثل التكنولوجيا والصناعة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة بوصفها عناوين رئيسية للأجندة الجديدة.

وقبل المؤتمر الصحفي بيوم واحد، شارك الرئيس المصري في سول في مائدة مستديرة مع رؤساء كبرى الشركات وممثلي مجتمع الأعمال الكوري، حيث ناقش الجانبان فرص إقامة شراكات استراتيجية ومستدامة، وأبدت شركات كورية اهتمامًا بالعمل في مصر بالنظر إلى موقعها الجغرافي ومكانتها كبوابة للأسواق الأفريقية والإقليمية.

هذا الاهتمام ليس نظريًا فقط. فالحضور الكوري في مصر قائم بالفعل عبر شركات معروفة للمستهلك المصري، وفي مقدمتها سامسونج إلكترونيكس، التي تُظهر وثائقها الرسمية استمرار نشاطها الصناعي في بني سويف، كما أن هيونداي روتِم لديها سجل واضح في مشروعات النقل والسكك الحديدية داخل السوق المصرية. وفي تطور لافت تزامن مع الزيارة، أعلنت هيونداي روتِم يوم 8 أكتوبر 2026 توقيع مذكرة تفاهم مع الهيئة القومية للأنفاق في مصر للتعاون بشأن نظام ترام هيدروجيني في العاصمة الإدارية الجديدة، وهو ما يعكس كيف يمكن أن تتحول اللقاءات السياسية إلى مسارات تنفيذية على الأرض.

ماذا قال السيسي عن القضايا الإقليمية؟

الشق الثاني من كلمة الرئيس المصري انصرف إلى الملفات الإقليمية والدولية، وهو أمر متوقع في أي قمة تجمع مصر بدولة مؤثرة في آسيا مثل كوريا الجنوبية. السيسي قال إنه استعرض الجهود المصرية الهادفة إلى استعادة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وضمان سلامة وحرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، ومنع توسع الأزمات إلى ساحات إضافية.

كما أكد تمسك مصر بموقفها الداعم لاستقرار منطقة القرن الأفريقي، مع رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر تكون على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدة أراضيها. وهذه النقطة تعكس استمرار القاهرة في النظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره ملفًا استراتيجيًا مباشر الصلة بالأمن القومي المصري.

ملف مياه النيل حاضر في سول

من أبرز ما ورد في الكلمة أيضًا تأكيد السيسي أن مياه النيل مسألة وجودية للشعب المصري، موضحًا أن النهر يمثل شريان حياة لأكثر من 100 مليون مصري. وفي الوقت نفسه، جدد موقف مصر الداعم للتنمية في دول حوض النيل، مع الرفض الصريح لأي إجراءات أحادية تمس الحقوق المائية المصرية أو تخالف قواعد القانون الدولي ذات الصلة.

إثارة هذا الملف في مؤتمر صحفي خارج المنطقة العربية والأفريقية تعكس رغبة مصر في تثبيت روايتها أمام شركائها الدوليين، وشرح أن قضية المياه بالنسبة للقاهرة ليست مجرد خلاف فني، بل مسألة أمن قومي وسيادة وحق في الحياة والتنمية.

غزة والقضية الفلسطينية في قلب الرسائل المصرية

القضية الفلسطينية حضرت بوضوح في كلمة السيسي من سول. فقد جدد الرئيس المصري تأكيد موقف القاهرة الداعي إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، بما يشمل إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ولم يتوقف الخطاب عند الإطار السياسي العام، بل تضمن أيضًا رسالة عملية حين أعرب السيسي عن تطلع مصر إلى مشاركة كورية فاعلة مستقبلًا في إعادة إعمار قطاع غزة. كما شدد على الرفض الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني، وعلى رفض التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذه الصياغات تعكس استمرار ثوابت الدبلوماسية المصرية في المحافل الدولية: دعم الدولة الفلسطينية، رفض التهجير، والعمل على حشد شركاء دوليين للمساهمة لاحقًا في جهود إعادة الإعمار.

سياق الزيارة: من البروتوكول إلى المصالح

البرنامج الرسمي للزيارة، وفق ما أعلنه الجانبان المصري والكوري، شمل مراسم استقبال رسمية في سول، وقمة ثنائية، وتوقيع مذكرات تفاهم، إلى جانب غداء دولة وأنشطة اقتصادية. ومن الواضح أن القاهرة تنظر إلى كوريا الجنوبية باعتبارها شريكًا يمكن البناء معه في مجالات التصنيع المتقدم، والتحول الرقمي، والنقل، والطاقة، وهي ملفات تتقاطع مع أولويات مصر التنموية في السنوات الأخيرة.

كما أن الزيارة تحمل بعدًا رمزيًا مهمًا؛ إذ تأتي في سياق مرور ثلاثة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفارات بين البلدين منذ 1995، مع سعي الطرفين إلى نقل هذه العلاقة من مستوى التعاون الثنائي التقليدي إلى مستوى أكثر اتساعًا ومأسسة.

خلاصة المشهد

ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) في سول يمكن تلخيصه في ثلاث دوائر مترابطة: شراكة استراتيجية جديدة مع كوريا الجنوبية، ودفع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي إلى الأمام، وإعادة طرح المواقف المصرية الثابتة بشأن مياه النيل والقضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر أمام شريك آسيوي مهم.

وبلغة المصالح، فإن القمة المصرية الكورية لا تبدو مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل محاولة لبناء إطار أوسع يربط بين احتياجات مصر في الاستثمار والتكنولوجيا، وطموح كوريا الجنوبية إلى توسيع حضورها في أفريقيا والشرق الأوسط. وإذا تُرجمت المباحثات إلى مشروعات واتفاقات قابلة للتنفيذ، فقد تتحول زيارة سول إلى واحدة من أبرز محطات التحرك المصري في آسيا خلال عام 2026.