السيسي وإيفيان: كيف تعزّز مصر نفوذها في غزة والمنطقة؟
السيسي في إيفيان: حضور يتجاوز البروتوكول
لم تكن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية بين 15 و17 يونيو 2026 مجرد حضور رمزي لدولة شريكة، بل بدت أقرب إلى اختبار عملي لقدرة القاهرة على تحويل الدعوات الدولية الرفيعة إلى رصيد تفاوضي مباشر في أكثر ملفات المنطقة حساسية، وفي مقدمتها غزة والاستقرار الإقليمي. ووفق ما أعلنته رئاسة الجمهورية، فإن مشاركة مصر جاءت بصفتها دولة مدعوة، في ثاني حضور مصري لقمة مجموعة السبع بعد مشاركة بياريتز في أغسطس 2019، بما يعكس استمرار الاعتراف الدولي بوزن القاهرة في ملفات الشرق الأوسط وإفريقيا.
هذا المعنى تعزز أيضًا مع ما نقلته الرئاسة الفرنسية من أن السيسي سيكون له "صوت مسموع ومؤثر" داخل القمة، خصوصًا في قضايا الشرق الأوسط. بالنسبة للقارئ المصري، فهذه العبارة ليست تفصيلاً لغويًا؛ لأنها تكشف أن باريس، بصفتها الدولة المضيفة، لم تنظر إلى مصر بوصفها ضيفًا شرفيًا، بل باعتبارها طرفًا قادرًا على الإسهام في صياغة مقاربات عملية لأزمات الإقليم.
لماذا تهم دعوة مجموعة السبع مصر الآن؟
توقيت الدعوة مهم بقدر أهمية الدعوة نفسها. فالقمة انعقدت بينما لا تزال غزة في قلب التفاعلات الدولية، ومع استمرار التوترات الممتدة من الضفة الغربية إلى لبنان وإيران وممرات الطاقة والتجارة. وفي هذا السياق، قالت الرئاسة المصرية إن أجندة القمة شملت النمو الاقتصادي العالمي، والأزمات الجيوسياسية، وتداعياتها على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. هذا الربط يهم مصر تحديدًا، لأن القاهرة تدفع منذ شهور بفكرة أن أمن الشرق الأوسط ليس ملفًا سياسيًا منفصلًا، بل عنصر مؤثر في الاقتصاد الدولي والملاحة والطاقة والهجرة.
ومن هنا، فإن الوجود المصري داخل منصة تجمع القوى الصناعية الكبرى يتيح نقل الرؤية المصرية من مستوى المناشدات الدبلوماسية إلى مستوى المصلحة الدولية المشتركة. أي أن القاهرة تقول عمليًا لشركائها الغربيين إن تهدئة غزة ليست فقط ضرورة إنسانية أو سياسية، بل جزء من حماية استقرار المتوسط، وخفض ضغوط الهجرة، وتأمين مسارات التجارة والطاقة.
لقاء كوستا: تثبيت مصر كشريك أوروبي في ملف غزة
أحد أهم مشاهد إيفيان كان لقاء السيسي مع أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، على هامش القمة. كوستا كتب بعد اللقاء أن مصر "شريك استراتيجي رئيسي للاتحاد الأوروبي وركيزة للاستقرار الإقليمي"، موضحًا أن النقاش تناول أحدث التطورات في غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران، مع تقديره لجهود مصر في الوساطة واستعداد الاتحاد الأوروبي للعمل مع الشركاء من أجل تنفيذ خطة السلام ودعم سلام عادل ودائم.
سياسيًا، يحمل هذا الموقف الأوروبي أكثر من دلالة. أولًا، إنه اعتراف صريح بأن القاهرة ليست مجرد قناة اتصال، بل وسيط ضروري. ثانيًا، أنه يضع الوساطة المصرية داخل إطار أوروبي رسمي، لا كمبادرة منفردة قابلة للتجاوز. وثالثًا، أنه يربط بين الدور المصري وبين مفهوم السلام المستند إلى القانون الدولي، وهي نقطة تمنح القاهرة سندًا إضافيًا عندما تتحدث عن وقف الحرب، ورفض التهجير، ودعم حل الدولتين.
لقاء فون دير لاين: من السياسة إلى أدوات النفوذ
لقاء السيسي مع أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، مهم لأنه يربط السياسة بالتمويل والشراكات. فالعلاقة بين مصر والاتحاد الأوروبي لم تعد تقف عند حدود التنسيق السياسي؛ إذ جرى في 17 مارس 2024 رفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشاملة. ووفق المفوضية الأوروبية، تستند هذه الشراكة إلى ست أولويات مشتركة، وتدعمها حزمة مالية قيمتها 7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027، تشمل 5 مليارات يورو مساعدات مالية كلية ميسرة، و1.8 مليار يورو استثمارات إضافية، و600 مليون يورو منحًا إضافية، منها 200 مليون يورو لإدارة الهجرة.
هذا البعد المالي يهم قراءة تحركات السيسي في إيفيان؛ لأن القاهرة لا تفاوض فقط بأوراق جغرافيا السياسة، بل أيضًا بموقعها كدولة ترتبط مع أوروبا بحزمة مصالح ضخمة تشمل الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار. وعندما تلتقي القيادة المصرية مع رأسَي المجلس والمفوضية الأوروبيين في لحظة توتر إقليمي، فإن الرسالة الأساسية هي أن استقرار مصر جزء من استقرار المتوسط، وأن أي مقاربة أوروبية لغزة أو للهجرة أو لأمن البحر المتوسط يصعب فصلها عن الدور المصري.
كيف يخدم ذلك موقع مصر التفاوضي في غزة؟
الجواب يكمن في الجمع بين الشرعية الميدانية والغطاء الدولي. فمصر تمتلك بحكم الجغرافيا والحدود والمعابر والخبرة التراكمية دورًا ميدانيًا مباشرًا في ملف غزة، لكن هذا الدور يصبح أقوى تفاوضيًا عندما يحظى بإسناد من منصات كبرى مثل مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي. وليس من المصادفة أن قادة السبع كانوا قد أكدوا في بيانهم الصادر في 16 يناير 2025 بشأن اتفاق وقف إطلاق النار وصفقة الرهائن، شكرهم لمصر وقطر والولايات المتحدة على جهود الوساطة، داعين إلى احترام الاتفاق ومواصلة التفاوض على مراحله اللاحقة.
كما أن البيان الجيوسياسي الصادر عن قمة مجموعة السبع في إيفيان يوم 17 يونيو 2026 أكد أن القادة سيعجلون الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة، إلى جانب الدعوة لإنهاء العنف في الضفة الغربية. وبالنسبة لمصر، فإن هذا التطور مهم لأنه يقرّب الموقف الدولي من أولويات تطرحها القاهرة منذ بداية الأزمة: وقف التصعيد، زيادة المساعدات، والانطلاق إلى ترتيبات سياسية وأمنية تمنع إعادة إنتاج الانفجار.
من غزة إلى الإقليم: توسيع هامش الحركة المصرية
الملف لا يتوقف عند غزة وحدها. فحين يتحدث الأوروبيون مع السيسي في إيفيان عن لبنان وإيران والضفة الغربية، فهم يقرون ضمنيًا بأن مصر طرف يمكنه المساهمة في إدارة شبكة أزمات مترابطة، لا أزمة منفصلة. وهذا يرفع من قيمة القاهرة التفاوضية؛ لأنها تقدم نفسها كدولة قادرة على الربط بين التهدئة في غزة، ومنع اتساع المواجهة إقليميًا، وحماية استقرار البحر المتوسط وطرق التجارة.
هذا التصور يتسق أيضًا مع المسار المؤسسي للعلاقة مع أوروبا. ففي 15 يونيو 2026، عقد مجلس المشاركة الحادي عشر بين مصر والاتحاد الأوروبي في لوكسمبورج برئاسة مشتركة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، وأكد البيان المشترك التزام الجانبين بسلام دائم ومستدام قائم على حل الدولتين، كما جدد التعاون بشأن تنفيذ أجندة الإصلاح الوطنية المصرية وبرنامج المساعدة المالية الكلية الأوروبي.
ماذا تكسب مصر داخليًا وخارجيًا؟
خارجيًا، تكسب مصر تثبيت صورتها كطرف لا يمكن تجاوزه في ملفات الحرب والتهدئة وإعادة الإعمار. وداخليًا، يفيد هذا الحضور في دعم سردية الدولة المصرية بأنها لا تتحرك فقط برد الفعل، بل تبني شبكة مصالح وشراكات تحمي أمنها القومي وتمنحها قدرة أكبر على التفاوض مع العواصم الكبرى.
- أولًا: تعميق الاعتراف الدولي بدور مصر كوسيط أساسي في غزة.
- ثانيًا: تحويل الشراكة مع الاتحاد الأوروبي إلى رافعة سياسية وليست اقتصادية فقط.
- ثالثًا: ربط استقرار مصر وأمن حدودها بمصالح أوروبية مباشرة في الهجرة والطاقة والتجارة.
- رابعًا: توسيع هامش المناورة المصرية في ملفات الإقليم من خلال حضور منتظم في دوائر القرار الدولي.
الخلاصة: دبلوماسية الفرصة لا دبلوماسية المجاملة
ما جرى في إيفيان يقدم نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف القاهرة للقمم الدولية الكبرى. فدعوة السيسي إلى مجموعة السبع، ولقاءاته مع أنطونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين، لم تكن مجرد لقطات بروتوكولية، بل جزءًا من دبلوماسية الفرصة: استثمار منصة دولية رفيعة لتكريس مصر كقوة توازن إقليمي، وكشريك أوروبي لا غنى عنه عندما يتعلق الأمر بغزة والتهدئة والاستقرار الأوسع في الشرق الأوسط.
وبهذا المعنى، فإن مصر لا تسعى فقط إلى شرح موقفها، بل إلى تعظيم كلفة تجاوزها في أي ترتيبات تخص غزة أو الإقليم. وكلما اتسع الاعتراف الدولي بأن الأمن الإقليمي يمر عبر القاهرة، زادت قدرة مصر على التفاوض من موقع الشريك الضروري، لا الطرف المتلقي لقرارات الآخرين.