السيسي وتنزانيا: لماذا تراهن مصر على التفاهم داخل حوض النيل؟
إشادة تحمل ما هو أبعد من البروتوكول
حين يثمّن الرئيس عبد الفتاح السيسي مواقف تنزانيا، ويعبّر عن تطلع مصر إلى تعزيز دور دار السلام في دعم التفاهم بين دول حوض النيل، فإن الرسالة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد مجاملة دبلوماسية. في السياق الأفريقي الحالي، تبدو هذه الإشارة جزءًا من مقاربة مصرية أوسع تسعى إلى توسيع دوائر التوافق داخل القارة، خصوصًا في الملفات المتصلة بالأمن المائي، والتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، وتداعيات الاضطراب المستمر في القرن الأفريقي.
الرهان المصري هنا واضح: بناء شبكة من الشركاء الأفارقة الذين يفضلون منطق التنسيق والتسويات التوافقية على منطق الاستقطاب. وتنزانيا، بحكم موقعها السياسي وعلاقاتها الهادئة نسبيًا مع أطراف متعددة في شرق أفريقيا، تبدو من الدول المرشحة للعب دور داعم في هذا الاتجاه.
لماذا تنزانيا مهمة في الحسابات المصرية؟
تنزانيا ليست فقط دولة أفريقية كبيرة ذات ثقل سياسي في شرق القارة، لكنها أيضًا طرف مؤثر داخل الفضاء الجغرافي والسياسي المرتبط بمنابع النيل وبحركة التوازنات في الإقليم. ومن منظور القاهرة، فإن كسب مزيد من التفاهم مع دار السلام يساعد على ترسيخ مقاربة قائمة على التعاون الإقليمي، بدلًا من تحويل ملف المياه إلى ساحة صراع مفتوح.
العلاقات بين البلدين شهدت خلال الأعوام الأخيرة تطورًا لافتًا. الرئاسة المصرية كانت قد أعلنت في 22 ديسمبر 2025 اتصالًا هاتفيًا بين الرئيس السيسي والرئيسة التنزانية سامية حسن، تناول تهنئتها بفوزها بولاية رئاسية ثانية، مع تأكيد الجانبين أهمية تعزيز التشاور السياسي المشترك، ودفع العلاقات الاقتصادية والاستثمارات المصرية في السوق التنزانية، إلى جانب التعاون في مشروعات البنية التحتية. كما أبدت الرئيسة التنزانية، وفق البيان الرئاسي، تطلعها إلى استقبال الرئيس السيسي في تنزانيا وافتتاح سد جوليوس نيريري.
هذا التطور ليس منفصلًا عن سجل تعاون عملي قائم بالفعل. فالمشروع الأبرز في العلاقات الثنائية يظل سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا، الذي تنفذه شركتا المقاولون العرب والسويدي إليكتريك. ووفق بيانات منشورة عن العلاقات المصرية التنزانية، يستهدف المشروع إنتاج 2115 ميجاوات من الكهرباء، بما يجعله أحد أكبر مشروعات البنية التحتية والطاقة في شرق أفريقيا.
حوض النيل: من التوتر إلى إدارة الخلاف
العبارة المتعلقة بـدعم التفاهم بين دول حوض النيل هي جوهر الخبر سياسيًا. فالقاهرة تحاول منذ فترة إعادة طرح خطاب يقوم على أن إدارة ملف النيل لا يجب أن تنزلق إلى مسارات صفرية، وأن الاستقرار الإقليمي يمر عبر قواعد القانون الدولي، ومبدأ عدم الإضرار، والتنسيق المسبق، والتعاون متعدد الأطراف.
هذا المعنى ظهر بوضوح في تحركات مصرية حديثة مع عدد من الدول الأفريقية. ففي البيان المشترك بين مصر وأوغندا خلال زيارة الرئيس السيسي إلى كمبالا في 13 مايو 2026، شدد الجانبان على دعم استدامة إدارة الموارد المائية وتعزيز التماسك على مستوى حوض النيل كله، كما رحبا باستمرار الجهود التشاورية داخل مبادرة حوض النيل بما يعزز التوافق والشمولية والتعاون بين دول الحوض.
كما أن وزارة الخارجية المصرية واصلت في 2026 اتصالاتها مع عدد من العواصم الأفريقية لبحث القضايا الإقليمية والأمن المائي. وفي هذا الإطار، رصدت البيانات الرسمية اتصالًا بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظيره التنزاني محمود ثابت كومبو في 8 مايو 2026، تناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل الرؤى بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك في القارة الأفريقية.
من هنا، تبدو الإشادة المصرية بتنزانيا رسالة موجهة في أكثر من اتجاه. فهي، أولًا، تقدير لدولة تحافظ على خطاب متزن داخل الفضاء الأفريقي. وهي، ثانيًا، محاولة لدعم دور الدول التي يمكن أن تساند إعادة بناء الثقة بين أطراف حوض النيل. وهي، ثالثًا، تأكيد أن القاهرة تفضل توسيع قاعدة التفاهمات الأفريقية بدل الاكتفاء بردود الفعل المرتبطة بالأزمات.
البعد المصري: الأمن المائي بلغة أقل صدامًا
بالنسبة للقارئ المصري، يظل السؤال الأساسي: ماذا تكسب القاهرة من هذا المسار؟ الإجابة أن مصر تراهن على تحويل بعض الدول الأفريقية من موقع الحياد السلبي إلى موقع الشريك في تهدئة الخلافات. فكلما اتسعت دائرة الدول المؤيدة لفكرة الحلول التوافقية، زادت فرص منع انفجار جديد في ملف حوض النيل.
اللافت أن الخطاب المصري في الشهور الأخيرة يميل إلى الجمع بين الثبات في الدفاع عن الحقوق المائية، وبين المرونة في بناء التحالفات. ففي لقاءات وبيانات رسمية أخرى خلال 2026، أكدت القاهرة التمسك بقواعد القانون الدولي للمجاري المائية العابرة للحدود، وبمبدأ عدم الإضرار، مع التشديد على أن التعاون الإقليمي هو الطريق الأكثر استدامة لتحقيق مصالح شعوب الحوض.
هذا لا يعني أن الخلافات الأساسية اختفت، لكنه يعني أن مصر تحاول نقل النقاش من مربع التجاذب الحاد إلى مربع إدارة التوازنات. وتنزانيا، بحكم علاقاتها المتوازنة وخبرتها في العمل الأفريقي متعدد الأطراف، قد تكون عنصرًا مساعدًا في هذا التحول.
القرن الأفريقي والشرق الأوسط: توسيع أجندة التشاور
الخبر لم يتوقف عند حوض النيل، بل أشار أيضًا إلى التشاور بشأن الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وهذه نقطة مهمة، لأنها تكشف أن القاهرة تنظر إلى تنزانيا باعتبارها شريكًا سياسيًا في محيط أفريقي أوسع، وليس فقط في ملف المياه.
القرن الأفريقي يظل منطقة شديدة الحساسية لمصر، سواء بسبب ارتباطه بأمن البحر الأحمر، أو بتوازنات شرق أفريقيا، أو بتداعيات الأزمات في السودان والصومال ومحيطهما. وفي مثل هذا المشهد، تصبح العلاقات مع دول أفريقية وازنة مثل تنزانيا أداة لتعزيز الرؤية المصرية داخل القارة، خصوصًا إذا اقترنت هذه العلاقات بتعاون اقتصادي وتنموي ملموس.
وهنا تبرز ميزة المقاربة المصرية مع دار السلام: أنها لا تقوم على السياسة وحدها، بل على مزيج من الدبلوماسية والتنمية والاستثمار وبناء القدرات. الهيئة العامة للاستعلامات نشرت في مايو 2026 أن الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية سيرت بعثة إنسانية وطبية إلى تنزانيا، شملت تخصصات علاجية وتدريبًا للكوادر الطبية التنزانية، وهو ما يعكس أن أدوات النفوذ المصري في أفريقيا لم تعد مقتصرة على القنوات الرسمية التقليدية.
ما الذي يمكن توقعه لاحقًا؟
الأرجح أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من التنسيق المصري التنزاني على ثلاثة مسارات متوازية:
- المسار السياسي: توسيع التشاور حول قضايا حوض النيل والقرن الأفريقي داخل الأطر الأفريقية.
- المسار الاقتصادي: دفع الاستثمارات المصرية في السوق التنزانية، خاصة في البنية التحتية والطاقة والتشييد.
- المسار التنموي: استمرار برامج التدريب والدعم الفني والرعاية الصحية وبناء القدرات.
وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية للإشادة الرئاسية الأخيرة لا تكمن في عبارتها المباشرة فقط، بل في كونها تعكس تصورًا مصريًا أكثر نضجًا لإدارة علاقاتها الأفريقية: أقل صخبًا، وأكثر اعتمادًا على الشراكات العملية، وأشد حرصًا على تحويل العلاقات الثنائية إلى رصيد سياسي في القضايا الكبرى.
خلاصة المشهد
إشادة الرئيس السيسي بمواقف تنزانيا تحمل دلالة تتجاوز اللحظة الخبرية. فهي تشير إلى أن القاهرة ترى في دار السلام شريكًا يمكن البناء عليه في دعم التفاهم بين دول حوض النيل، وفي تثبيت مقاربة أفريقية أكثر عقلانية تجاه الملفات الخلافية. وبالنسبة لمصر، التي تضع الأمن المائي في صدارة أولوياتها القومية، فإن أي دولة تدعم منطق التوافق داخل الحوض تصبح ذات وزن خاص في الحسابات الاستراتيجية.
لهذا، فإن متابعة مسار العلاقات المصرية التنزانية لم تعد شأنًا بروتوكوليًا أو اقتصاديًا فحسب، بل باتت جزءًا من قراءة أوسع لكيفية تحرك مصر داخل أفريقيا في لحظة إقليمية معقدة؛ لحظة تختبر فيها القاهرة قدرتها على الجمع بين الدفاع عن المصالح، وتوسيع مساحات التفاهم.