Akhbar Cairo

السيسي وجوتيريش في بريكس: فلسطين مفتاح استقرار الشرق الأوسط

لقاء في نيودلهي يتجاوز المجاملة الدبلوماسية

جاء لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش (@antonioguterres على إنستغرام) على هامش القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026، في توقيت إقليمي شديد الحساسية. فمثل هذه اللقاءات لا تُقرأ فقط بوصفها بروتوكولاً جانبياً على هامش قمة دولية، بل باعتبارها جزءاً من معركة أوسع على تعريف أولويات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وهي المعركة التي تتمسك فيها القاهرة بخيط سياسي ثابت: لا استقرار حقيقياً من دون حل عادل ونهائي للقضية الفلسطينية.

المعنى السياسي الأهم في الرسالة المصرية هو أن القاهرة لا تتعامل مع فلسطين باعتبارها بنداً إنسانياً أو أزمة قابلة للإدارة المؤقتة، بل باعتبارها أصلًا من أصول الاضطراب الإقليمي. هذه المقاربة تعيد ترتيب النقاش الدولي: بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعيات الحرب والتصعيد، تدفع مصر نحو معالجة السبب البنيوي الذي يُنتج موجات متلاحقة من العنف وعدم اليقين.

ما الذي نعرفه عن سياق اللقاء؟

الهيئة العامة للاستعلامات نشرت في 11 سبتمبر 2026 ملفاً توثيقياً حول مشاركة الرئيس السيسي في قمة بريكس بنيودلهي، وأكدت أن القمة تُعقد تحت شعار “بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة”، وأن مشاركة مصر تأتي للعام الثالث على التوالي منذ انضمامها رسمياً إلى التجمع في يناير 2024. كما أوضح الملف أن الرئيس يترأس الوفد المصري ويعقد سلسلة لقاءات ثنائية مع قادة دول ومسؤولي منظمات دولية على هامش القمة.

وفي السياق نفسه، أكدت الأمم المتحدة أن أنطونيو جوتيريش وصل إلى نيودلهي في 11 سبتمبر 2026 للمشاركة في القمة، حيث التقى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل انطلاق الاجتماعات، وبحثا أولويات رئاسة الهند لبريكس وتداعيات النزاعات الجارية في الشرق الأوسط وأوكرانيا على الاقتصاد العالمي والغذاء والأسمدة وحرية الملاحة. هذا السياق يوضح أن ملف الشرق الأوسط كان بالفعل حاضراً بقوة على طاولة القمة، وليس مجرد موضوع ثانوي.

لماذا تصر القاهرة على ربط الاستقرار بفلسطين؟

من منظور تحليلي، لا تبدو الرسالة المصرية جديدة، لكنها تزداد وضوحاً وصلابة مع اتساع كلفة الفوضى الإقليمية. فالقاهرة تعتبر أن استمرار الاحتلال، وغياب أفق سياسي جاد، وتكرار محاولات فرض وقائع أحادية على الأرض، كلها عوامل تُبقي المنطقة في حالة اشتعال منخفض أو مرتفع الدرجة. وهذا ما ينعكس على ملفات أخرى تمس الأمن القومي العربي مباشرة: أمن الحدود، تدفقات النزوح، اضطراب التجارة، تهديد الملاحة، وارتفاع كلفة الطاقة والغذاء.

الرئيس السيسي كان قد شدد قبل أيام، خلال مؤتمر صحفي في العلمين في 8 سبتمبر 2026، على أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هي السبيل الوحيد لضمان استدامة السلم والاستقرار في المنطقة. أهمية تكرار هذا الموقف في أكثر من منصة، من المتوسط إلى بريكس، أنه يحول الرسالة المصرية من موقف ظرفي إلى إطار سياسي متماسك ومقصود.

هذا الإصرار يعكس أيضاً إدراكاً مصرياً بأن المجتمع الدولي يميل أحياناً إلى التعامل مع الأزمات عبر أدوات الإغاثة والاحتواء، بينما تحتاج المنطقة إلى تسوية سياسية ذات مرجعية واضحة. ومن هنا يصبح الحديث عن فلسطين، في الرؤية المصرية، حديثاً عن نظام إقليمي لا عن ملف ثنائي فقط.

بريكس كمنصة سياسية لا اقتصادية فقط

رغم أن بريكس يُنظر إليه غالباً باعتباره إطاراً اقتصادياً ومالياً، فإن مشاركة مصر في قممه واجتماعاته الوزارية خلال 2026 أظهرت رغبة القاهرة في استخدام المنصة أيضاً لطرح رؤيتها بشأن الأزمات الدولية والإقليمية. ووفق بيانات هيئة الاستعلامات، ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس إلى نحو 53.5 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 45 مليار دولار في 2024، كما صعدت الصادرات المصرية إلى دول التجمع من 9.5 مليار دولار إلى 14 مليار دولار.

لكن الأرقام، على أهميتها، ليست القصة كلها. فالقاهرة تريد من عضويتها أن تمنحها مساحة أوسع داخل توازنات الجنوب العالمي، وأن توفر لها منبراً لتأكيد أن إصلاح الاقتصاد العالمي لا ينفصل عن إصلاح مقاربات الأمن والسلم الدوليين. ولهذا يبدو طبيعياً أن يتحول لقاء السيسي وجوتيريش في نيودلهي إلى مساحة لربط الأزمات الإنسانية بالمسببات السياسية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ما الذي تكسبه مصر من هذا الخطاب الآن؟

هناك ثلاثة مستويات يمكن قراءة الموقف المصري من خلالها:

  • أولاً: مستوى الدور الإقليمي. القاهرة ترسخ نفسها باعتبارها طرفاً مركزياً في أي مسار يخص غزة، والتهدئة، وتبادل الأسرى والمحتجزين، وإدخال المساعدات، ومنع توسيع الحرب.
  • ثانياً: مستوى الشرعية السياسية. حين تربط مصر الاستقرار بحل القضية الفلسطينية، فهي تستند إلى مرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، لا إلى ترتيبات مؤقتة قابلة للانهيار.
  • ثالثاً: مستوى الرسالة الدولية. مصر تقول لشركائها في بريكس وللأمم المتحدة إن الجنوب العالمي لا يريد فقط تمويلاً وتنمية، بل يريد أيضاً عدالة سياسية في القضايا المزمنة التي ظلت لعقود بلا حل.

هذه المعادلة تفسر لماذا تبدو القاهرة حريصة على أن يتردد موقفها نفسه في مناسبات مختلفة، سواء في اللقاءات الثنائية أو القمم متعددة الأطراف. فالتأثير السياسي لا يتشكل من تصريح منفرد، بل من تراكم الرسائل وتوحيدها.

جوتيريش ومأزق النظام الدولي

أما بالنسبة إلى أنطونيو جوتيريش، فإن لقائه مع السيسي يكتسب أهمية إضافية لأن الأمم المتحدة نفسها تقف أمام اختبار صعب في الشرق الأوسط. الأمين العام دأب خلال الشهور الماضية على التحذير من اتساع النزاعات وتأثيرها على الاقتصاد العالمي والأمن الإنساني، فيما أظهرت مباحثاته في نيودلهي مع مودي أن قضايا الشرق الأوسط حاضرة بقوة في أجندته الدولية.

غير أن المعضلة الأساسية تبقى في الفجوة بين التشخيص والقدرة على الفعل. فالأمم المتحدة تملك لغة القانون الدولي، لكنها لا تملك دائماً أدوات الإلزام، خصوصاً عندما تصطدم الملفات بتوازنات القوى الكبرى. وهنا تحديداً تحاول مصر أن تدفع باتجاه إبقاء الملف الفلسطيني داخل مركز النقاش الدولي، لا على هامشه.

الرسالة المصرية للقارئ العربي

بالنسبة إلى القارئ المصري والعربي، لا يتعلق الأمر فقط بلقاء بين رئيس دولة وأمين عام منظمة دولية. الأهم هو ما إذا كانت هذه اللقاءات تُترجم إلى ضغط سياسي متزايد يعيد القضية الفلسطينية إلى موضعها الطبيعي باعتبارها قضية أمن إقليمي وعدالة تاريخية في آن واحد. وهذا ما سعت القاهرة إلى تأكيده في نيودلهي: لا يكفي احتواء النتائج، بل يجب معالجة الجذر.

في هذا المعنى، تبدو الرسالة التي حملها السيسي في لقائه مع جوتيريش متسقة مع توجه مصري أوسع يرفض اختزال أزمات المنطقة في بعدها الإنساني أو الأمني فقط. فالاستقرار، كما تراه القاهرة، يبدأ من الاعتراف بأن السلام الدائم لا يُبنى على إدارة الصراع، بل على تسويته.

خلاصة تحليلية

اللقاء المصري الأممي على هامش قمة بريكس لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل محطة كاشفة عن كيفية تحرك مصر داخل فضاء دولي يتغير بسرعة. فمن نيودلهي، أرادت القاهرة أن تقول إن تعدد الأزمات في الشرق الأوسط لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأساسية: حل القضية الفلسطينية ليس مطلباً أخلاقياً فقط، بل شرطاً سياسياً واستراتيجياً للاستقرار.

وفي لحظة تتشابك فيها ملفات الحرب والاقتصاد والطاقة والملاحة، تبدو هذه الرسالة أكثر من مجرد موقف مبدئي؛ إنها محاولة لإعادة توجيه البوصلة الدولية نحو أصل المشكلة، لا أعراضها. وهذا، في جوهره، هو الرهان المصري المستمر.