Akhbar Cairo

السيسي ورئيسة تنزانيا يدفعان شراكة النقل والطاقة للأمام

دفعة جديدة للعلاقات المصرية التنزانية

تتجه العلاقات بين مصر وتنزانيا إلى مرحلة أكثر اتساعًا على مستوى التعاون الاقتصادي والتنموي، بعدما شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيسة تنزانيا سامية صلوحو حسن توقيع مذكرتي تفاهم في مجالي النقل والطاقة، بالتوازي مع مباحثات تناولت سبل تطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وفتح مسارات إضافية للتعاون في الزراعة والموانئ والبنية الأساسية. ويعكس هذا التحرك استمرار الرهان المصري على شرق أفريقيا باعتباره مجالًا حيويًا للتكامل التجاري واللوجستي، خاصة مع الأهمية المتزايدة لتنزانيا كبوابة بحرية وبرية داخل الإقليم.

ورغم أن بعض تفاصيل المذكرات الجديدة لم تُعلن كاملة في المصادر الرسمية المتاحة على نطاق واسع، فإن مسار العلاقات بين القاهرة ودار السلام خلال العامين الأخيرين يوضح بجلاء أن ملفي النقل والطاقة باتا في قلب الأجندة المشتركة. ففي 20 مارس 2025 نقل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رسالة من الرئيس السيسي إلى الرئيسة التنزانية، ركزت على تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التنسيق في عدة قطاعات، كما شارك في الزيارة وفد من رجال الأعمال المصريين في مجالات البنية التحتية واللوجستيات والزراعة والطاقة والصناعة والأمن الغذائي.

النقل: تنزانيا بوابة استراتيجية لشرق أفريقيا

أحد أبرز محاور التقارب الحالي يتعلق بقطاع النقل، وهو قطاع تنظر إليه القاهرة باعتباره مدخلًا مباشرًا لزيادة التجارة البينية مع أفريقيا. وفي 31 مارس 2026 أكد وزير النقل المصري كامل الوزير خلال لقائه السفير التنزاني في القاهرة ريتشارد موتايوبا مكانزو أن مصر تستهدف تعميق التعاون مع تنزانيا باعتبارها مركزًا مهمًا لحركة التجارة في شرق القارة.

وتبرز أهمية هذا المسار بالنظر إلى موقع ميناء دار السلام، الذي يُعد من أهم الموانئ في شرق أفريقيا، ويخدم التجارة التنزانية ويشكّل منفذًا أساسيًا لعدد من الدول المجاورة غير الساحلية، منها زامبيا ورواندا وبوروندي وأوغندا والكونغو الديمقراطية ومالاوي. ولهذا تتعامل القاهرة مع التعاون في النقل والموانئ ليس فقط بوصفه ملفًا ثنائيًا، بل باعتباره فرصة أوسع لتعزيز النفاذ المصري إلى أسواق الإقليم.

وتشير المعطيات المعلنة إلى أن الجانبين يناقشان مجالات تشمل تطوير وتشغيل محطات متعددة الأغراض في ميناء دار السلام، وإطلاق خط ملاحي يربط موانئ البحر الأحمر المصرية بالميناء التنزاني، إلى جانب إنشاء مناطق لوجستية متبادلة بما يدعم حركة الصادرات والاستثمارات المشتركة. ومن شأن هذه الترتيبات، إذا جرى تفعيلها عمليًا، أن تمنح الشركات المصرية حضورًا أكبر في سلاسل الإمداد بشرق أفريقيا، وأن تفتح المجال أمام صناعات مشتركة مرتبطة بالنقل والخدمات البحرية.

الطاقة: مشروع جوليوس نيريري في صدارة التعاون

في ملف الطاقة، يظل مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية العنوان الأبرز في التعاون المصري التنزاني. المشروع تنفذه شركتا المقاولون العرب والسويدي إليكتريك ضمن تحالف مصري، وتبلغ قدرته الإجمالية 2115 ميجاواط، فيما تُقدَّر تكلفته بنحو 2.9 مليار دولار. ويُنظر إليه باعتباره أحد أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية التي تنفذها شركات مصرية في القارة.

وخلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى تنزانيا في 20 مارس 2025، جرى التأكيد على أن المشروع كان قد وصل إلى 99.9% من التنفيذ، مع دخول 8 توربينات من أصل 9 الخدمة آنذاك. كما تظهر بيانات قطاع الكهرباء في تنزانيا للسنة المالية 2023/2024 أن المشروع كان قد بلغ 99.21%، وكانت أربع وحدات توليد تضخ بالفعل 940 ميجاواط إلى الشبكة. هذه الأرقام تعكس أن التعاون في الطاقة لم يعد مجرد وعود سياسية، بل تحول إلى بنية تشغيلية قائمة تدعم احتياجات تنزانيا من الكهرباء وتمنح الشركات المصرية سجلًا تنفيذيًا قويًا في أفريقيا.

وتعطي القاهرة لهذا المشروع وزنًا خاصًا في خطابها الأفريقي، لأنه يجمع بين أبعاد التنمية والطاقة النظيفة والبنية التحتية، كما يعزز صورة مصر كشريك قادر على تنفيذ مشروعات كبرى داخل دول حوض النيل. ومن الجانب التنزاني، يمثل المشروع ركيزة مهمة لمعالجة الطلب المتزايد على الكهرباء ودعم خطط التنمية الصناعية.

الزراعة والموانئ: توسع يتجاوز الاتفاقات التقليدية

إلى جانب النقل والطاقة، تطرقت المباحثات إلى التعاون في الزراعة والموانئ، وهما ملفان يرتبطان بشكل مباشر باحتياجات السوقين المصري والتنزاني. فتنزانيا تمتلك موارد زراعية واسعة ومساحات كبيرة قابلة للتوسع في الإنتاج، بينما تسعى مصر إلى تعزيز أمنها الغذائي وتوسيع استثماراتها وشراكاتها في القارة، سواء عبر التجارة أو التصنيع أو الخدمات اللوجستية.

وفي هذا السياق، تبدو الموانئ عنصرًا حاسمًا في ترجمة أي تفاهمات اقتصادية إلى حركة فعلية للسلع والاستثمارات. فكلما تطورت البنية اللوجستية بين البلدين، زادت فرص انتقال الخبرات والشركات والمنتجات المصرية إلى أسواق شرق أفريقيا، وزادت في المقابل قدرة تنزانيا على جذب استثمارات مرتبطة بالنقل البحري والتخزين والخدمات الصناعية.

لماذا تهم هذه الشراكة القارئ المصري؟

بالنسبة لمصر، لا يقتصر معنى هذه الشراكة على بعدها الدبلوماسي فقط، بل يمتد إلى اعتبارات اقتصادية واستراتيجية أوسع. فتنزانيا دولة محورية في شرق أفريقيا، كما أن تعزيز الحضور المصري فيها ينسجم مع توجه الدولة خلال السنوات الأخيرة لتوسيع الانخراط داخل القارة عبر الاستثمار، والمقاولات، والطاقة، والتدريب الفني، وربط الأسواق.

  • أولًا: فتح أسواق جديدة للصادرات المصرية في شرق ووسط أفريقيا.
  • ثانيًا: تعزيز حضور الشركات المصرية في مشروعات البنية الأساسية والطاقة.
  • ثالثًا: دعم الربط اللوجستي عبر الموانئ والخطوط الملاحية.
  • رابعًا: توسيع التعاون مع دولة مؤثرة في محيط حوض النيل وشرق القارة.

كما أن الشراكة مع دار السلام تحمل بعدًا عمليًا مهمًا، لأن تنزانيا لا تُعد سوقًا منفردة فقط، بل نقطة عبور إلى تجمعات اقتصادية أوسع في شرق أفريقيا، وهو ما يفسر الاهتمام المصري المتزايد بتكثيف الاتصالات السياسية والاقتصادية معها.

شراكة أفريقية قابلة للبناء

المؤكد أن توقيع مذكرتي التفاهم في النقل والطاقة يأتي ضمن مسار أطول من التقارب بين البلدين، سبقته لقاءات رئاسية واتصالات وزيارات وزارية ومنتديات أعمال، وترافقه مشروعات قائمة بالفعل على الأرض. لذلك تبدو الخطوة الجديدة أقرب إلى توسيع لشراكة قائمة لا إلى بداية من الصفر.

وفي حال جرى البناء على هذه التفاهمات بإجراءات تنفيذية واضحة، فقد تتحول العلاقات المصرية التنزانية إلى نموذج متقدم للتعاون الأفريقي القائم على المصالح المتبادلة: الطاقة لدعم التنمية، والنقل لتسهيل التجارة، والموانئ لتوسيع النفاذ إلى الأسواق، والزراعة لتأمين سلاسل الإمداد والغذاء. ومن هذه الزاوية، فإن ما جرى بين السيسي ورئيسة تنزانيا يتجاوز الطابع البروتوكولي، ليعكس رهانًا مصريًا مستمرًا على بناء نفوذ اقتصادي وتنموي أعمق داخل أفريقيا.