السيسي: وعي المصريين حائط الصد أمام محاولات هدم الدولة
السيسي يربط حماية الدولة بوعي الأجيال الجديدة
جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على أن مصر مرت خلال السنوات الماضية بمرحلة شديدة الحساسية، شهدت محاولات استهدفت إضعاف الدولة ونشر الفوضى، مشيرًا إلى أن هناك فئات عمرية شابة لم تعش تلك الفترة بكل تفاصيلها، وهو ما يفرض - من وجهة نظره - مسؤولية أكبر على مؤسسات الدولة والمجتمع في شرح ما جرى وترسيخ الوعي الوطني.
وتأتي هذه الرسائل في سياق متكرر داخل خطاب الدولة المصرية خلال المناسبات الوطنية واللقاءات الرسمية، حيث يركز الرئيس على أن الحفاظ على الاستقرار لا يرتبط فقط بالإجراءات الأمنية، بل يعتمد كذلك على وعي المواطنين، خصوصًا الشباب، وقدرتهم على التمييز بين النقد المسؤول ومحاولات الهدم أو التضليل.
ماذا قال الرئيس في مناسبات رسمية سابقة؟
في كلمته بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لثورة 30 يونيو، قال الرئيس إن هذه المحطة مثلت لحظة فاصلة استعاد فيها المصريون دولتهم ومؤسساتهم بعد فترة وصفها بأنها اتسمت بالفوضى والدمار، مؤكدًا أن البلاد انتقلت منذ 2013 إلى مرحلة عنوانها استعادة الاستقرار والانطلاق نحو البناء والتنمية.
كما شدد الرئيس، في كلمته بمناسبة عيد الشرطة في يناير 2026، على ضرورة تحصين الشباب، وخاصة من لم يكن واعيًا بالكامل بأحداث عام 2011 وما تلاها، لافتًا إلى أن مخاطر الاستخدام غير المنضبط لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب أدوات الذكاء الاصطناعي، قد تسهم في صناعة صور أو سياقات غير حقيقية تؤثر على الرأي العام.
وفي اجتماع موسع عُقد يوم 29 سبتمبر 2026 بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، بحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من كبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والشرطة والمحافظين، تحدث الرئيس عن تعدد الأدوات المستخدمة للإضرار بالدول، مشيرًا إلى أن بعض هذه الأدوات يستغل الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي في محاولة التأثير على وعي المواطنين وتماسكهم.
رسالة موجهة إلى جيل لم يعش سنوات الاضطراب
حديث الرئيس عن وجود أجيال لم تشهد محاولات التدمير والخراب التي مرت بها مصر يحمل بُعدًا سياسيًا ومجتمعيًا في آن واحد. فالشباب الذين دخلوا مراحل التعليم أو العمل بعد 2013 لم يعاصروا، بنفس الدرجة، مشاهد الانفلات والقلق على مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن، وهو ما يجعل رواية تلك المرحلة جزءًا من معركة الوعي التي تتحدث عنها الدولة بشكل متكرر.
وفي هذا الإطار، يبرز الربط بين الذاكرة الوطنية وبين التحديات الراهنة؛ إذ ترى مؤسسات الدولة أن استحضار ما جرى في السنوات المضطربة ليس مجرد استعادة للماضي، بل أداة لتفسير الحاضر والتعامل مع الأزمات الإقليمية والاقتصادية التي تواجه المنطقة.
من الفوضى إلى تثبيت مؤسسات الدولة
الرواية الرسمية المصرية تستند إلى أن البلاد واجهت، خلال العقد الماضي، تحديات مركبة شملت الإرهاب، والضغوط الاقتصادية، والتوترات الإقليمية. وفي أكثر من مناسبة، أشار الرئيس إلى أن الدولة لم تكن تخوض معركة أمنية فقط، بل معركة للحفاظ على كيانها المؤسسي ومنع انزلاقها إلى نماذج شهدتها دول أخرى في المنطقة.
وفي هذا السياق، قال الرئيس في يناير 2026 إن موجة الإرهاب تم التغلب عليها نهائيًا في 2022، معتبرًا أن هذه النتيجة لم تتحقق فقط بجهد المؤسسات الأمنية، وإنما أيضًا بدور المجتمع في مساندة الدولة ورفض خطاب الفوضى والتطرف.
لماذا يتصدر "الوعي" الخطاب الرسمي في مصر؟
تضع الدولة المصرية مفهوم الوعي في قلب خطابها السياسي خلال السنوات الأخيرة. والمقصود هنا ليس فقط الإدراك السياسي، بل أيضًا فهم تأثير الشائعات، والمحتوى المضلل، والمواد المفبركة التي قد تنتشر عبر الإنترنت بسرعة كبيرة. ولهذا يتكرر الحديث الرسمي عن دور المدارس والجامعات والمساجد والكنائس والإعلام والأسرة في بناء وعي متماسك.
ويظهر ذلك بوضوح في تصريحات الرئيس التي تؤكد أن حماية الأوطان لا تتحقق بالإجراءات الصلبة وحدها، بل تحتاج إلى مجتمع قادر على قراءة الأحداث في سياقها، وعدم الانجراف وراء دعوات الهدم أو الإحباط أو التشكيك غير المستند إلى حقائق.
- المدارس والجامعات: باعتبارها ساحات أساسية لتكوين المعرفة والانتماء.
- الإعلام الوطني: لدوره في تقديم المعلومات الموثقة ومواجهة الشائعات.
- المؤسسات الدينية: في دعم خطاب الاعتدال ورفض التطرف.
- الأسرة المصرية: بوصفها خط الدفاع الأول في تشكيل وعي الأبناء.
ارتباط الرسالة بالوضع الإقليمي
لا ينفصل هذا الخطاب عن التطورات المحيطة بمصر. ففي اجتماع سبتمبر 2026، أشار الرئيس إلى أن البلاد تعرضت منذ عام 2020 لسلسلة من الصدمات الاقتصادية، من بينها تداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والحرب على قطاع غزة. كما أكد أن محاولات التهجير لم ولن تتوقف، وأن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية في المنطقة.
وخلال الاجتماع نفسه، أعلن أن مصر خسرت نحو 20 مليار دولار من عوائد قناة السويس خلال السنوات الأخيرة بسبب حالة عدم الاستقرار في المنطقة، في إشارة إلى أن التحديات الأمنية والسياسية لم تعد منفصلة عن التأثيرات الاقتصادية المباشرة على الداخل المصري.
بين استدعاء الماضي وبناء الحاضر
الرسالة الأساسية في تصريحات الرئيس تبدو واضحة: تذكير الأجيال الجديدة بأن الاستقرار الذي تعيشه البلاد اليوم لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء بعد سنوات صعبة دفعت فيها الدولة والمجتمع كلفة كبيرة. لذلك، فإن استحضار تلك المرحلة يُقدَّم رسميًا باعتباره جزءًا من حماية الحاضر، وليس مجرد حديث تاريخي.
كما أن هذا الخطاب يرتبط بفكرة "الجمهورية الجديدة" التي تكررها الرئاسة المصرية في بياناتها وكلماتها، باعتبارها مرحلة تقوم على تثبيت مؤسسات الدولة، وتطوير البنية الأساسية، ودفع مشروعات التنمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط الخارجية والداخلية.
عبد الفتاح السيسي في صدارة المشهد
يظل الرئيس عبد الفتاح السيسي هو الشخصية المحورية في هذا النوع من الرسائل السياسية، سواء عبر الكلمات الرسمية المنشورة على موقع رئاسة الجمهورية أو عبر اللقاءات المباشرة مع مؤسسات الدولة. وتشير السيرة المنشورة على الموقع الرسمي للرئاسة إلى أن السيسي هو الرئيس الثامن لجمهورية مصر العربية، وقد تولى المسؤولية في مرحلة وصفتها الدولة بأنها من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخها الحديث.
وبينما تواصل الرئاسة التأكيد على أولوية الاستقرار، يبدو أن الرسالة الموجهة إلى الشارع المصري، وخاصة الشباب، هي أن صون الدولة يبدأ من الوعي، وأن قراءة ما جرى خلال سنوات الاضطراب تظل ضرورية لفهم طبيعة التحديات الراهنة وكيفية التعامل معها.