Akhbar Cairo

السيسي ومودي: لماذا يظل هدف 12 مليار دولار اختبارًا للشراكة؟

السيسي ومودي: من الرمزية السياسية إلى اختبار المصالح

حين التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في نيودلهي، لم يكن العنوان الأبرز مجرد صورة دبلوماسية بين دولتين من العالم النامي، بل محاولة لبناء معادلة أكثر طموحًا بين القاهرة ونيودلهي: شراكة سياسية تترجم نفسها إلى تجارة واستثمار وتعاون تكنولوجي وطاقة. خلال زيارة السيسي إلى الهند في 25 يناير 2023، قال مودي إن البلدين قررا العمل على رفع التجارة الثنائية إلى 12 مليار دولار خلال خمس سنوات، وهو الهدف الذي عاد ليصبح مؤشرًا عمليًا على جدية الشراكة بين الطرفين.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه النقطة بالذات أكثر أهمية من أي عبارات بروتوكولية. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت العلاقات المصرية الهندية جيدة، بل ما إذا كانت هذه العلاقة قادرة على إنتاج مكاسب اقتصادية مباشرة لمصر في لحظة تبحث فيها الدولة عن تنويع الشركاء، وجذب التصنيع، وتوسيع أسواق التصدير، وتقليل هشاشة سلاسل الإمداد.

ماذا قالت اللقاءات الرسمية فعلًا؟

البيانات الرسمية المصرية والهندية تعطي صورة واضحة عن اتجاه المباحثات. ففي نيودلهي، أكد الجانبان الرغبة في بناء إطار طويل الأجل للتعاون السياسي والاقتصادي والعلمي والأمني. كما ركزت المباحثات على الاستثمار، والطاقة الجديدة والمتجددة، والدفاع، والتكنولوجيا، والأمن الغذائي. وبعد أشهر قليلة، استقبل السيسي مودي في القاهرة يوم 25 يونيو 2023، حيث أعلنت الرئاسة المصرية توقيع الإعلان المشترك لرفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

اللافت هنا أن الملفات المطروحة لم تكن عشوائية. فاختيار مجالات مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والصناعات الدوائية، والأمصال واللقاحات، والتعليم العالي، والهيدروجين الأخضر، يعني أن القاهرة ونيودلهي تحاولان تجاوز نموذج التجارة التقليدية القائم فقط على تبادل السلع، نحو نموذج أكثر تركيبًا يقوم على الإنتاج المشترك ونقل الخبرة وربط السوقين بممرات استثمارية أوسع.

هدف 12 مليار دولار: طموح كبير، لكن من أين يبدأ؟

الرقم المعلن، أي 12 مليار دولار، يبدو جذابًا سياسيًا وإعلاميًا، لكنه يظل بعيدًا عن الواقع الحالي إذا نظرنا إلى أحدث الأرقام الرسمية المتاحة. وفق التقرير السنوي لوزارة الشؤون الخارجية الهندية، بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين في السنة المالية 2023-2024 نحو 4.8 مليار دولار. وفي بيانات هندية أحدث عن السنة المالية 2024-2025، ورد أن التجارة الثنائية تراوحت عند مستوى 4.8 إلى 5.2 مليار دولار بحسب الوثيقة المرجعية المستخدمة، ما يعني أن المسافة لا تزال كبيرة بين المستوى الراهن والهدف السياسي المعلن.

هنا تظهر المعضلة الأساسية: الانتقال من أقل من نصف الهدف إلى الرقم المستهدف لن يتحقق بمجرد الزيارات المتبادلة، بل يحتاج إلى قرارات تشغيلية دقيقة. من بينها: تخفيف العوائق غير الجمركية، تحسين الخدمات اللوجستية، توسيع الاعتراف المتبادل بالمواصفات، تيسير المدفوعات، ودعم دخول الشركات المتوسطة وليس فقط المجموعات الكبرى.

لماذا يهم هذا الرقم مصر تحديدًا؟

من زاوية مصرية، توسيع التجارة مع الهند ليس رفاهية دبلوماسية. الهند واحدة من أكبر الاقتصادات نموًا في العالم، وسوق ضخمة للسلع والطاقة والمنتجات الزراعية والكيماوية. كما أنها تمتلك قاعدة صناعية مهمة في الدواء والتكنولوجيا والخدمات الرقمية. وإذا نجحت مصر في توظيف موقعها الجغرافي عبر قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فإن العلاقة مع الهند يمكن أن تتحول من تبادل سلع إلى منصة تصنيع وتصدير موجهة إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

هذا مهم خصوصًا لأن القاهرة تسعى منذ سنوات إلى جذب استثمارات أجنبية ترتبط بالإنتاج والتصدير، لا مجرد التدفقات المالية قصيرة الأجل. وفي هذا السياق، تبدو الشركات الهندية مرشحة للعب دور أكبر، خاصة أن البيانات الهندية تشير إلى وجود استثمارات هندية قائمة في مصر تتجاوز 3 مليارات دولار، مع حضور في قطاعات متنوعة مثل الصناعة والكيماويات والطاقة.

الشراكة الاستراتيجية: ما الذي تغيّر بعد 2023؟

عام 2023 كان نقطة التحول الرئيسية في العلاقات المصرية الهندية. السيسي زار الهند بدعوة من مودي وشارك ضيف شرف في احتفالات يوم الجمهورية، وهو تقليد تعتبره نيودلهي من أعلى مستويات التكريم السياسي. ثم جاءت زيارة مودي إلى القاهرة في يونيو 2023، وهي أول زيارة دولة يقوم بها رئيس وزراء هندي إلى مصر من هذا النوع، وتزامنت مع مرور 75 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

لاحقًا، استمرت اللقاءات بين الجانبين على هامش قمم دولية، كما شاركت مصر في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023 بدعوة من الرئاسة الهندية. هذه الكثافة في الاتصالات السياسية تعني أن العلاقة خرجت من إطار الصداقة التاريخية إلى محاولة تأسيس آلية متابعة منتظمة، وهو ما ظهر أيضًا في الإشارات الهندية إلى إنشاء “وحدة الهند” داخل مجلس الوزراء المصري لدفع التعاون الثنائي.

أين يمكن أن تتحقق المكاسب الأسرع؟

إذا أردنا قراءة الملف بعين اقتصادية لا بروتوكولية، فهناك أربعة مسارات تبدو الأكثر قابلية للتحول إلى نتائج:

  • الطاقة الجديدة والمتجددة: خاصة مشروعات الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، وهي مجالات تسعى فيها مصر إلى جذب تمويل وشراكات صناعية طويلة الأمد.
  • الصناعات الدوائية واللقاحات: الهند قوة عالمية في هذا القطاع، ومصر تملك سوقًا كبيرة وقاعدة إنتاج قابلة للتوسع.
  • تكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية: وهو مجال مناسب لتدريب الكوادر المصرية وربطها بشركات هندية ذات خبرة واسعة.
  • الأمن الغذائي والسلع الاستراتيجية: خصوصًا في ظل التقلبات العالمية في سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء والطاقة.

الفرصة هنا أن التعاون لا يبدأ من الصفر. فالمباحثات الرسمية بين البلدين أشارت بوضوح إلى هذه المجالات، كما أن الهند تعد مصر أحد شركائها التجاريين المهمين في أفريقيا. لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من النية السياسية إلى القدرة التنفيذية.

قراءة مصرية: ما الذي ينبغي مراقبته؟

في القاهرة، من المفيد عدم الاكتفاء بالاحتفاء بهدف 12 مليار دولار كعنوان كبير. الأهم هو متابعة مؤشرات أصغر لكنها أكثر صدقًا: كم مصنعًا جديدًا دخل السوق؟ ما حجم الاستثمارات التي تحولت من مذكرات تفاهم إلى تنفيذ فعلي؟ هل زادت الصادرات المصرية إلى الهند، أم أن العلاقة ما زالت تميل لمصلحة الصادرات الهندية؟ وهل نجحت مصر في استخدام هذه الشراكة لتحسين موقعها داخل سلاسل التجارة الآسيوية والأفريقية؟

كذلك، فإن البعد السياسي لا يمكن فصله عن الاقتصادي. فكل من السيسي ومودي يقودان دولتين تراهنان على فكرة الاستقلال الاستراتيجي وتوسيع هامش الحركة في عالم مضطرب. ومن هذه الزاوية، تبدو الشراكة بين القاهرة ونيودلهي جزءًا من إعادة تموضع أوسع للدول متوسطة وكبيرة الحجم في الجنوب العالمي، وليس مجرد ملف ثنائي ضيق.

الخلاصة: بين الطموح والقدرة على الإنجاز

لقاءات الرئيس عبد الفتاح السيسي وناريندرا مودي لم تطرح هدفًا تجاريًا فحسب، بل كشفت عن رغبة متبادلة في منح العلاقات المصرية الهندية وزنًا أكبر في الاقتصاد والسياسة معًا. لكن الأرقام الرسمية المتاحة حتى 2025 توضح أن الطريق إلى 12 مليار دولار لا يزال طويلًا، وأن الوصول إليه يتطلب أكثر من حسن النوايا.

من منظور تحليلي، يمكن القول إن الشراكة المصرية الهندية تمتلك منطقًا قويًا: سوقان كبيرتان، مصالح متقاطعة، ومناخ دولي يدفع إلى تنويع الشركاء. غير أن نجاح هذا المنطق يتوقف على عنصر واحد حاسم: هل تستطيع الحكومتان تحويل الزخم السياسي إلى بنية اقتصادية يومية ومستدامة؟ هنا فقط سيصبح الرقم المعلن أكثر من مجرد وعد دبلوماسي جميل.