Akhbar Cairo

السيسي يدفع لتسريع تخارج الدولة وفتح المجال أمام القطاع الخاص

توجيه رئاسي جديد لتسريع التخارج من الأنشطة غير الاستراتيجية

في خطوة تعكس استمرار التحول في إدارة دور الدولة داخل الاقتصاد، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بالإسراع في تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية غير الاستراتيجية، مع التأكيد على توسيع مساحة القطاع الخاص ليكون شريكًا رئيسيًا في النمو والاستثمار. ويأتي هذا التوجه في وقت تضع فيه الحكومة المصرية جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ورفع كفاءة الأصول العامة، وتحسين تنافسية السوق ضمن أولوياتها الاقتصادية.

الرسالة الأساسية من هذا التوجيه ليست مجرد تقليص وجود الدولة في بعض الأنشطة، بل إعادة تعريف هذا الوجود بحيث تركز المؤسسات العامة على المجالات ذات الطبيعة الاستراتيجية، بينما تُفتح قطاعات أخرى أمام المستثمرين والشركات الخاصة، سواء عبر الشراكة أو الطروحات أو زيادة رؤوس الأموال أو نقل الإدارة إلى كيانات أكثر كفاءة.

ما المقصود بتخارج الدولة؟

مصطلح تخارج الدولة لا يعني بالضرورة البيع الكامل للأصول، وهي نقطة سبق أن شددت عليها الحكومة المصرية أكثر من مرة. رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي كان قد أوضح عند مناقشة وثيقة سياسة ملكية الدولة أن التخارج قد يتم عبر بدائل متعددة، من بينها الطرح في البورصة، أو دخول مستثمر استراتيجي، أو الشراكة في الإدارة، أو إعادة هيكلة الأصل لرفع كفاءته وقيمته السوقية.

هذا الفهم مهم بالنسبة للمتابعين في مصر وخارجها، لأن النقاش حول دور الدولة في الاقتصاد لا يتعلق فقط بحجم الملكية، بل أيضًا بكيفية تحقيق التوازن بين حماية الأصول العامة، وضمان المنافسة العادلة، وإفساح المجال لرأس المال الخاص كي يقود التوسع والإنتاج والتشغيل.

وثيقة سياسة ملكية الدولة.. الأساس التنظيمي للتحرك

التحرك الحالي يستند إلى وثيقة سياسة ملكية الدولة التي اعتمدتها مصر في ديسمبر 2022، والتي حددت خريطة وجود الدولة في قطاعات الاقتصاد المختلفة. الوثيقة تستهدف توضيح أين تستمر الدولة، وأين تخفف استثماراتها، وأين تنسحب تدريجيًا خلال فترة زمنية محددة، بما يمنح المستثمرين رؤية أوضح حول اتجاهات السوق والسياسة الاقتصادية.

ووفق تصريحات رسمية صادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية سابقًا، فإن الوثيقة صُممت لتوفير بيئة أكثر جذبًا للاستثمار، ورفع كفاءة الاستثمارات العامة، وتعزيز دور الدولة كمنظم للنشاط الاقتصادي أكثر من كونها منافسًا مباشرًا في كل القطاعات. كما أشارت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة إلى أن الوثيقة أقرت تخارج الدولة من قطاعات تمثل نحو 85% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يفتح المجال بدرجة أوسع أمام القطاع الخاص المصري والعربي والأجنبي.

لماذا يعود الملف إلى الواجهة الآن؟

عودة الملف بقوة ترتبط بعدة عوامل داخلية وخارجية. فمن جهة، تسعى الحكومة إلى تسريع وتيرة النمو وخلق فرص عمل في بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب. ومن جهة أخرى، تمثل زيادة مساهمة القطاع الخاص أحد المحاور الرئيسية في برنامج الإصلاحات الهيكلية الذي تتابعه مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

البنك الدولي أشار في أحدث مواده الخاصة بالاقتصاد المصري إلى أن من بين الأهداف المعلنة رفع مساهمة الاستثمارات الخاصة إلى 65% من إجمالي الاستثمارات، إلى جانب جذب استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة وتحسين القدرة التصديرية. كما يؤكد صندوق النقد الدولي في تقاريره الخاصة بمصر أن التنفيذ الحاسم لوثيقة سياسة ملكية الدولة يعد عنصرًا أساسيًا لتهيئة بيئة تنافسية تسمح للقطاع الخاص بأن يصبح المحرك الرئيسي للنمو.

تعزيز المنافسة والحياد التنافسي

واحدة من النقاط الجوهرية في هذا المسار هي الحياد التنافسي، أي ألا تتمتع الشركات التابعة للدولة أو المرتبطة بها بامتيازات تجعل المنافسة غير متكافئة مع القطاع الخاص. ولهذا السبب جاء خلال السنوات الماضية عدد من الإجراءات التشريعية والتنظيمية التي استهدفت تحسين بيئة الأعمال، منها ما يتعلق بتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتوسيع نطاق الرخصة الذهبية، وتخفيف بعض الأعباء غير الضريبية، وتسريع التراخيص الإلكترونية.

وفي مايو 2023، ترأس الرئيس السيسي الاجتماع الأول للمجلس الأعلى للاستثمار بعد إعادة تشكيله، وتم خلاله إقرار 22 قرارًا لتحسين مناخ الاستثمار، شملت خفض تكلفة التأسيس، وتسهيل تخصيص الأراضي، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتقديم حوافز تنافسية لقطاعات مثل الصناعة والزراعة والطاقة والهيدروجين الأخضر.

القانون الجديد وتنظيم ملكية الدولة

ضمن هذا السياق، صدّق الرئيس السيسي في 2025 على قانون تنظيم بعض الأحكام الخاصة بملكية الدولة في الشركات المملوكة لها أو التي تساهم فيها. ويُنظر إلى هذا الإطار القانوني باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لضبط العلاقة بين الملكية العامة وإدارة الأصول من ناحية، وبين السوق والمستثمرين من ناحية أخرى، بما يقلل الضبابية ويعطي إشارات أوضح للمستثمرين بشأن قواعد اللعبة الاقتصادية.

ماذا يعني ذلك للمستثمرين وللاقتصاد المصري؟

بالنسبة للمستثمرين، فإن تسريع التخارج من الأنشطة غير الاستراتيجية يعني اتساع قائمة الفرص المتاحة في قطاعات كانت الدولة حاضرة فيها بقوة خلال السنوات الماضية. وقد يشمل ذلك فرص استحواذ، أو إدارة، أو شراكات، أو اكتتابات عامة، أو ضخ رؤوس أموال جديدة في شركات قائمة.

أما بالنسبة للاقتصاد المصري، فالفكرة الأوسع تتمثل في تحويل القطاع الخاص إلى قاطرة للنمو والتشغيل، مع تركيز الإنفاق العام على المجالات التي يصعب على السوق تغطيتها منفردًا، مثل بعض الخدمات الأساسية أو المشروعات ذات البعد الاستراتيجي والأمني أو تلك التي تحتاج استثمارات ضخمة وطويلة الأجل.

  • أولًا: زيادة قدرة السوق على جذب استثمارات محلية وأجنبية.
  • ثانيًا: رفع كفاءة الشركات والأصول عبر الإدارة الاحترافية والشراكات.
  • ثالثًا: تخفيف الضغط على المالية العامة إذا أُحسن توظيف العوائد.
  • رابعًا: تحسين بيئة المنافسة وتشجيع الابتكار والإنتاجية.

التحدي الأكبر: التنفيذ السريع والواضح

لكن نجاح هذا المسار لا يتوقف على إعلان التوجهات وحده، بل على سرعة التنفيذ ووضوح الجداول الزمنية ونوعية الأصول المطروحة وآليات الطرح نفسها. تقارير صندوق النقد الدولي خلال 2025 و2026 أشارت إلى أن برنامج التخارج واجه بعض التأخير بفعل الظروف الإقليمية والدولية، رغم بقائه ركيزة أساسية في سياسة الدولة الاقتصادية. كما أشار الصندوق إلى إنشاء وحدة جديدة للشركات المملوكة للدولة تحت مظلة رئاسة مجلس الوزراء، بهدف فرز الشركات بين ما هو جاهز للطرح، وما ينبغي نقله إلى صندوق مصر السيادي، وما يحتاج إلى إعادة هيكلة.

هذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر حساسية من المراحل السابقة، لأن الأسواق لا تكتفي بالإعلانات العامة، بل تراقب الصفقات الفعلية، ومعدلات الإنجاز، ومدى تحسن شروط المنافسة على الأرض.

رسالة إلى الداخل والخارج

التوجيه الرئاسي بالإسراع في التخارج من الأنشطة غير الاستراتيجية يحمل في الوقت نفسه رسالة مزدوجة. داخليًا، هو تأكيد على أن الدولة ماضية في إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية لصالح الاستثمار والإنتاج. وخارجيًا، هو إشارة إلى المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب بأن مصر لا تزال تتحرك في اتجاه توسيع دور القطاع الخاص وتقوية الإطار المؤسسي المنظم للسوق.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا ترتبط فقط بالنقاش الاقتصادي المجرد، بل بما يمكن أن ينعكس على فرص العمل، وحجم الاستثمارات الجديدة، ومستوى الخدمات، وقدرة الاقتصاد على تحقيق نمو أكثر استدامة في السنوات المقبلة. لذلك، فإن أي تقدم حقيقي في تنفيذ التخارج، مقرونًا بالشفافية والمنافسة العادلة، سيظل من أكثر الملفات متابعة داخل مصر وخارجها خلال الفترة المقبلة.