السيسي يربط هدف 45% للطاقة النظيفة بتصنيع البطاريات محليًا
لماذا لم يعد ملف الطاقة المتجددة مجرد بند فني؟
يحمل الاجتماع الذي عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) يوم 18 مايو 2026 دلالة تتجاوز المتابعة الدورية للمشروعات. فحين تضع الدولة هدفًا واضحًا برفع مساهمة الطاقة النظيفة إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول 2028، ثم تربط هذا الهدف صراحة بتوسيع الشراكات وبخاصة تلك المعتمدة على مكونات مصنعة محليًا مثل بطاريات تخزين الطاقة، فإن الرسالة هنا سياسية واقتصادية بقدر ما هي فنية.
الاجتماع ضم رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، والفريق أحمد الشاذلي مستشار رئيس الجمهورية للشئون المالية، وشهد استعراضًا لخطة التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب مشروعات تخزين الكهرباء الداعمة لاستقرار الشبكة القومية. والأهم أن الرئاسة أكدت ضرورة الإسراع في التنفيذ، وتذليل العقبات، والالتزام بالجداول الزمنية، مع تعظيم الاستفادة من المقومات الطبيعية التي تملكها مصر في الشمس والرياح.
من 45% بحلول 2028 إلى ما وراء الرقم
الرقم في ذاته مهم، لكنه ليس القصة كاملة. فهدف 45% يعني أن مصر لا تريد فقط إضافة محطات جديدة، بل إعادة صياغة مزيج الطاقة بصورة تقلص تدريجيًا الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتخفف الضغط على فاتورة الوقود، وتمنح الشبكة الكهربائية مرونة أكبر في مواجهة أحمال الذروة.
اللافت أن هذا التوجه لم يعد مجرد عنوان عام؛ إذ أوضحت البيانات الرسمية خلال 2026 أن خطة التنفيذ تتضمن مجموعة مشروعات كبيرة يجري إدخالها تباعًا على الشبكة. ومن بين ما جرى عرضه أمام الرئيس: المرحلة الثانية من مشروع “أوبليسك” للطاقة الشمسية في نجع حمادي بقدرة 500 ميجاوات، ومشروع رياح رأس شقير بقدرة 900 ميجاوات والمقرر ربطه خلال 2027، إضافة إلى مشروع طاقة شمسية في محافظة المنيا بقدرة 1700 ميجاوات، فضلًا عن محطات تخزين طاقة متصلة ومنفصلة في المنيا والإسكندرية وقنا بسعة إجمالية 4000 ميجاوات.
سياسيًا، يبدو هذا المسار متسقًا مع خطاب الدولة حول التحول إلى مركز إقليمي للطاقة. لكن اقتصاديًا، فإن نجاحه لن يُقاس فقط بقدرات التوليد، بل بمدى تحويل هذه الاستثمارات إلى قاعدة صناعية محلية تخفف الاستيراد وتولد وظائف وتبني خبرة مصرية قابلة للتوسع.
بطاريات التخزين: الحلقة التي تغير قواعد اللعبة
التركيز الرئاسي على بطاريات تخزين الطاقة ليس تفصيلًا هامشيًا. فمشروعات الشمس والرياح بطبيعتها متغيرة الإنتاج، وتحتاج إلى منظومة قادرة على تخزين الكهرباء وضخها عند الحاجة، خصوصًا في أوقات الذروة أو تراجع الإمداد من المصادر المتجددة. لهذا السبب أصبحت البطاريات عنصرًا حاسمًا في أي خطة جادة لزيادة نسبة الطاقة النظيفة داخل الشبكة.
وفي هذا السياق، تكررت خلال 2026 إشارات رسمية إلى التوسع في التخزين. فقد استعرضت وزارة الكهرباء ومحاضر اجتماعات الحكومة والرئاسة خططًا لمحطات تخزين متصلة بالشبكة وأخرى مستقلة، كما جرى الحديث عن سعات ضخمة في صعيد مصر ومحافظات أخرى. كذلك وافقت الحكومة على مشروعات تشمل منشأة تخزين مستقلة في نجع حمادي بسعة 2000 ميجاوات/ساعة إلى جانب مشروعات شمسية في الواحات والنجع، مع استهداف التشغيل في 2027.
ومن زاوية تحليلية، فإن إدخال التخزين على هذا النطاق يعني أن مصر تتحرك من مرحلة “إضافة قدرات متجددة” إلى مرحلة “إدارة متقدمة لمزيج الطاقة”. وهذا فارق جوهري؛ لأن العبرة ليست فقط بكمية الكهرباء المنتجة، بل بإمكانية الاعتماد عليها في التوقيت المناسب وبالتكلفة المناسبة.
توطين الصناعة: من الاستيراد إلى سلاسل القيمة
أبرز ما يميز الرسالة السياسية في هذا الملف أن الدولة باتت تربط بين الطاقة المتجددة والتصنيع المحلي ربطًا مباشرًا. فالرئيس شدد على دعم نماذج الشراكة التي تعتمد على مهمات محلية الصنع، مع إيلاء اهتمام خاص لمستلزمات التخزين. وهذه النقطة تعكس انتقال النقاش من “إنشاء محطة” إلى “من يملك التكنولوجيا والمكوّن وسلسلة الإمداد؟”.
هذا التوجه ظهر أيضًا في تحركات حكومية خلال العام نفسه. فقد شهدت بداية يناير 2026 توقيع عقود لمشروعين متكاملين في قطاع الطاقة المتجددة والتصنيع المحلي لمكوناتها داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باستثمارات تتجاوز 1.8 مليار دولار. ووفق البيانات الرسمية، يتضمن أحد المسارات إنشاء مصنع لبطاريات تخزين الطاقة، بما يدعم استقرار الشبكة القومية ويعزز جاذبية مصر كمركز صناعي ولوجستي للاستثمارات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
هنا تظهر المسألة الأعمق: إذا بقيت مصر مستوردة للمكوّنات الرئيسية، فسوف تظل مكاسب التوسع في الطاقة المتجددة جزئية. أما إذا نجحت في تصنيع البطاريات وبعض تجهيزات المحطات محليًا، فإن العائد سيتضاعف عبر:
- خفض فاتورة الواردات المرتبطة بالمكونات الرئيسية.
- رفع المكوّن المحلي في المشروعات الجديدة.
- توفير فرص عمل في التصنيع والخدمات والصيانة.
- تعزيز قدرة الشركات المصرية على الدخول في سلاسل التوريد الإقليمية.
- تحسين أمن الطاقة عبر تقليل التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية.
هل تكفي المشروعات وحدها؟
الإجابة القصيرة: لا. فحتى مع تسارع التنفيذ، يبقى التحدي الحقيقي في إدارة ملف الطاقة المتجددة بوصفه ملفًا سياديًا عابرًا للقطاعات. هناك حاجة إلى شبكة أكثر كفاءة، ونظم تمويل مناسبة، وآليات تسعير وجذب استثمارات، وقدرة مؤسسية على التنسيق بين الكهرباء والصناعة والنقل والاستثمار والبيئة.
كما أن استخدام الطاقة الشمسية داخل المصانع، وهو محور أثير خلال الاجتماع الرئاسي، يفتح بابًا مهمًا أمام القطاع الخاص لتقليل كلفة التشغيل على المدى الطويل، لكنه يحتاج إلى بيئة تنظيمية وتمويلية تشجع التوسع بدل الاكتفاء بالمبادرات المحدودة. فكل مصنع قادر على إنتاج جزء من احتياجاته الكهربائية يخفف الضغط على الشبكة، ويساهم في رفع الاعتماد على الطاقة النظيفة بصورة عملية وليست رمزية.
قراءة مصرية أوسع: أمن كهربائي أم سياسة صناعية جديدة؟
في الظاهر، يبدو الملف تقنيًا: محطات، ميجاوات، وسعات تخزين. لكن في العمق، نحن أمام سياسة صناعية جديدة تستخدم الطاقة المتجددة بوصفها مدخلًا لإعادة تشكيل الاقتصاد. ومصر، بحكم موقعها ومواردها الشمسية والرياحية وشبكتها الإقليمية، تملك فرصة حقيقية لاقتناص مكانة متقدمة، شرط أن يتحول الحديث عن التوطين من خطاب رسمي إلى صناعة فعلية ومنافسة.
من هذه الزاوية، فإن متابعة الرئيس لخطة الوصول إلى 45% بحلول 2028 تبدو محاولة لضبط الإيقاع بين ثلاثة أهداف متوازية: أمن الإمدادات الكهربائية، وخفض الاعتماد على الوقود التقليدي، وبناء قاعدة تصنيع محلي في قطاع سيكون من الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
ويبقى السؤال الأهم بالنسبة للقارئ المصري: هل نشهد فقط توسعًا في محطات التوليد، أم بداية حقيقية لصناعة وطنية في بطاريات التخزين ومكونات الطاقة الجديدة؟ المؤشرات الرسمية خلال 2026 توحي بأن الدولة تريد الأمرين معًا. لكن الحكم النهائي سيبقى مرتبطًا بسرعة التنفيذ، وحجم المكوّن المحلي الفعلي، ومدى قدرة هذه المشروعات على الانتقال من الأوراق والمؤتمرات إلى أثر ملموس في الصناعة والسوق وفاتورة الطاقة.