السيسي يستقبل رئيس الجبل الأسود في أول زيارة رسمية إلى مصر
زيارة رئاسية تعكس انفتاح مصر على شراكات أوسع
استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الاثنين 20 يوليو 2026، رئيس جمهورية الجبل الأسود ياكوف ميلاتوفيتش في القاهرة، في زيارة تحمل أهمية سياسية ودبلوماسية باعتبارها أول زيارة رسمية للرئيس المونتينيغري إلى مصر منذ توليه منصبه. ويشغل ميلاتوفيتش رئاسة الجبل الأسود منذ 20 مايو 2023، بحسب الموقع الرسمي لرئيس جمهورية الجبل الأسود.
وتأتي الزيارة في سياق تحرك مصري مستمر لتوسيع دوائر التعاون مع دول أوروبا والبحر المتوسط، مع التركيز على فتح قنوات جديدة في مجالات السياسة والاقتصاد والاستثمار والسياحة، إلى جانب استمرار التنسيق بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات التأثير المباشر على الأمن والاستقرار.
مباحثات منتظرة بين القاهرة وبودغوريتسا
من المنتظر أن تشهد الزيارة جلسة مباحثات رسمية بين الرئيسين تتناول سبل دفع العلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر تقدمًا، خاصة في ضوء العلاقات الدبلوماسية القائمة بين البلدين منذ 27 سبتمبر 2006، وهو التاريخ الذي شهد اعتراف مصر رسميًا بدولة الجبل الأسود وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها، وفق بيانات الحكومة المونتينيغرية.
وتشير المؤشرات الرسمية إلى أن المباحثات لا تقتصر على الجانب البروتوكولي، بل تستهدف بحث ملفات عملية يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة، سواء في التبادل التجاري أو تشجيع الاستثمارات أو تعزيز حركة السياحة والاتصالات بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص في البلدين.
لماذا تكتسب الزيارة أهمية خاصة لمصر؟
بالنسبة للقاهرة، تندرج الزيارة ضمن سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وتكثيف التواصل مع مختلف العواصم، بما يدعم مصالح الدولة المصرية في محيطها الإقليمي والدولي. كما أن مصر تنظر إلى التعاون مع دول البلقان والبحر الأدرياتيكي باعتباره مسارًا يمكن أن يفتح مجالات إضافية للتجارة والخدمات اللوجستية والسياحة.
ويعزز من أهمية هذا المسار أن الجبل الأسود دولة أوروبية صغيرة نسبيًا لكنها تتمتع بموقع جغرافي مهم على البحر الأدرياتيكي، كما أنها عضو في حلف شمال الأطلسي، وتواصل تحركاتها على المسار الأوروبي. وفي المقابل، تمثل مصر ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا رئيسيًا في الشرق الأوسط وشرق المتوسط وأفريقيا، وهو ما يجعل الحوار بين الجانبين ذا طابع يتجاوز العلاقات الثنائية المباشرة.
العلاقات الاقتصادية: أرقام محدودة لكن قابلة للنمو
ورغم أن حجم التبادل التجاري بين مصر والجبل الأسود لا يزال محدودًا مقارنة بعلاقات مصر مع شركاء أوروبيين أكبر، فإن البيانات الدولية المتداولة استنادًا إلى قاعدة الأمم المتحدة للتجارة تشير إلى وجود صادرات مصرية إلى الجبل الأسود بقيمة تقارب 33.94 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل واردات مصرية من الجبل الأسود بنحو 542.92 ألف دولار في العام نفسه. وتعكس هذه الأرقام فجوة كبيرة لصالح الصادرات المصرية، لكنها في الوقت نفسه تبرز أن العلاقات التجارية لا تزال دون الإمكانات المتاحة.
ومن المرجح أن تبحث القاهرة وبودغوريتسا فرص زيادة هذا التبادل عبر تشجيع مجتمع الأعمال، ورفع وتيرة الاتصالات بين الغرف التجارية، واستكشاف القطاعات الأكثر قابلية للتعاون، مثل السياحة والخدمات والنقل البحري والمنتجات الصناعية والغذائية.
سياق ممتد في التواصل بين البلدين
العلاقات بين مصر والجبل الأسود ليست جديدة، لكنها ظلت طوال السنوات الماضية محدودة الزخم على مستوى الزيارات الرئاسية. ومن أبرز محطات التواصل السابقة استقبال الرئيس السيسي لوزير دفاع الجبل الأسود في ديسمبر 2019، وهي خطوة عكست آنذاك اهتمامًا متبادلًا بتوسيع التعاون في أكثر من ملف.
ومن هذا المنطلق، تبدو الزيارة الحالية محاولة لإعطاء دفعة سياسية مباشرة للعلاقات، خصوصًا أنها تأتي على مستوى رئيسي الدولتين، وهو ما يمنحها وزنًا أكبر في فتح ملفات كانت تتحرك ببطء خلال السنوات الماضية.
ملفات إقليمية ودولية على طاولة النقاش
لا يتوقف جدول الزيارة عند العلاقات الثنائية فقط، إذ يُنتظر أن تشمل المباحثات تبادل الرؤى بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية. وتحرص مصر في لقاءاتها الرئاسية على تأكيد أولوية الحلول السياسية للأزمات، ودعم الاستقرار، والحفاظ على أمن الممرات البحرية، إلى جانب منع اتساع دوائر الصراع في المنطقة.
وبالنسبة للرأي العام المصري، تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الأوضاع المتقلبة التي تشهدها المنطقة، وما يرتبط بها من تأثيرات على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة وحركة التجارة الدولية. ومن ثم، فإن أي تشاور مع شركاء دوليين، حتى لو كانت العلاقات الاقتصادية معهم محدودة نسبيًا، يظل جزءًا من شبكة أوسع تبنيها الدولة المصرية لتثبيت مواقفها وتوسيع هامش التنسيق السياسي.
ماذا يمكن أن تخرج به الزيارة؟
السيناريو الأقرب أن تسفر الزيارة عن تأكيد مشترك على أهمية تطوير العلاقات، مع التوجيه بمواصلة المشاورات بين الجهات المعنية في البلدين خلال الفترة المقبلة. وقد يفتح ذلك الباب أمام ترتيبات عملية لاحقة تشمل زيارات وزارية أو اقتصادية، أو خطوات تستهدف تسهيل التعاون في مجالات الاستثمار والسياحة والتجارة.
كما أن مجرد عقد الزيارة في هذا التوقيت يبعث برسالة مفادها أن القاهرة حاضرة بقوة في شبكة اتصالاتها الدولية، وأنها تواصل العمل على تعميق حضورها الدبلوماسي مع شركاء متنوعين، سواء في جوارها المباشر أو في الدوائر الأوروبية الأوسع.
دلالة مصرية أوسع للحدث
من زاوية محلية، يهم القارئ المصري أن يرى كيف تتحرك الدولة على مستوى العلاقات الخارجية لدعم المصالح الوطنية، سواء عبر جذب مزيد من الشراكات أو عبر تعزيز صورة مصر كطرف رئيسي في معادلات الاستقرار الإقليمي. ولهذا، فإن استقبال الرئيس السيسي لنظيره من الجبل الأسود لا يُقرأ فقط باعتباره خبرًا بروتوكوليًا، بل كحلقة ضمن سياسة مصرية أوسع تسعى إلى توسيع مجالات الحركة والتعاون.
ومع انطلاق المباحثات الرسمية، يبقى الرهان الحقيقي على ما إذا كانت الزيارة ستترجم إلى نتائج عملية ملموسة في الفترة المقبلة، خاصة على مستوى الاقتصاد والسياحة والتنسيق السياسي. لكن المؤكد أن الزيارة تسجل محطة جديدة في مسار العلاقات المصرية المونتينيغرية، وتضعها في دائرة اهتمام أعلى مما كانت عليه في السابق.